بعد أسبوع واحد من سقوط حكومة فرانسوا بايرن، بسبب إصراره على خطة خفض الإنفاق العام،، وتعيين الرئيس إيمانويل ماكرون للوزير سيباستيان لوكورنو رئيسًا جديدًا للوزراء، الذى أعلن بدوره عدم اتباع الأسلوب القديم، استيقظت فرنسا صباح اليوم، على تعبئة استثنائية، شنتها 8 نقابات عمالية، دعت إلى مظاهرات جماهيرية، وإضراب عام يشل حركة الجمهورية الخامسة.
واتحدت النقابات الفرنسية مرة أخرى منذ يونيو 2023 لدعوة العمال والموظفين إلى النزول إلى الشارع، للضغط على الحكومة الجديدة لمنعها من المضى قدمًا فى الإجراءات المالية التقشفية التى طرحها بايرو، والتى كان فى مقدمتها توفير نحو 44 مليار يورو بحلول 2026 من خلال خفض النفقات الاجتماعية وزيادة التكاليف الصحية وإصلاح إعانات البطالة وفصل المعاشات عن التضخم، وإلغاء العطلات الرسمية.
ووفقًا لتقديرات أجهزة الاستخبارات الفرنسية، فقد تجاوزت المشاركة 800 ألف متظاهر فى نحو 220 مظاهرة، بينما تراهن النقابات على استقطاب ما يقارب المليون متظاهر،بما يفوق حراك "لنغلق كل شيء" الذى كان فى 10 سبتمبر الماضى.
وذكرت صحيفة "ليبراسيون" خطة المسيرات المركزية التى ستنطلق فى باريس من ساحة الباستيل مرورًا بساحة الجمهورية وصولًا إلى ساحة الأمة، وفى مارسيليا من الميناء القديم، وفى ليون من مصنع التبغ إلى ساحة بيلكور، إلى جانب تجمعات فى بوردو وليل وتولوز وستراسبورغ ومونبلييه.
وقالت وزارة الداخلية الفرنسية المنتهية ولايتها، على لسان الوزير برونو ريتايو فى مقابلة مع قناة "بى.إف.إم" الفرنسية، أن اليوم سيكون هجينًا محذرًا من مشاركة مجموعات من أقصى اليسار قد تأتى للمواجهة المباشرة مع الشرطة، مقدرًا عددهم بما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف شخص، كما حث قائد شرطة باريس لوران نونيز أصحاب المتاجر على إغلاق محالهم وحماية واجهاتها تحسبًا لأعمال عنف.
ونقلت صحيفة "لوفيجارو"، تصريحات السلطات الفرنسية أنه وبحلول الساعة الحادية عشرة صباحًا، تم احصاء أكثر من 230 احتجاجًا فى مختلف أنحاء البلاد، بما فى ذلك حصار محطات الحافلات والمدارس، وتم اعتقال 58 شخصًا، بينهم 11 فى باريس خلال مشاجرات وقعت فى الصباح الباكر، ونشرت السلطات نحو 80 ألف شرطى فى جميع أنحاء فرنسا.
وأثر الإضراب على قطاعات حيوية حيث وصفت شركة النقل العمومية فى منطقة باريس (إر آ تى بي) اليوم بـ "يوم أسود" مع دخول أربع نقابات كبرى فى الإضراب، ما أدى إلى توقف شبه كامل لمترو الأنفاق، وإغلاق بعض خطوط الحافلات.
كما يمتد الإضراب إلى قطاع الطيران، إذ ستتأثر رحلات داخلية ودولية لشركة "إير فرانس"، فيما يشارك نحو ثلث معلمى المدارس الابتدائية ونصف موظفى المدارس الثانوية، بحسب نقابات التعليم.
وأفاد اتحاد طلاب المدارس المتوسطة والثانوية "سنيس-إف إس يو" بمشاركة 45% من الطلاب منددًا بظروف العمل السيئة والأجور المنخفضة وتقويض التعليم العام.
وفى جزيرة مارتينيك الكاريبية، وهى إقليم فرنسى فى الخارج، أصبح 150 ألف من السكان بلا مياه بشكل مؤقت بعد إغلاق صمامات فى موقع توزيع رئيسى، فيما وصفته السلطات بأنه "عمل تخريبي"، قبل أن تتم استعادة الإمدادات لاحقًا.
ورفعت النقابات قائمة مطالبها، على رأسها التراجع عن خطة بايرو للتقشف التى وصفتها بأنها قاسية وغير مسبوقة.
وفى بيان مشترك لهم، نددت النقابات بما اسمته سياسة تحميل عبء الإصلاحات للعمال والعاطلين والمتقاعدين والمرضى، مشيرة إلى أن الخطة تتضمن تخفيضات فى الخدمات العامة، إصلاح جديد للتأمين ضد البطالة، تجميد المساعدات الاجتماعية ورواتب الموظفين والعقود المؤقتة، فك ارتباط المعاشات بالتضخم، مضاعفة الرسوم الطبية، وحتى طرح فكرة إلغاء الأسبوع الخامس من الإجازة السنوية.
ورغم أن الحكومة الجديدة برئاسة لوكورنو أعلنت التراجع عن إلغاء يومى عطلة رسميين ـ وهو ما اعتبرته النقابات انتصارًا أوليًا، لكنها ترى أن جوهر الإجراءات لا يزال قائمًا، فى الوقت الذى أعلن لوكورنو فى خطاب تعيينه استعداده لـ تغييرات فى الجوهر لا فى الشكل.
ويأتى هذا الاحتجاج فى ظرف سياسى واجتماعى دقيق، إذ بلغ العجز العام الفرنسى العام الماضى 5.8% من الناتج المحلى الإجمالى، أى ما يقرب من ضعف الحد الأقصى الذى حدده الاتحاد الأوروبى والبالغ 3%، بينما يتجاوز الدين الوطنى الآن 3.3 تريليون يورو (نحو 114% من الناتج الاقتصادي).
وترى النقابات أن تحميل العمال والطبقات الهشة عبء هذه الأزمة المالية لم يعد مقبولًا، وأن الإصلاحات ينبغى أن تبدأ بزيادة الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى لا بتقليص الخدمات العامة.