حازم حسين

وفاق الفصائل وإجماع فلسطين.. عن الهدنة وحاجة حماس لصفقة مع الغزِّيين والقضية

الإثنين، 07 يوليو 2025 02:00 م


خطوة بخطوة تضعُ إسرائيل حليفَها الأمريكىَّ فى القلب من مشهد العدوان على غزّة. انفتحت قنواتُ الاتصال والتنسيق على آخرها منذ اللحظة الأُولى، وحلَّ بايدن ووزيرا دفاعه وخارجيّته ضيوفًا على مجلس الحرب، كما أن قائد القيادة المركزية مايكلا كوريلا يقضى أغلب وقته فى تل أبيب، وما يَفوتُه من أجوائها يعوّضه على الخط الساخن.

وما كان من الإدارة الديمقراطية لم يتغيَّر مع بديلها الجمهورى؛ بل تعاظمت الشراكةُ ومُنِحَ ترامبُ أدوارًا أكثر بروزًا وتأثيرًا، حتى أنه أنجز لها هُدنةَ يناير على شروطها قبل حلوله بالبيت الأبيض، ويُكرِّر التجربة اليوم فى نسخة ثانية، وكان مُمثّلاً ثانويًّا لصالحها فى لعبة الخداع وتضليل الجمهورية الإسلامية.

الطرف الأقوى لا يكتفى بقُدراته الذاتية إزاء القطاع العارى، فيما ضُعفاء حماس يغتنون بأنفسهم عن سواهم، ولأجل احتكار واجهة المشهد يُفرِّطون فى مزايا العمل الجماعى، مع الداخل والخارج على السواء.

بالحسابات العَمليَّة المُجرّدة، لا تحتاج إسرائيل إسنادًا فى حربها التى تدخلُ اليومَ شهرها الثانى والعشرين، على الأقل فى جانب المُواجهة مع الفصائل الغزِّية وميليشيا حزب الله فى لبنان.

وإذ يطيبُ للعاطفيِّين وذوى الانحيازات العقائديّة والحناجر الصاخبة استخلاصُ مَدلولاتٍ خاطئة من تلك الثُنائيّة الوطيدة بين الصهاينة والأمريكيين، وتصويرها على معنى عجز الاحتلال عن الوقوف فى وجه المقاومة وحُلفائها من أذرُع المُمانَعة؛ فالواقع أنَّ اليدَ الباطشة لا تنقص إصبعًا من دون الولايات المتحدة؛ لكنها تزيد فاعليَّةً فى ميدان القتال وعلى طاولة السياسة، وتُقدِّمُ المصلحةَ على الدعايات الساذجة عن الاقتدار والجاهزية الفردية.

دخل الجُناةُ مضمار السباق لأجل السَّبق والتفوُّق وحسمِه بالعلامة الكاملة، وإغلاق كلِّ المنافذ المُهدِّدة بتأطيره أو تعرية شرعيته وفق موازين النظام العالمى القائم، بينما يكتفى الضحايا بالشعارات حينًا، وبالعوائد المعنوية الباهتة على طول الخطّ.

والتغيُّر الوحيد فى سلوك الحماسيِّين كان قبل يومين فقط، وبعد نزيفٍ لا حصر له بالنسبة للحركة وبيئتها الحاضنة.
أخيرًا، لجأ القادةُ إلى التنسيق المُعلَن مع الآخرين؛ لكنّه كان لجوءَ الاضطرار، ولأهدافٍ لا يُمكن تبرئتُها من الشُّبهة والغَرَض. وقد أعلنوا أنهم يتداولون فى شروط الهُدنة الجديدة مع بقيَّة القُوى الوطنية، ثم استصدروا منها بياناتِ تأييدٍ لورقة الردِّ على المُقتَرَح القطرىِّ المُعدَّل من نسخة المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف.

