حين يكون النوم ثروة

الإثنين، 01 سبتمبر 2025 10:53 ص


في زمنٍ تتسارع فيه الأرجل خلف الرزق، وتلهث فيه الأرواح وراء المال، وكأن الجنيه بات وسادة القلب الوحيدة، ننسى أحيانًا أن هناك أرزاقًا لا تُعد ولا تُشترى، ولا تُقاس في البنوك، ولا تُحصى في دفاتر المحاسبين.

نومٌ هنيء، مثلًا، هل فكرت فيه كرزقٍ منسي؟

تخيّل شخصًا يملك الملايين، يشتري السرير بأغلى الأثمان، ويؤثث غرفة نومه كأنها جناحٌ إمبراطوري، ثم يغمض عينيه، فلا يأتيه النوم، أو يأتيه متقطعًا، ينهشه الأرق كالذئب لا يشبع.

وتخيّل آخر ينام على حصيرة، أو سريرٍ خشبيّ متهالك، ومع ذلك يغفو كطفلٍ وضعته أمّه في حضن الليل، ويستيقظ وقد غُسلت روحه في صمت الحلم.

النوم الهانئ رزق، ينساه الناس، وهو عند من يعرف قيمته، أثمن من كنوز الأرض، أن تستسلم لعتمة الليل بلا خوف، ألا تلاحقك في منامك أطياف الهموم، ولا أشباح الذكريات، ألا تحمل في قلبك ما يعكّر صفو العقل، فيراوغ النوم كما يراوغ السراب المسافر في الصحراء.

هناك من ينام وفي صدره راحة الضمير، وهذا رزق، وهناك من ينام وهو مطمئنٌّ على أولاده وأهله، وهذا أيضًا رزق.

من لا يقلق من الغد، ولا يتحسّر على الأمس، ولا يصارع الحاضر ليهرب منه إلى شاشة هاتف، هذا من الأثرياء، وإن لم يمتلك شيئًا.

النوم الهانئ ليس غفوة، إنه طمأنينة ورضا وسلام داخلي، رزقٌ لا يُمنح بالقوة، بل يُهدى للقلوب النظيفة، والعقول التي لا تُفرط في الجدل، ولا تُسرف في المقارنة، ولا تلهث وراء ما عند الناس.

فلنتوقّف قليلًا لنسأل أنفسنا: كم مرةً نمنا بضميرٍ مستريح، بلا صراع داخلي؟ كم مرةً كانت الوسادة ملاذًا، لا ساحةَ حرب؟ كم مرةً كنا فقراء في الجيب، وأغنياء في الحلم؟

النوم الهانئ ليس هروبًا من الواقع، بل مصالحة معه، ومن وجد راحته في وسادته، فقد وجد واحدةً من أعظم الأرزاق المنسية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة