تشهد سماء مصر والمنطقة العربية مساء الأحد المقبل 7 سبتمبر 2025، ظاهرة فلكية مميزة، حيث يحدث خسوفا كليا للقمر يتزامن مع اكتمال بدر شهر ربيع الأول لعام 1447هـ، وفى لحظة الذروة، سيختفى القمر كليًا داخل ظل الأرض بنسبة تتجاوز 136%، أى أن مساحة الظل ستغطى القمر بأكمله بل وتمتد إلى ما هو أبعد من قرصه المرئى.
لكن على الرغم من أن خسوف القمر اليوم يُقرأ علميًا بصفته ظاهرة طبيعية تتكرر بدقة محسوبة وفق قوانين الفلك، إلا أن التاريخ البشرى يبرهن أن الظواهر السماوية لم تكن تُفهم على هذا النحو دائمًا، ففى الماضى البعيد، ارتبط الخسوف بالكثير من الأساطير والمخاوف الشعبية التى كشفت عن الطريقة التى فسرت بها الشعوب القديمة علاقتها بالسماء.
أساطير البابليين.. هجوم الأرواح الشريرة
تشير كتابات تاريخية، منها ما أورده الباحث برهان الدين دلو في كتابه حضارة مصر والعراق: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، إلى أن البابليين كانوا ينظرون إلى خسوف القمر باعتباره حادثًا جللا يحمل نذير شؤم، فقد تصوّروا أن القمر يتعرض لهجوم من سبعة شياطين أو أرواح شريرة، وكانوا يسارعون إلى تقديم القرابين والصلوات طلبًا للنجاة، بانتظار أن يقهر الإله قوى الظلام ليعود القمر مضيئًا من جديد.
العرب قبل الإسلام.. القمر في الأسر
أما عرب الجاهلية، فقد تخيلوا أن القمر في حالة أسر أو ضائقة كلما خُسف نوره، كانوا يطرقون المعادن ويحدثون ضجيجًا صاخبًا في محاولة رمزية لتحريره، مرددين الدعوات إلى الله ليطلق سراحه، هذه الطقوس الجماعية عكست إيمانهم بأن للإنسان دورًا يمكن أن يلعبه في إنقاذ السماء من الظلام.
المعتقدات الشعبية.. الخسوف وأثره على الإنسان
وفي الثقافات الشعبية اللاحقة، خصوصًا في العراق، نُسجت معتقدات تربط الخسوف مباشرة بمصائر الأفراد، قيل إن المرأة الحامل إذا وضعت يدها على بطنها أثناء خسوف القمر وُلد طفل نصف وجهه أسود، وإن فعلت الأمر ذاته وقت كسوف الشمس وُلد الجنين محمرّ الوجه مزرقًا، كما ارتبط الخسوف بالخوف من العقاب الأخروى، إذ اعتقد البعض أن إهمال الصلوات الخاصة عند تجاوز الخسوف نصف وجه القمر يؤدى إلى عذاب إضافى يتمثل فى دخول أفعى إلى قبر الميت.
مقاومة السحر.. ماء الطشت
ومن الطقوس الشعبية الطريفة أن يُترك إناء مملوء بالماء طوال فترة الخسوف، مع تلاوة أدعية معينة، إيمانًا بأن الماء يكتسب قوة روحية قادرة على إبطال السحر إذا اغتسلت به المرأة.
بين الماضي والحاضر
اليوم، ومع التقدم العلمي، لم تعد هذه المعتقدات سائدة، لكن استدعاءها عند الحديث عن الخسوف يكشف عن مدى حضور السماء في وجدان الإنسان القديم. فبينما يترقب الفلكيون الحدث المقبل بدقة الساعات والدقائق، يبقى في خلفية المشهد ذلك التراث الضخم من الأساطير الذي جعل من خسوف القمر لحظة رعب وجودي، قبل أن يصبح مشهدًا فلكيًا رائعًا يرصده العالم بالعين المجردة أو عدسات التلسكوبات.