لا يستطيع معظم الناس اليوم تخيل عالم بدون كهرباء، فهي تشغل كل شيء، من مصابيحنا إلى هواتفنا الذكية، مما يجعل الحياة كما نعرفها ممكنة ولكن ماذا لو كانت لهذه التقنية الأساسية جذور تمتد لأكثر من ألفي عام؟ تشكل "بطارية بابل" القديمة تحديا للتسلسل الزمني التقليدي للتطور التكنولوجي.
لغز كهربائي قديم
في ثلاثينيات القرن العشرين، قام فريق من علماء الآثار بقيادة فيلهلم كونيج باكتشاف مذهل بالقرب من بغداد: جرة طينية صغيرة تبدو غير مهمة وتحتوي على أسطوانة نحاسية مغلفة بطبقة حديدة .
ويعتقد أن هذه القطعة الأثرية، المعروفة الآن باسم بطارية بابل، يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 عام، ويعود تاريخها إلى العصر البارثي أو الساساني.
للوهلة الأولى، بدا وكأنه مجرد قطعة أثرية أخرى، ربما حاوية بسيطة، لكن سرعان ما لاحظ كونيج وفريقه أن تصميم هذه القطعة مشابه بشكل لافت لخلية جلفانية أساسية بطارية، وفقا لما ذكره جريك ريبوت.
اكتشاف هذه القطعة الأثرية، التي يعود تاريخها إلى فترة كان مفهوم الكهرباء فيها مجهولا، يزيد الأمر حيرة، وقد أدى ذلك إلى تكهنات واسعة النطاق بأن شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة قد سخرت الكهرباء بطريقة ما قبل اختراع البطارية الحديثة بوقت طويل.
ولكن ما الغرض الذي استخدمت من أجله هذه القطعة الأثرية؟ هل كانت بطارية بدائية، أم أن الخيالات الحديثة قد شوهت الحقيقة؟ للإجابة على هذه الأسئلة، علينا التعمق في السياق التاريخي، والتحقيقات العلمية، والنظريات المتضاربة المحيطة بهذا الشيء الغامض.
بطارية بابل، التي يعتقد أن عمرها يزيد عن 2000 عام، هي عبارة عن جسم صغير ومتواضع يبلغ ارتفاعه 14 سنتيمترًا (5.5 بوصة) فقط، تتكون من جرة طينية تحتوى على أسطوانة نحاسية، بداخل الأسطوانة قضيب حديدي مثبت بالبيتومين، وهو نوع من الأسفلت الطبيعي يستخدم عادة كمادة مانعة للتسرب في العصور القديمة، تنتج هذه القطعة الأثرية تيارا كهربائيا خفيفا عند ملئها بسائل حمضي، مثل الخل أو عصير الليمون.
يشبه هذا التصميم بشكلٍ ملحوظ خلية جلفانية حديثة، حيث يعمل النحاس والحديد كأقطاب كهربائية، بينما يعمل السائل الحمضي كإلكتروليت، ويزيد من إثارة هذا الاكتشاف، الذي يعود تاريخه إلى زمنٍ كانت فيه المفاهيم الكهربائية الحديثة مجهولة.
ويبقى السؤال، هل كانت هذه الجرة القديمة، التي تعود إلى حضارة عمرها آلاف السنين، مخصصة في الواقع للعمل كبطارية، أم أن هذا التشابه مجرد مصادفة؟
نظريات حول وظيفة بطارية بابل
من أكثر النظريات شيوعا أن بطارية بابل استخدمت في الطلاء الكهربائي، أي طلاء الأجسام بطبقة معدنية رقيقة، كالذهب أو الفضة، وتدعم هذه النظرية أن الطلاء الكهربائي لا يتطلب سوى كمية ضئيلة من الكهرباء، وهو ما تستطيع البطارية إنتاجه عمليا.
حتى أن بعض الباحثين أجروا تجارب باستخدام نسخ طبق الأصل من البطارية لطلاء أجسام صغيرة بالكهرباء، مما أثبت إمكانية ذلك بالفعل مع ذلك، لا تقدم السجلات الأثرية أدلة مباشرة تذكر على أن قدماء بلاد ما بين النهرين مارسوا الطلاء بالكهرباء.
لم يعثر على أي أجسام تحمل علامات طلاء كهربائي واضحة يمكن ربطها بهذه البطاريات، مما يجعل هذه النظرية مثيرة للاهتمام دون إثبات، تفترض نظرية أخرى أن بطارية بابل ربما كان لها غرض رمزي أو احتفالي.
في ثقافة بلاد ما بين النهرين القديمة، كانت العديد من الأشياء تحمل دلالة دينية، وربما كانت القدرة على توليد صدمة كهربائية صغيرة تعتبر شكلاً من أشكال القوة الإلهية، وهذا قد يفسر سبب إغلاق البطارية بعناية بالبيتومين، ربما للحفاظ على السائل "المقدس" بداخلها.