يعد كتاب "العقد الفريد" للفقيه أبى عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبدربه الأندلسى مصدرًا مهمًّا من مصادر التاريخ الأدبى التى يُستند إليها، فلا تخلو منه المكتبة الأدبية، كما كان من ضمن مقررات مادة "المكتبة العربية" المقررة علينا نحن طلبة كلية الآداب فى السنتين الأوليين، كما يوجد دائما فى كتب المصادر الأدبية، فلابد من الإشارة إليه والتعويل عليه. ويضعه بعضهم فى المرتبة الثانية بعد "الأغانى" لأبى الفرج من حيث الشهرة، أما أنا فأراه يأتى بعد "الأغانى" و"البيان والتبيين" و"الحيوان" للجاحظ، و"الكامل" للمبرد، وهؤلاء جميعا قد سبقوا ابن عبدربه فى التأليف فى مجال الأخبار والنوادر والملح والطرائف ما عدا صاحب الأغانى. أما اسم الكتاب الحقيقى الذى وضعه ابن عبدربه فهو "العقد" دون "الفريد"، كما نقل الأديب محمد سعيد العريان فى تحقيقه للكتاب عن المستشرق الألمانى كارل بروكلمان، ورجَّح الباحثون أن "الفريد" أضيفت إلى اسم الكتاب بين سنتى 652- 850 هـ.
العقد الفريد
لا شك أن كتاب "العقد" كتاب ممتع لا غنى عنه لأى أديب يريد التوسع والتبحر فى علوم العرب ومعارفها، المعرفة التى تعنى الأخذ بطرف من كل فن، فهو بحق دائرة معارف صغيرة، تفى بمطالب الأديب وتروى عطشه ونهمه للمعرفة. ومن الواضح تأثر ابن عبدربه بابن قتيبة وخاصة بكتابيه "عيون الأخبار"، و"المعارف"، ولا غرو فى ذلك، فابن قتيبة كان معشوقا لدى أهل الأندلس، ويتسابق الجميع على اقتناء كتبه، فربما أكثر ابن عبدربه من النقل عنه ليرضَى عنه الأندلسيون، وليحظى كتابه بالرواج الكبير بينهم؛ حتى إن ابن كثير روى فى تاريخه:"إن أهل المغرب كانوا يتهمون من لم يكن فى بيته من مؤلفات ابن قتيبة شىء"، كما نقل عن الجاحظ من كتابه "البيان والتبيين"، ومن "الكامل" للمبرد؛ حيث أخذ عنه الكثير من أخبار الخوارج، ومن ابن المقفع، ومن تاريخ الطبرى..
وضع ابن عبد ربه - فى مقدمة كتابه - دستوره الذى سيسير عليه، ومن مواد هذا الدستور بيان جهده فى الكتاب وطبيعة دوره، فقال: "وقد ألّفتُ هذا الكتاب، وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لى فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش فى صدر كل كتاب، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه، وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله (صادر عنه ودليل عليه)".
العقد
وأشار إلى طريقة عمله، فقال:"وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبا للاستخفاف والإيجاز، وهربا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حُذف منها".
وقد أخذوا عليه حذفه الأسانيد ومن أجل هذا ضعَّفوا من مكانة الكتاب، لكنى لا أرى فى ذلك مأخذا عليه؛ فالرجل أوضح سبب لجوئه إلى هذا، وهو للإيجاز والهرب من التطويل، فلو ذكر كل الأسانيد لتضاعف حجم الكتاب، ولأصاب القارئ الملل والسأم، وربما انصرف عنه، ويكفى ابن عبدربه أن غيره ممن سبقه بالتأليف فى المجال نفسه قد كفاه مشقة إثبات الأسانيد، فقد ذكرت مرارا وتكرارا، فليرجع إليها من شاء التثبت والتحقق.
كما أن ابن عبدربه رجل علم ودين، وغير مشكوك فى روايته وفى نقله، وقد وصفه الفتح بن خاقان - ليس الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسى جعفر المتوكل الذى قتل معه، إنما هذا أديب ومؤرخ أندلسى شهير- فى كتابه "مطمح الأنفس" بأنه "عالم ساد العلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متسقة، وأما الأدب فهو كان حجته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع وديانة، ورد ماءها فكرع".
أما اختياره فقد اعتمد على "من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرا، وأظهرها رونقا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة".
وذكر سبب تسميته بالعِقد وتبويبه وتقسيمه، فقال:"وسميته كتاب (العِقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا، فى خمسة وعشرين كتابًا، وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد".
وكما قال ابن عبدربه، فقد قسم كتابه إلى خمسة وعشرين كتابا، فى خمسة وعشرين فنا، ثم تخيله عقدا مكونا من خمس وعشرين جوهرة كريمة فى جيد فتاة حسناء غيداء، اثنتا عشرة فى جانب، واثنتا عشرة أخرى فى جانب، وجعل للعقد واسطة، ولم يسمِّ إلا الاثنتى عشرة الأولى، وهذه الجواهر اسمها: "اللؤلؤة، ثم الفريدة، ثم الزبرجدة، ثم الجمانة، ثم المرجانة، ثم الياقوتة، ثم الجوهرة، ثم الزمردة، ثم الدرة، ثم اليتيمة، ثم العسجدة، ثم المُجنبَّة، ثم تأتى الواسطة وهى واسطة العقد، وبعدها المجنبة الثانية، والعسجدة الثانية إلى آخره.
ذاع صيت الكتاب، وتناوله الكتاب والعلماء بالثناء، حتى تطلع الصاحب بن عباد إلى قراءته، وعندما قرأه قال قولته الشهيرة التى نقلها ياقوت الحموى فى كتابه "معجم الأدباء":"هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على شىء من أخبار بلادهم، وإنما هو مشتمل على أخبار بلادنا، لا حاجة لنا فيه، فرده".
ولست أتفق مع الصاحب فيما ذهب إليه من أنها بضاعتنا ردت إلينا، فهذا الرفض أراه تطرفا منه فى حق ابن عبدربه، فالكتاب فيه جهد قام به ابن عبدربه، وشخصيته واضحة فى الكتاب. كما أن الكتاب ليس كله يتحدث عن أدب المشرق فحسب، وإنما عرض أيضا لتاريخ أمراء الأندلس حتى عصره ووقت كتابته وإن كان قليلا، وخص أمير الأندلس عبدالرحمن الناصر بأرجوزة كبيرة؛ إذ بلغت 450 بيتا تقريبا، تحدث فيها عن انتصاراته وفتوحاته ومآثره. ومن ثم فالكتاب لم يكن خلوا من آداب أهل الأندلس، ويكفينا ما ورد من شعر الغزال وعباس بن فرناس ومؤمن بن سعيد، وشعر ابن عبدربه أيضا، وهو شعر عذب مستساغ، وقد وصفه المتنبى بأنه مليح الأندلس، وقد طلب من الخطيب "أبى الوليد بن عسال"، حين لقيه بمسجد عمرو بن العاص- أن ينشده بعضا من أشعار ابن عبدربه، فأنشد له:
يا لؤلؤا يسبى العقول أنيقا ورشًا بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله دُرًّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرتَ إلى محاسن وجهه أبصرت وجهك فى سناه غريقا
يا من تقطع خصره من رقة ما بال قلبك لا يكون رقيقا
فاستعاده المتنبى ثم صفق بيديه، وقال: "يابن عبدربه، لقد يأتيك العراق حبوًا". ويقول أحمد حسن الزيات فى كتابه "تاريخ الأدب العربى": "وكفى بشهادة المتنبى دليلا على فضل الرجل، وعلو كعبه فى عالم الأدب".
كما أن ابن عبدربه أدرى بما يحتاج إليه بلده وموطنه، ولن نلتفت إلى ما قاله الصاحب بن عباد. أيضا كانت ثمة طريقتان فى التأليف عند أهل الأندلس، الأولى قصر التأليف على كل ما يخص الأندلس فقط، كما فعل الفتح بن خاقان فى كتابه "مطمح الأنفس، ومسرح التأنس، فى ملح أهل الأندلس"، وابن بسام فى "الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة"، والمَقَّرى فى "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب". أما الثانية فهى الاتجاه إلى نقل أدب المشرق إلى أهل الأندلس، وهو واضح فى "العقد الفريد"، و"الأمالى" لأبى على القالى، وهو رجل من أهل المشرق نزل بالأندلس، وقد اختلط الأمر على أحمد أمين فى مقدمة تحقيقه كتاب "العقد"؛ حيث ذكر أن ابن عبدربه من تلاميذ مدرسة أبى على القالى، وأنه سار على طريقته فى التأليف، وهذا ليس صحيحا بالمرة، وقد استدركه عليه الباحثون مثل محمد سعيد العريان؛ حيث ذكر أن أبا على القالى وفد على الأندلس بعد وفاة ابن عبدربه بسنتين وعدة أشهر أى فى عام 330 هـ، وأُلِّف كتاب الأمالى بعد وفاة ابن عبدربه بسنين؛ إذ كان هذا الكتاب هو مجموع محاضراته فى جامع قرطبة، كما أن ابن عبدربه انتهى من تأليف "العقد" فى سنة 322هـ، وهذا يعنى أن "العقد" كان أسبق من "الأمالى" ببضع عشرة سنة.
حقق الكتاب الأستاذ الأديب محمد سعيد العريان، وأخرجه فى ثمانى مجلدات، نوفمبر سنة 1940، كذلك حققه الأساتذة أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الإبيارى، وأخرجته لجنة التأليف والترجمة والنشر، فى أكتوبر 1940. أى ظهر التحقيقان فى وقت واحد، وليتهما اتفقا على التعاون على إخراجه معا، فلا شك أنه سيكون أفضل للكتاب ولنا نحن القراء.