انطلاقا من سؤال افتراضي "ماذا لو التقين نجيب محفوظ؟" أجابت الكاتبات نورا ناجي ونهلة كرم وضحى صلاح ودينا شحاتة بعدد من الاستجابات التي تنوعت ما بين الحديث عن التزامه وإخلاصه للكتاب والتقنيات الفنية في كتبه.. جاء ذلك في ندوة "نجيب محفوظ" التي نظمها ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون، والذي استضاف المبدعات، وكشف عن تأثرهن بصاحب نوبل ومقدار ما يمثله في ثقافتهن.
نجيب محفوظ رؤية عميقة للحياة ومظاهر بسيطة للحياة
تحدّثت الكاتبات عن نجيب محفوظ وسماته الشخصية التي تجمع بين رؤيته العميقة للحياة وبساطته الظاهرة في ممارستها، وكذلك تعبيره عن الشخصية المصرية، وترى نورا أن محفوظ كاتبها المفضّل عربيًا وعالميًا، وتعدّ "الحرافيش" أعظم رواية قرأتها، وأنها بالنسبة إليها أقوى حتى من رواية "الجريمة والعقاب" للكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي.
لا أحد يقلد نجيب محفوظ.. بل يتعلمون منه
ترفض نورا فكرة أن جيلها "يقلّد" محفوظ؛ فالعلاقة به تعلّم لا نسخ، كل رواية عنده بتقنية مخصوصة، والتجديد لديه ضرورة لا ترفا؛ في "اللص والكلاب" أدخل تيار الوعي، وكتب "المرايا" كبورتريهات، وبنى "حديث الصباح والمساء" على ترتيب أبجدي يعود في نهايته إلى بدايته، وطرح في "الشحّاذ" أسئلة الوجود، وقدّم تعدّد الأصوات في "ميرامار"، وأطلق الخيال في "ليالي ألف ليلة"؛ هذا التنويع التقني، مع وفائه العميق للبيئة والشخصية المصريتين، صنع هويته: لا كلاسيكيًا محضًا ولا تجريبيًا خالصًا، بل مزيجًا عبقريًا.
وعلى المستوى المهني والإنساني، تتعلّم من محفوظ الانضباط والإخلاص والصبر، عاش بسيطًا، بعيدًا عن الصدام والمظلومية، وتعامل مع "نوبل" بتواضع، ومع ذلك كتب أعظم الأدب، والدرس الذي تستخلصه "الإبداع ثمرةُ انتظامٍ ومسؤولية لا "مزاج" عابر، وأن لغته — عند نورا — بسيطةٌ وعميقة، بلا تعالٍ ولا غموضٍ مفتعل، تمزج الفصحى بالدارجة بمهارة، وتستعيد روح التراث حين يلزم.
وأضافت ضحى صلاح، أنه شخصية نجيب محفوظ تُعلِّم كثيرًا، فهو ليس صِداميًا، ولا مفتعلًا، ولا مدّعيَ مظلومية، وهو بسيطٌ وملتزم، وموضوع الانضباط في الكتابة هو ما صنع منه الكاتب، وإخلاصه كان ما يميّزه، وفيما يتعلّق بالتجريب، فإن روايةً واحدة كان من الممكن أن تحمل أكثر من تجريب.
وتشير نهلة كرم إلى فضل محفوظ كان في مصالحتها مع القصة القصيرة، بنصيحةٍ من الكاتب الراحل مكاوي سعيد أن تقرأ قصص نجيب محفوظ؛ فقرأت مجموعة "الشيطان يعظ"، فاكتشفت بساطة النوع وعمقه في آنٍ واحد، فازدادت ثقتها بقدرتها على كتابته.
