في أحد أكثر فصول الغموض إثارة في التاريخ المصرى الحديث، أطلت مذكرات قديمة نسبت إلى الفنانة راقية إبراهيم، بعد سنوات من الكتمان، لتلقي بظلال قاتمة على واحدة من أعظم العقول المصرية النسائية العالمة المصرية الدكتورة سميرة موسى، والتي رحلت في مثل هذا اليوم 5 أغسطس من عام 1952، في حادث غامض بالولايات المتحدة، لا يزال يثير التساؤلات حتى الآن.

العالمة المصرية سميرة موسى
لكن ما قلب الموازين حقًا، هو ما جاء في تلك المذكرات المنسوبة لراقية إبراهيم – أو راشيل ليفي – والتي ألمحت إلى دورها الخفي في تصفية صديقتها المقربة، باستخدام صداقتهما كغطاء لعملية تجسس انتهت بمأساة، فهل كانت نجمة السينما المتألقة عميلة استخباراتية؟ وهل قُتلت سميرة موسى لأن علمها تجاوز الخطوط الحمراء؟
الفنانة راقية إبراهيم التي حققت شهرة كبيرة في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ولدت فى المنصورة لأسرة مصرية يهودية، واسمها الحقيقى راشيل "راحيل" إبراهام ليفى، اكتشفتها بهيجة حافظ، ورغم مصريتها إلا أن ولاءها الشديد كان لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ظهر في أكثر من موقف وأبرزهم رفضها المشاركة فى فيلم تقوم فيه بدور بدوية تخدم الجيش المصرى الذى بدأ يستعد لحرب فلسطين، بالإضافة إلى رفضها رئاسة الوفد المصرى فى مهرجان كان لكونها يهودية، الأمر الذى أدى إلى ابتعاد الوسط الفنى عنها، كما أثيرت اتهامات ضدها بالضلوع فى عملية اغتيال عالمة الذرة المصرية سميرة موسى التى تمت عام 1952.

علاقة سميرة موسي وراقية إبراهيم
أما عن علاقة العالمة الكبير سميرة موسي والفنانة راقية إبراهيم، هو ما كشفت عنه حفيدة الأخيرة ريتا ديفيد توماس من زوجها الأمريكى اليهودى الذى تزوجته راقية إبراهيم عقب هجرتها من مصر، وأكدت أن جدتها كانت على علاقة صداقة حميمة بعالمة الذرة المصرية، وهذا من واقع مذكراتها الشخصية التى كانت تخفيها وسط كتبها القديمة فى شقتها بكاليفورنيا، وتم العثور عليها منذ عامين.
حفيدة الممثلة أكدت أيضًا أن جدتها ساهمت بشكل رئيسى فى تصفية عالمة الذرة المصرية من خلال استغلال علاقة الصداقة التى كانت تجمعهما، والتى كانت تسمح لها بالذهاب لمنزلها، وتصويره بشكل دقيق.
وفى إحدى المرات استطاعت راقية ــ كما ذكرت حفيدتها ــ سرقة مفتاح شقة سميرة، وطبعته على "صابونة"، وأعطتها لمسئول الموساد فى مصر، وبعد أسبوع قامت راقية إبراهيم بالذهاب للعشاء مع سميرة موسى فى "الاوبيرج"، ما أتاح للموساد دخول شقة سميرة موسى، وتصوير أبحاثها، ومعملها الخاص.
ولدت سميرة موسى في 3 مارس 1917 بقرية سنبو الكبرى بالغربية وكان والدها يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة بين أبناء قريته، فكان منزله بمثابة مجلس يلتقي فيه أهل القرية ليناقشوا كافة الأمور السياسية والاجتماعية ومن هذا المنطلق فقد حظيت سميرة موسى بمسيرة دراسية ملفتة للنظر حيث أنهت كافة مراحل التعليم بتفوق واضح.

الدكتورة سميرة موسي
مسيرة سميرة موسى
حصلت سميرة موسى على الجوائز الأولى في جميع مراحل تعليمها، حيث كانت الأولى على الشهادة التوجيهية عام 1935 ويذكر عن نبوغها وتفوقها وذكائها الشديد أنها تمكنت من تأليف كتاب فى علم الجبر الحديث فى السنة الأولى من الثانوية، وطبعته على نفقة أبيها الخاصة، الذى انتابته فرحة شديدة وقرر طباعة 300 نسخة من كتاب ابنته، على نفقته الخاصة ويوزعها على أصدقائها وزميلاتها بالمجان.
التحقت بكلية العلوم جامعة فؤاد الأول -القاهرة حاليًا- رغم أن مجموعها كان يؤهلها لدخول كلية الهندسة فى الوقت الذى كانت أمنية أى فتاة فى ذلك الوقت هى الالتحاق بكلية الآداب، وفى كلية العلوم لفتت نظر أستاذها الدكتور على مصطفى مشرفة، وهو أول مصرى يتولى عمادة كلية العلوم، وقد تأثرت به تأثرًا مباشرًا، ليس فقط من الناحية العلمية بل أيضًا بالجوانب الاجتماعية فى شخصيته واستمر تفوق الطالبة الجامعية سميرة موسى فى الجامعة وحصلت على بكالوريوس العلوم وكانت الأولى على دفعتها.
كان لا بد من تعيينها كمعيدة فى الكلية وثار جدل كبير بين أساتذة الكلية، خاصة من الإنجليز كيف لطالبة مصرية تتفوق وتعين كمعيدة وهى سابقة لم تحدث فى تاريخ الجامعة والكلية من قبل، وأصر الإنجليز على رفض تعيين سميرة موسى كمعيدة فى الكلية، لكن أمام إصرار أستاذها الكبير والعالم المصرى على مصطفى مشرفة وتهديده بالرحيل عن الجامعة، فقد وضع استقالته على مكتب رئيس الجامعة، الدكتور أحمد لطفى السيد مهددًا برحيله إذا لم يتم تعيين سميرة موسى بالجامعة، وبالفعل اجتمع مجلس الوزراء وأصدر قرارًا بتعيينها، وكانت أول امرأة تحصل على لقب معيدة بكلية العلوم، وأول فتاة تحاضر الطلاب بالجامعة.
اغتيال سميرة موسى
تلقت سميرة موسى دعوة للسفر إلى الولايات المتحدة في عام 1952، حيث أُتيحت لها الفرصة لإجراء أبحاث في معامل جامعة سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية، وتلقّت عروضا للبقاء هناك لكنها رفضت، وقبل عودتها بأيام استجابت لدعوة لزيارة معامل في ضواحي كاليفورنيا في 5 أغسطس، وفي طريق كاليفورنيا الوعر ظهرت سيارة نقل فجأة، لتصطدم بسيارتها بقوة، وتلقي بها في وادٍ عميق.