وعلى امتداد نهار السبت الماضى، كان المجالُ الإعلامىُّ الحماسىُّ عبارةً عن مواكب إشادةٍ وتهليل، وعن مدائح مُدبَّجة فى حكمة التنظيم ومُفاوضيه المُتمرِّسين، وإعلائهم للمصالح الوطنية فوق كلِّ الاعتبارات، ومساعيهم الدؤوب والأمينة لإنجاز صفقةٍ مُتوازِنَة لوَقف إطلاق النار، تمهيدًا لإنهاء الحرب وافتتاح مسار اليوم التالى فى القطاع.

ومن الطبيعى والمُتوقَّع أنَّ المداولات لم تشمل حركة فتح، وضيّعت طريَقها بالتبعية وكما جرت العادةُ إلى السلطة الوطنية فى رام الله.
ضاقت الدائرةُ على المُنتمين فكريًّا وتنظيميًّا إلى الطيف الأُصولى، أو الدائرين فى فلك حماس وتحت وصايتها؛ فكأنها محاولةٌ للإيحاء بالإجماع على غير الحقيقة، وترداد للصوت الحماسىِّ من ميكروفوناتٍ شتّى.

وهذا مِمَّا لا يصلحُ من أىِّ وجهٍ لاستخلاص حُكمٍ بالرُّشد السياسى، أو العودة المُتأخِّرة إلى الصراط المستقيم. فكأنَّ القابضين على السلاح ما يزالون على عهدهم الاستبدادىِّ، بعد كلِّ ما أورثوه لغزّة والغزّيين، وتسبَّبوا فى إنزاله بالقضية وأهلها جميعًا.

وكأنهم يُصرّون حتى اللحظة التى تلفَظُ فيها سُلطتُهم أنفاسَها الأخيرة، على أن تستبدَّ البنادقُ بالسياسة والتعقُّل، وتستبدّ الخياراتُ المُتأجِّجةُ حاضرًا، بالمستقبل الغامض والمُطوَّق بمخاطر لا حدَّ لها ولا حصر.

وبدلاً عن احتمال كُلفة مقامراتهم الفردية للنهاية، يُقرّرون على حَرفٍ من المُنحدر أن يقتسموا أعباءها مع غيرهم، أو يوزّعوها على الآخرين بصيغةٍ لا تخلو من الإذعان؛ ليبقى ثوبُ التنظيم ناصعًا، أو هكذا يتوهّمون.

والحاصل؛ أنَّ رجال الخنادق يتآكلون وتنطفئ جذوةُ نارهم، لكنهم قادرون على ترويض مَندوبيهم فى الفنادق لآخر قطرةِ دمٍ وذرّة طحينٍ فى غزّة.
وعقليّةُ الاحتيال والتطهُّر المُتسلِّطة على الخيمة الحماسيَّة، تفتَّق ذهنُها على ما يبدو عن حلٍّ من طِينة الاستنصاح والتذاكى البائس، يتلخَّصُ فى الاحتفاظ بالولاية الكاملة على طاولة التفاوض، مع إشراك المُستبعَدِين منها فى المسؤولية عمَّا توصَّل إليه المُستبدّون بها وبهم.

بحيث يكون مُتاحًا لها أن تُقدِّمَ التسوية على صورة النصر الشخصىِّ، حال كانت إيجابيّةً ومُلبّيةً للطُّموحات، أو التهرُّب من تبعاتها السلبيَّة؛ بتعليقها فى فضاء الساحة الوطنية على المشاع، وتفريق دَمِها الأسود بين الفصائل.

باختصارٍ؛ انفرد قادةُ حماس تمامًا بالحوار على بنود التهدئة المُرتَقَبة، ثمَّ استدعوا أكبر عددٍ مُمكنٍ من الرايات المُتاحة، وبعضها مُجرَّد أسماء بلا حضورٍ أو ظلٍّ.
وبهذا؛ فقد أقرَّت ما أرادت للردِّ على الصفقة بما يُناسب مصالحها الحركيَّة، ومنحَتْه صِفةً عُموميَّةً بتلاقِى الآخرين عليها قبولاً أو امتداحًا.

