الحياة المؤجلة

الإثنين، 25 أغسطس 2025 10:29 ص
الحياة المؤجلة سيد صابر

سيد صابر

نستيقظ كل صباح على منبه واحد اسمه "الاضطرار"، لا لأننا نريد، بل لأن علينا أن نفعل هذا.. نخرج إلى الشوارع محمّلين بقوائم طويلة من الواجبات، وقصيرة جدًا من الأحلام.. نتحرك كثيرًا، لكننا فى الحقيقة لا نعيش لنستمتع.. نحن فقط نؤجل الحياة.

نؤجل الفرح إلى إشعار آخر، ونؤجل السفر حتى تتحسن الظروف، ونؤجل الزواج حتى نستقر، ونؤجل الراحة حتى ننتهي، ولا شيء ينتهي.

أصبح التأجيل هو أسلوب الحياة الرسمي لجيل كامل يعيش في وضع الانتظار.

نحن جيل لا يعيش اللحظة، لأنه مشغول دائمًا بما سيأتي بعدها.. ينتظر الوظيفة، ثم الترقية، ثم العلاوة، ثم ينتظر أن يعيش.

ننتظر أن يصبح لدينا بيت لنفرح، وننتظر أن يتحسن الدخل لنرتاح، وننتظر أن تتحسن البلاد لنطمئن، حتى أصبحنا كبارًا في الانتظار، صغارًا في الحياة.

مرت السنوات، وتغيرت ملامحنا، وبقي الحلم معلقًا على نفس الشماعة القديمة.. وتحولت الأحلام إلى أشياء مؤجلة.

في الماضي كان الحلم خيارًا، أما اليوم فأصبح رفاهية مؤجلة.. شاب يؤجل الزواج لأنه لا يملك شقة، وفتاة تؤجل أحلامها لأن الواقع لا يسمح، وأب يؤجل راحته حتى يطمئن على أولاده، والأولاد يكبرون ليؤجلوا حياتهم هم أيضًا.. دائرة مغلقة من التأجيل، نورثها لبعضنا كأنها قدر لا فكاك منه.

تعلمنا أن نضغط على أوجاعنا، أن نبتسم رغم الإرهاق، أن نقول "مش مهم" عشرات المرات في اليوم.

صرنا أقوياء أكثر مما ينبغي، وصامتين أكثر مما يجب، وناضجين قبل أواننا.. نؤجل الحزن، فنمرض، ونؤجل الشكوى، فننهار، ونؤجل أنفسنا، فنضيع.

نفتح هواتفنا عبر بوابة افتراضية رسمناها لأنفسنا وهى السوشيال ميديا، لنرى من يسافر ومن يحتفل ومن يحقق أحلامه ومن يعيش حياته.. لنغلقها ونعود لحياتنا المؤجلة، ونشعر أننا الوحيدون العالقون في غرفة الانتظار،
بينما الآخرون يعبرون إلى الحياة.. لكن الحقيقة أن كثيرين مثلنا، يظهرون العيش.. ويخفون التأجيل.

ولكن السؤال الأهم في حياتنا.. متى تنتهى الحياة المؤجلة؟ ومتى نقرر أن نعيش رغم الظروف؟ ومتى تتحسن الظروف؟ ومتى نمنح أنفسنا حق الفرح الآن، لا لاحقًا؟ وحق الراحة دون شعور بالذنب؟ وحق الحلم دون ضمانات؟

نحن لا نحتاج إلى حياة كاملة، وإلى لحظات صادقة لا نخاف أن نعيشها.

نؤجل الحياة حتى إشعار آخر، وربما تكون الشجاعة الحقيقية اليوم ليست في الصبر وحده، بل فى أن نختطف لحظة حياة
من بين كل هذا التأجيل.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفشل، بل أن يعيش عمره كله في انتظار أن يبدأ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة