قال الناقد محمد الروبي، اندهشت كثيرا حين علمت مؤخراً أن إبراهيم داود يصغرني بعام، فنحن مواليد الشهر نفسه، سبتمبر الحزين، أبناء برج العذراء. ولدت أنا في عام ستين، وجاء هو من بعدي بعام، أما سبب دهشتي فلأنني كنت دائما أنظر إلى إبراهيم باعتباره الأخ الأكبر، وهو ما يعني أن ابراهيم يكبرني على الأقل بخمس سنوات. لكن كانت المفاجأة أنه يصغرني بعام كامل.
وأضاف "الروبى"، خلال ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون، هذا الاكتشاف أكد لي إيماني القديم بأن السن لم يكن أبداً مقياساً دقيقاً على الحكمة. بل هي أقرب إلى الموهبة. وابراهيم وبحق موهوب حكمة. أو حسب وصف الأبنودي الذي أحب: "ربنا راميها في حجره".
وتابع، إبراهيم داود الذي أعرفه منذ سنوات طويلة، هو عذرائي بامتياز. محب، دقيق، ناقد بالفطرة، مخلص في العلاقات، يغضبه كثيراً الاستسهال والفوضى. حين تلتقيه للمرة الأولى ستشعر أنك تعرفه منذ سنوات طويلة. سيلقاك بابتسامة مرحبة تكشف عن قلب فلاح لا ينخدع بالمظاهر، ينظر مباشرة إلى الروح. ومن اللقاء الأول إما أن تكون صديقاً صدوقاً لإبراهيم أو شخصًا عابرًا مر في زمان عابر ولم يترك أثراً.
وأوضح "الروبى"، أن الشاعر إبراهيم داود كما عرفته، هو مثقف ثقافة رفيعة، قارئ نهم، لكنه أبدًا لم يسعَ يومًا لإثبات ذلك، بل لم يسعَ أبدًا لإثبات أي شيء عن نفسه. يسير في الحياة بصدر مفتوح (سايب إيديه) مدفوعًا بهواء الحب. يقرأ ليتعلم لا ليتعالم. يكتب القصيدة لا ليكون شاعرًا بل لأن القصيدة سألته الخروج. صديق لكل الصادقين ولو كانوا غرباء، بل ويمنحهم صك المرور إلى القلب بأنهم: "طبعًا أحباب".
وتابع قائلا: هكذا جاء كتابه – "طبعًا أحباب" – سياحة في غابة الحب، فاكهة منوعة، منهم الشعراء والمغنيين والمنشدين... ومنهم جميعاً ستعرف من أي أرض خصبة نبت داود المصري، ومن يعرف ابراهيم داود، سيلمس فيه حساً صوفياً يمتد إلى ما وراء البدايات. ربما يصل – بل هو بالتأكيد يصل – إلى الأجداد القدامى. فالدين عند إبراهيم لم يكن يومًا طقسًا شكليًا يمارسه باعتياد ممل، بل هو معاملة، عنوانها الأساسي والوحيد هو الحب (حب الله والكون والبشر)، والوطن بالنسبة له ليس مجرد راية ونشيد، بل أناس يحيون ويسعون، يزرعون، يصنعون، يعرقون.. ويحمدون الله على القليل الذي يرونه كثيرًا.
وأضاف، ولأن الوطن عند إبراهيم داود ليس فكرة مجردة، بل حياة نابضة في وجوه الناس البسطاء، فقد ظل صوته الشعري مشغولًا بالتفاصيل الصغيرة التي تشبهنا. لم تكن قصيدته تتغنى بالأبراج العالية، بل كانت تلتقط الحنين في ظل شجرة، وتوثّق لحظة ارتباك عاشق على الرصيف، وتحتفل بضحكة مفاجئة في قلب الزحام. هو من ذلك النوع النادر من الشعراء الذي يمنح الحياة اليومية معنى، ويجعلنا ننتبه إلى أن الجمال قد يكون في كوب شاي بالنعناع تشربه مع من تحب.