فإن أبرَمَتْ الاتفاقَ ضمن الحدِّ الأدنى من الشروط المقبولة، لديها ومن الأغلبية الصامتة؛ فإنه دهاء القادة وحدهم، وإليهم يُرَدُّ الفضلُ حصرًا، ولا ينتقص منه ترحيبُ الأتباع شيئًا، وإن أفضى إلى ترتيباتٍ مُؤقَّتة، سامَّةٍ ومَسمومة، أو تعذَّر عليه إنجازُها واستبقَى أوارَ الحرب مُشتعلاً؛ فالجميع يُسألُون فى الإخفاق بالتساوى، وما كان موقفُ الحركة الطاهرة إلَّا نزولاً على رغبة الأهل والشركاء.

وباعثُ التبدُّل فى سلوك الحماسيِّين اليومَ، أنهم ما عادوا قادرين على مُواصلة المُغامرة، ولا راغبين فى سداد أثمانها المطلوبة من التنظيم.

لقد راهنوا بالقطاع كاملاً عندما كانوا فى مُتَّسعٍ من الخيارات والبدائل، وانقلبوا عليه بما لا يقلُّ عن انقلاب نتنياهو نفسه بعدما تآكلت أوراقهم، وبقدر ما تستحكِمُ الضغوط على خناقهم، يتطلَّعون إلى استلاف ما تبقَّى من طاقة الغزِّيين؛ لإنعاش الحركة والدفاع عن وجودها حتى آخر رمقٍ.

وتلك مُناورةٌ غايتُها ذَرّ الرماد فى العيون، والتفلُّت من الاستحقاقات الواجبة، وليست بحثًا عن التوافُق وإعادة ترميم الجبهة المُتداعِيَة؛ لأنها ما جاءت إلَّا تحت سطوة الهزيمة واستشعار الخطر الوجودىِّ، ولم تخطُر على بال الفاعلين فى التنظيم عندما كانت لهم اليدُ العُليا فى المشهد، أو حتى قبل أن تشتدَّ المأساةُ وتنغلِق متاهتُها عليهم من فلسطين إلى طهران، مرورًا بسوريا ولبنان وبقيَّة الساحات الرديفة فى مواكب التطبير ولطميَّات الشيعيَّة المُسلَّحة.

ولو صَحَّ المبدأُ واستقامَتْ النوايا؛ لكان ذلك أدعَى إلى إزاحة الحركة عن عرشها الاستبدادىِّ قبل زمن طويل، أو على الأقل من بادئة «الطوفان»، وبعدما تبدّت تداعياتُه الثقيلة على القضية فى عموم الجغرافيا السَّلِيبَة من للنهر للبحر.

أى كان حَرِيًّا بها أن تدعو مُنظَّمة التحرير بكامل تكوينها إلى التداول فى الهِمِّ الوطنى العام، والانخراط فى ورشة التصدِّى للمُلِمَّات الكاسرة التى استجلبَتْها عناصرُ القسام فى لحظة نزقٍ من السنوار وصَحْبِه المُقرَّبين.

كان الواجبُ أن تُدعَى الهيئةُ الوطنيَّةُ بقَضِّها وقضيضها إلى حوارٍ جامع، وأن يُعهَدَ بالمسؤولية السياسية إلى الطرف الأقدر عليها والأكثر جاهزيّة، والقابض على شرعيَّةٍ مهما كانت هَشّةً؛ فإنها أكثرُ قبولاً وتأثيرًا من راية حماس الموصومة بالإرهاب.

إنَّ «عباس» ورجاله ليسوا على المستوى المأمول؛ لكن «هَنيَّة» وقبيلته كانوا كذلك أيضًا. السياسةُ ضعيفةٌ من دون شكٍّ؛ لكنَّ السلاح بدا أكثر ضعفًا وانكشافًا. والمأساةُ عُموميَّةٌ فى كلِّ الأحوال؛ وما كان لفَصيلٍ أن يُفتِّش عن نجاته ومصالحه وأولويَّات رُعاته ومُحازبيه دون الآخرين.

