يعد جنكيز خان أحد أشهر القادة في العصور الوسطى للعالم، وقد تناول العديد من الباحثين سيرته وحروبه، ومن ذلك كتاب "المغول في التاريخ" لفؤاد عبد المعطي الصيّاد، والذي خصص فصلا عن نشأته وصعوده بعنوان "ظهور جنكيزخان" يعرض فيه البيئة القبلية المتنازعة على سهوب منغوليا وكيف مهّد هذا الاضطراب لطلوع شخصية قوية توحِّد القبائل تحت راية واحدة.
يروي نسبه (تِموجين)، وذكر أبيه يسوكاي، وطفولته الصعبة بعد ترمّل أمّه، ثم بدايات صقل شخصيته في بيئة فقرٍ وشدّة، كما يعرض أسرته المقرّبة وأبناءه الأربعة الذين قامت عليهم ترتيبات الخلافة من بعده.

يقول الكتاب":
ظهر جنكيز خان على الضفة اليمنى لنهر الأونون في منطقة ( دولون بولداق : Dulun - Boldaq كان اسمه أول الأمر تموجين، ولد في منغوليا عام 549 هـ (1155 م) كان أبوه (يسوكاي بهادر بن برتان بهادر) رئيساً لقبيلة (قيات) من القبائل المغولية، وكان جميع أعمامه وأبناء أعمامه مطيعين وخاضعين له، وهم الذين اختاروه رئيساً عليهم، وكان متصفاً بمزيد من الشجاعة والبسالة، وكثيراً ما حارب أقوام التتار وقد ذاعت شهرته في الآفاق، وصار محترماً مهاباً من الجميع.
ولقد كان أجداد جنكیز خان والطوائف الخاضعين لهم، يدفعون الخراج لأباطرة الصين الشمالية منذ زمن بعيد، أما أبوه يسوکای بهادر فكان رجلاً حازماً ونشيطاً، استطاع أن يخضع بعض القبائل المغولية التي كانت تجاوره، ولهذا نرى إمبراطور الصين بخشى اتساع نفوذه، فيرسل إليه جماعة لصده والقضاء عليه، ولكنه تغلب عليهم، بل أخضعهم لسلطته خضوعاً تاماً، وبذلك رسم لابنه جنكيز خان الخطة لتشييد دولته على أساس محكم.
تزوج يسوکای بهادر من نساء كثيرات من شتي الأقوام، ولكن أكبر نسائه وأشهر من كانت أولون فوجين وكانت تدعى أيضاً (أولون أيكه » من قوم (اولقونت)، أنجبت هذه السيدة أربعة أولاد مشهورين، ولم تنجب بنات قط، وهؤلاء الأولاد الأربعة هم:
1- تموچين: أول أولاده وأكبرهم وأفضلهم، عندما صار ملكاً على المغول، وبلغت سنة الواحدة والخمسين، وقتل ملك النايمان، لقب بلقب جنكيز خان.
2- جوجي قسار: كان يتمتع بقوة لا حد لها، تذكر الروايات انه كان يمسك شخصاً بكلتا يديه، فلا يتركه حتى يقصم ظهره، وفي أكثر الأوقات كان متفقاً ومتحداً مع أخيه جنكيز خان، ولكنه انفصل عنه عندما كان يحارب أونك خان، كذلك آثر العزلة عنه في ظروف أخرى، كان يعتبرها من بين أخطائه التي تردى فيها، لكن عندما حارب جنكيز خان عدوه و تايانك خان أمر بأن يكون أخوه وجوجي قسار على قلب الجيش، فأبدى شجاعة فائقة، فأعزه جنكيز خان، ورفع قدره على سائر إخوته وأبناء إخوته .
- قاجيون: نال منزلة كبيرة لدى أوكتاي و منكو وقوبيلاي، وكانوا يستشيرونه في مهام الأمور .
- تمو اتجكن: اشتهر أيضاً باسم، أو تجي نويان، وكان معظمًا ومحترمًا بين أفراد أسرته، وقد اشتهر من بين المغول بميله الشديد إلى العمارة والتشييد، فحيثما حل كان يقيم القصور والحدائق، وكان جنكيز خان يحبه كثيراً.
كذلك كان ليسوكاي ابن خامس من زوجة أخرى اسمه : بلكوتي نويان )، وكان دائماً ملازماً لأخيه جنكيز خان.
وتذكر الروايات أنه في وقت ولادة جنكيز خان، سار أبوه يسوكاي بهادر لمحاربة التتار، وقد واتاه الحظ فانتصر عليهم، وقضى على ملكهم تموجين، واستولى على أمواله وأملاكه، ولما عاد إلى المنزل، علم بنبأ ولادة ابنه، فتفاعل بتلك المناسبة، وسمى ابنه (تموجين) . ويقال إنه عندما ولد و جدت إحدى يديه قابضة على قطعة متجمدة من الدم، فلما تداول الحاضرون الحديث في غرابة ذلك، قال أحدهم: إن هذا الطفل سوف يكون ملكاً عظيماً، وسوف تظهر على صفحة جبينه آثار الغزو والسيطرة، وتبدو على محياه أنوار السعادة والتوفيق، ويستدل آخرون بهذه الواقعة على استعداد ذلك المولود، وجرؤ ته على سفك الدماء.
وعندما توفي بسوكاي بهادر كان ابنه تموجين في الثالثة عشرة من عمره، فانفض عنه أكثر الأقارب والأتباع، واستغلت قبيلته صغر سنه، ورمته بالضعف، ورفضت أن تطيعه، وأعلنت التمرد والعصيان، ورغم نشاط أمه "اولون ايكه"، ورجاحة عقلها وبعد نظرها فقد تخلى عنه أيضاً من بقي من أتباع أبيه وحملوا معهم قطعانهم، وانضموا إلى قبائل التايجوت. وفي قسوة بالغة قال أحدهم : (لا حاجة للقوم إلى امرأة ضعيفة وأطفال مساكين".
وفي النهاية أخذت عرباتهم المحملة تتدحرج خارجة من المخيم، فقد خشوا يتركوا مصائرهم ومصائر أسرهم بين أيدي امرأة وصبي غير محنك.
وهكذا بقي ذلك الشاب المراهق وحيداً مع أمه ومع إخوته، فاضطرت هذه المجموعة الصغيرة التي انحدرت إلى البؤس - أن تعيش على صيد الحيوانات والأسماك، فكان تموجين يشترك مع إخوته الذين يصغرونه سناً في صيد الحيوانات الصغيرة التي توجد في المراعي القريبة، مثل السمور أو الفأر البر: أو الثعلب الأسود. وكانوا يأكلون لحومها، ويدخرون الأوتار والجلد.
ورغم ما كانت تنصب على رأس تموجين من مصائب ونكبات ينوء بها كاهله الصغير، فإن قبائل التايجوت التي كانت تناصبه العداء لم تتركه وشأنه، بل كانت تشن عليه الحرب تلو الحرب، وتأسره وتمعن في إذلاله، ولكنه بدهائه وذكائه، كان يستطيع الخلاص، ونفسه ممتلئة بالحقد والكراهية على هذه الطائفة، وكله عزم وتصميم على الصبر والمثابرة حتى تسنح له الفرصة للانتقام من الأعداء.
كذلك استمر أتباعه ينفضون من حوله واحداً بعد الآخر . ولكن عز عليه كثيراً أن يتخلى عنه أيضاً شخص كبير، يجله الجميع ويحترمونه اسمه "توداون قمورجي" فما كان من جنكيز خان إلا أن ذهب إليه بنفسه، وحاول في مسكنة وتواضع أن يثنيه عن عزمه، ولكن هذا الشخص لم يستجب لندائه، ورد عليه قائلاً : "لقد صممت على الرحيل، ومجال التوقف محال" ثم تركه وانصرف.
لكن هذه التقلبات التي صادفها جنكيز خان في شبابه، والتجارب والمحن التي مر بها في حياته، ومقاومته للمناخ القاسي، وما فيه من برد قارس وحرارة خانقة، ومقدرته على تحمل آلام الجوع والحرمان لعدة أيام، وعدم اهتمامه بما يصيبه من جروح وآلام، أو بسوء معاملته في أوقات الضعف والهزيمة، كل ذلك قد أكسبه قوة على تحمل الشدائد والصعوبات، وصنع منه رجلاً صلباً أدهش العالم .
يصف المؤرخ الفارسي الجوزجاني جنكيز خان فيقول: (عندما جاء إلى خراسان، كان رجلاً طويل القامة، قوي البنية، ضخم الجثة، له عينان كعيني القط، وهو في غاية الجلد والذكاء والعقل والدهاء والهيبة، وكان محارباً عادلاً حازماً شديد الوطأة على عدوه، شجاعاً سفاكاً متعطشاً للدماء.
وبمثل هذه الأوصاف وصفه أيضاً المؤرخ الصيني منج هونج Mong Hung الذي كان في سنة 618ه (1221م ) سفيراً لدى المغول من قبل أباطرة الصين في الجنوب، وميزه بأنه كان ضخم الجثة، عريض الجبهة، طويل اللحية.
وفي ظل هذه الحياة القاسية، بدأ يظهر جبروت جنكيز خان وبطشه، ولقد أجاد فن الرماية، ومهر في الصيد، واشترك في حلبات سباق الخيل وأتقن المصارعة، وتفوق على أقرانه، وبالرغم من أنه كان يميل إلى النحافة فإنه كان في استطاعته أن يتغلب على أقوى الصبيان المصارعين، كما كان سريع الحركة، شديد المكر كالثعلب، كذلك برع في رسم الخطط وتدبير الأمور، وآمن بعقيدة راسخة تتلخص في أن البقاء للأقوى.
يروى أنه عندما ابتسم له الحظ، بلغت ثروته تسعة من الخيول، سرق منها قطاع الطرق ثمانية، ولكنه استطاع أن يستردها بمساعدة صديقه ( بو أورتجو وهو ابن أحد الرؤساء، فصار منذ ذلك الوقت، أخلص ملازم لتموجين، وأصبح في أيام عظمته واحداً من خيرة قواده.
ولما تأكد تموچين من نهاية بؤسه، تقدم ليتزوج من ابنة أحد رؤساء القنقرات، فطلب منه أبوها مهراً لها هو عبارة عن فرو سمور أسود.
وهكذا بعد أن كان هذا الفتى شريداً طريداً، تتلقفه أيدي من يشفق عليه من أصدقاء أبيه، بدأ نجمه يلمع، حتى إذا ما بلغ السابعة عشرة من عمره، استطاع بفضل ذكائه وحنكته وشجاعته وصبره، أن يجتذب إليه كبار الشخصيات من قبيلته، وأن يخضع المناوئين له في هذه القبيلة حتى تمت له السيطرة التامة عليها.