وأكد، أن إبراهيم داود لا يُشبه أحدًا، لكنه يشبهنا جميعًا. فيه شيء من الأخ، ومن الصديق الذي تأمن جانبه، ومن العاشق الذي لا يعلن حبّه بصخب، بل يعيشه في صمت دافئ. من يقرأه، أو يجالسه، يخرج دومًا بنوع من الطمأنينة، كأنما استراح قليلًا من تعب الأيام. ولا عجب أن تجد في شعره، كما في حياته، حكمة لم يطلبها، وعذوبة لم يتكلفها. كلماته تمشي على أطراف الأصابع، لكنها تصل إلى القلب مباشرة. وقد يكتب عن أمه، أو عن زميل قديم، أو حتى عن شاعر يحبه، فيصيبنا فجأة بما يشبه الدموع، لا لأن القصيدة حزينة، بل لأن فيها صدقًا لا يقاوم. وفي زمن امتلأ بالضجيج، ظل إبراهيم داود وفيًّا لصوته الداخلي. لا يسعى إلى أن يكون نجمًا، بل أن يكون نفسه فقط. وهذه أصعب وأجمل مهمة في الحياة. لا تُقلقه المهرجانات ولا الألقاب، بل تُقلقه القصيدة التي لم تولد بعد، والكلمة التي تُقال في غير موضعها، والظلم حين يلبس ثوب المجد.
وقال "الروبي"، ليس غريبًا أن يأتي شعر إبراهيم داود مشبعًا بروح الصحافة، لا من حيث تقنياتها، بل من حيث الانحياز العميق للتفاصيل والهامش والناس. إنه لا يكتب من برجٍ عالٍ، بل من الشرفة نفسها التي نقف عندها نحن لنرى العالم بعيونٍ متعبة.
وتابع: في ديوانه "تفاصيل" (1991)، يرصد داود اللحظات التي لا يراها أحد، يصطاد المعاني من الهوامش لا من المتون. القصائد هنا قصيرة، مشبعة بالهدوء، كأنها كتبت في غفلة من الضجيج. لا شعارات ولا تعقيد لغوي، بل تلك اللغة الشفيفة التي تجعلك تقول: "كنت أستطيع أن أكتب هذا.. لولا أنني لم أشعر به كما شعر هو"، أما في ديوان "كن شجاعًا هذه المرة" (1998)، فهو أكثر حدة وانكسارًا. قصائد تتحدث عن الخسارة، لا بوصفها هزيمة، بل بوصفها علامة نضج. نبرة اعترافية، خطاب ذاتي، كأن الشاعر يضع قلبه على الطاولة ويقول: "انظروا، هذه هي الحياة كما عشتها.. بلا تزييف"، وفي "أنت في القاهرة" (2005)، تكتمل ملامح شاعر المدينة. فالقاهرة عند داود ليست حائطًا للحنين، بل كائنٌ حي، يئنّ، ويتنفس، ويخذل ويُخذل. إنها المدينة التي تمنحك الدفء وتصفعك في الوقت نفسه. في هذا الديوان، يكتب داود كمن يخاطب صديقًا غائبًا، أو قلبًا لم يعد يعرف الطريق.
وفى الختام قال: الملمح المشترك في كل دواوينه، هو تلك الجرأة على الحزن، والبساطة التي تخفي طبقات من المعنى. داود لا يكتب ليبهر، بل ليواسي. لا يصرخ، بل يهمس. ولا يقدّم أجوبة، بل يترك الباب مفتوحًا على احتمالات القلب. ولأنه كذلك، أحببته. وسأظل أحبّه. لا كصديق فقط، ولا كشاعر جميل، بل كنموذج نادر لإنسان اختار أن يكون خفيفًا على الدنيا، ثقيلًا في الذاكرة. إبراهيم داود.. لقد كتبت عنك لا لأردّ لك شيئًا مما أعطيت، فهذا ما لا أستطيع، بل لأقول لك ببساطة: "طبعًا.. أحباب."

الشاعر الكبير إبراهيم داود خلال ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون

الكاتب الصحفي أكرم القصاص رئيس مجلس إدارة اليوم السابع

الكاتبة علا الشافعي رئيس تحرير اليوم السابع

أحمد إبراهيم الشريف وخالد إبراهيم خلال ملتقى اليوم السابع

الاحتفاء بالشاعر إبراهيم داود فى ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون

الكاتب أكرم القصاص والشاعر إبراهيم داود

الكاتب هشام أصلان

الناقد الدكتور هيثم الحاج على

الناقد محمد الروبى

تكريم الشاعر إبراهيم داود خلال ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون

خلال ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون