قدمت الدكتورة خديجة السيد أحمد شقرة ، المدرس بكلية التكنولوجيا والتعليم جامعة بنى سويف ، نقد معماري بعنوان " تجنيد عمارة الاحتلال في سلب وطمس الهوية المعمارية الفلسطينية، قراءة نقدية في الاستراتيجيات والسياسات العمرانية "
قالت د. خديجة شقرة إن الاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة لم يقتصر على السيطرة العسكرية، بل وظّف العمارة والتخطيط العمراني كأدوات استعمارية لإعادة تشكيل المكان الفلسطيني وذاكرته، لتتحول العمارة من مجرد مبانٍ إلى لغة سياسية تستهدف محو الهوية وفرض واقع جديد.
توضح د. خديجة شقرة أن الاحتلال الإسرائيلي يوظف العمارة كأداة استعمارية، عبر المستوطنات ذات الطابع الدخيل وهدم البيوت الفلسطينية وتهويد القدس، بهدف محو المشهد الطبيعي والتاريخي وتزييف الهوية، ومع ذلك تبقى العمارة الفلسطينية الأصيلة، من البيوت الحجرية والتراثية إلى جهود الترميم، فعل مقاومة يومي يحافظ على الذاكرة والهوية. وترى أن ما يحدث يمثل "تصميمًا حضريًا عنيفًا"، حيث تتحول المباني والطرقات والجدران وحتى الأشجار إلى أدوات لإخضاع الفلسطينيين وإعادة تشكيل حياتهم وذاكرتهم، لكن الفلسطيني يواجه ذلك بمقاومة صامتة راسخة في كل حجر وهوية لا تُمحى.
وتتوسع دكتورة خديجة شقرة في تحليلها لتقدّم مفهوم "التصميم الحضري العنيف" باعتباره الإستراتيجية الأبرز التي يستخدمها الاحتلال ويتجسد بوضوح في الجدار العازل، الممتد لأكثر من 700 كلم وبارتفاع 8 أمتار، والذي لا يقتصر على كونه كتلة خرسانية، بل أداة سياسية لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والنفسية والاقتصادية في فلسطين. فهو يقسم القرى ويعزل السكان، ويحوّل الضفة الغربية إلى كانتونات متناثرة، بينما يفرض على الفلسطيني معاناة يومية من تفتيش وانتظار وإحساس دائم بالعجز. كما يقطع شبكة الطرق الفلسطينية ويشوّه بنيتها العمرانية، ليعيد تشكيل المكان والحياة بما يخدم أهداف الاحتلال.
يُظهر تحليل د. خديجة شقرة أن الاحتلال حوّل الطبيعة والعمران إلى أدوات استعمارية؛ فزراعة الصنوبر في القرى المهدمة هدفت لطمس معالمها وتغيير المشهد الطبيعي والسيطرة علي الأراضي، فيما استُخدمت المعابر والبوابات لإحكام السيطرة على حركة الفلسطينيين، محوّلة غزة إلى "سجن مفتوح" ومدن الضفة إلى معسكرات مغلقة، حيث تتحول كل بوابة إلى أداة إذلال يومي تعكس كيف توظَّف العمارة للقمع بدل البناء. حيث حوّل الاحتلال البنية التحتية من أبراج مراقبة وحواجز إلى فضاء قمعي أشبه بمعسكر وسجن كبير، بهدف إبقاء الفلسطيني تحت حصار دائم. في المقابل، ابتكر الفلسطينيون الأنفاق كعمارة مقاومة تحت الأرض، لتأمين سبل الحياة ومواجهة العزلة، في مفارقة تكشف صراعًا معماريًا بين القمع والحرية.
وأشارت د خديجة شقرة أن الاحتلال يوظّف المرتفعات لبناء مستوطناته ومعابده كرموز بصرية للهيمنة، فيما تمثل سياسات الهدم أداة لمحو الحجر والذاكرة الفلسطينية، حيث يُهدم البيت ومعه تاريخ العائلة وهوية المكان، مقابل بناء متواصل للمستوطنات يرسّخ السيطرة.
ترى د. خديجة شقرة أن العمارة في فلسطين تحولت إلى أداة سياسية ضمن ما تسميه بـ " *التصميم الحضري العنيف"* ، أو " *النفاق البيئي كأداة إسرائيلية للهيمنة على الأرض الفلسطينية"* حيث استُخدمت عناصر مثل الجدار، المعابر، المرتفعات، الصنوبر والهدم لإعادة تشكيل المكان والإنسان الفلسطيني. غير أن الفلسطيني واجه هذا الطمس بالمقاومة المعمارية والرمزية: من حفر الأنفاق وزراعة الزيتون إلى ترميم البيوت القديمة. وهكذا تبقى الهوية المعمارية الفلسطينية صامدة، شاهدة على أن الأرض ليست مجرد جغرافيا محتلة، بل هوية جماعية عصيّة على المحو.