وأوضحت دينا شحاتة، أن نجيب محفوظ هو "الأستاذ" على الإطلاق؛ فهو معلّمها الحقيقي، وقد صار "الملاذ"، كلما أصابها صمتُ "الكتابة" لجأت إلى قراءته؛ فتكفي صفحاتٌ من "الحرافيش" أو غيرها لتعود الشرارة؛ فهو منبعٌ لا ينضب، يعلّم الفن كما يعلّم طريقة النظر إلى الحياة، ونجيب محفوظ لديه قوّة الفكرة وقوّة اللغة، وهذا لا يحدث كثيرًا، وله مقاطع "حرّة" تنبثق بلا تمهيدٍ ولا راوٍ واضح، تمنح القارئ حقّ التأويل وتحثّه على البحث عن المعنى؛ لذلك لم يكن يومًا "كلاسيكيًا" بالمعنى الجامد؛ حتى "الحرافيش" ليست تقليدية، فهو رائد في التجريب سبق زمنه، واللغة عنده مختبرٌ دائم، حتى أنه يمكنه أن يحوّل الضجر نفسه إلى أدب حيّ.
وأضافت دينا شحاته، أنه يمكن أن نتعلم من نجيب محفوظ البحث عن المعنى، كما أن شخصياته منشغلةٌ بالسؤال الوجودي، فـ"أنيس زكي" في "ثرثرة فوق النيل"، و"عمر حمزاوي" في "الشحّاذ"، و"سعيد مهران" في "اللص والكلاب"، جميعهم يطاردون معنى الحياة في مواجهة العبث واللاجدوى، وتتردّد ثيمات الموت والملل والفراغ كـ"تنويعات" لا تكرارًا، ويطلّ بُعدٌ صوفيٌّ صافٍ في اللغة والشخصيات.
رسائل إلى نجيب محفوظ
ووجّهت الكاتبات عددًا من الرسائل إلى نجيب محفوظ؛ فمن جانبها تحدّثت دينا شحاتة أنها لو التقت به كانت ستسأله عن "الضجر": كيف كان يتعامل معه بالنسبة إليه، خاصةً أن المعنى كان واضحًا في أفكار أبطاله.
بينما تحدّثت نهلة كرم أنها كانت ستسأله عن التعامل مع الفراغ كما فعل مع بطله "عمر حمزاوي" بطل رواية "الشحّاذ"، وكانت تريد أن تسأله عن الصفاء الروحاني الذي كان يميّزه.
وأضافت ضحى صلاح: كنت سأسأله عن مرحلة الانضباط والروتين: كيف كان يفعل ذلك بالفعل؟
وقالت نورا ناجي: كنت سأسأله عن تقنيات الكتابة: كيف كُتبت هذه الروايات؟ كيف كُتب "حديث الصباح والمساء"؟ وكيف صيغت "الحرافيش"؟ وعن شعوره يوم حادث الاغتيال، وعن المثابرة وعودته.
وعلقت نورا ناجي، أنه رغم هذا العمق الروحي، ظلّ محفوظ شديد الانضباط: يكتب ستة أشهر ويعيش ستة أشهر، وبعد محاولة اغتياله كتب باليسرى بصبرٍ نادر؛ فالمثابرة عنده شرطٌ وجودي للإبداع، وأن أسئلته الكبرى — المعنى، الموت، الزمن — بقيت مفتوحة؛ ولو سُئل اليوم لظلّ يوازن بين حلم العدل والبحث عن سلام، تاركًا لنا أدبًا حيًّا يتجدّد مع كل قراءة، ويستفزّ أجيالًا لم تولد بعد زمن كتابته، بهذه الصورة، تغدو "الحرافيش" وسائر أعماله مرآةً نعود إليها كلما أردنا أن نتعلّم الكتابة… أو الحياة.

ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون

علا الشافعي في ندوة الملتقى
أحمد إبراهيم الشريف يدير الندوة

نورا ناجي

نهلة كرم

ضحى صلاح

دينا شحاتة

جانب من الندوة

خالد إبراهيم

ضحى


علا الشافعي

في محبة نجيب محفوظ

محمد سلمان

ندوة نجيب محفوظ

نهلة كرم

نورا ناجي في ندوة نجيب محفوظ