قبل عدّة أيَّامٍ، كان زعيمُ المُعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، ضيفًا على إحدى الشاشات العربية. أثار اللقاءُ لَغَطًا ومُكايداتٍ جَمّة؛ إنما القرينةُ التى أستدعيه لأجلها أنَّ الرجل المحسوب على تيَّار الوَسَط، وشديد العداء لنتنياهو ودائرته المُتطرِّفة، من الليكود حتى أقصى اليمين من الحريديِّين وأحزاب المُستوطنين، قدَّم خطابًا لا يُمكن تمييزُه عن السرديَّة الرسميّة لدى حكومة النازيين القوميِّين والتوراتيِّين إلَّا بصفة صاحبِه فحسب.

وإذ يَدلُّ ذلك من جانبٍ على أنَّ الدولة العِبريَّة كُلَّها من مُستنقَعٍ واحدٍ، والأقلّ دمويَّةً منهم يبتسمُ خلال القتل لا أكثر؛ إلَّا أنه يُعبِّر من ناحيةٍ ثانيةٍ عن تجانُس الرُّؤى فى سياق المصلحة العامة، وعن انضواءٍ اختيارىٍّ تحت الخيمة الجامعة؛ مهما استبدَّت بها التناقُضات من داخلها. وهذا ما يتحقَّقُ للعدوِّ عن غِنَىً ومَقدرةٍ وتوفُّرٍ للبدائل، ويفتقده المنكوبون بالاحتلال رغم كلِّ ما يُحرِّقُ وُجوهَهم وجلودَهم من عَوَزٍ وهشاشةٍ وانضغاط.

عملتْ «حماس» منذ نشأتها على النَّخْر فى جذور المشروع السياسى لمُنظَّمة التحرير، والتصويب عليها من قناة أوسلو، بدلاً من مُؤازرتها فى مسار القفز على المصاعب والتعقيدات، واستخلاص ما يُمكن التوصُّل إليها بمُوازنةٍ دقيقة وتنسيقية بين السياسة والسلاح، أو على الأقل البُعد عن تحميل الخيارَيْن أعباء النَّزَق والاستهتار بالبندقية والدبلوماسية على السواء.

اشتغلَتْ لعقدَيْن تقريبًا ضمن الهامش المُتاح، زاحفةً على بَطنِها اضطرارًا بأثر كاريزما «عرفات» وشعبيَّته التى لا تُضَاهَى، وعندما أُتِيْحَت لها فرصةُ التعويض عن زمن الكُمون أو الحضور الباهت، كان الانقلاب على السلطة والانتخابات والثوابت الوطنية أوَّلَ خياراتها.

ومن المُفارقات البائسة؛ أنها بينما تَعُدُّ فلسطين وَقفًا إسلاميًّا واحدًا، وتُطالب بكامل تُرابها دون شِبرٍ ناقص؛ فقد اكتفَتْ بغزّة عن سواها، لا لشَىءٍ إلَّا أنَّ الحُكْمَ مُقدَّمٌ لديها على النضال، ولا قيمةَ لشعارات التحرير إلَّا بأن تكون مصبوغةً بلَونِها الخاص الخالص، أو تصبُّ فى نهرها الأُصولىِّ حصرًا.

ومُعضِلتُها الراهنةُ ليست نابعةً من أجواء الحرب التى تُوشِكُ أن تُغلق عامَها الثانى، ولا أنها تسرحُ فى شقوق الأرض، فيما تتراكم من فوقها أكوام الطلل والأشلاء؛ إنما أنَّ حضورَها الذى عضَّت عليه بالنواجِذ، واشترته بالغالى والنفيس، ومارست لأجله القتلَ من داخل الحظيرةِ الفلسطينية كما يُمارسه الصهاينةُ من خارجها، صار مُهدَّدًا بعُمقٍ فى لحظتِه الآنِيّة، وفى مُستقبله المنظور وعلى المدى البعيد.

والمُتاح لها حاليًا وفيما بعد أقلُّ كثيرًا مِمَّا كان فى زمن نشأتها مع الانتفاضة الأُولى/ أطفال الحجارة، أو تحت أضواء عرفات الكاشفة.

عليها لأجل التهدئة أنْ تُفرِّطَ فى شىءٍ مِمَّا توحَّشت طلبًا له، وأغرقت فى الاستبداد والشموليَّة دفاعًا عنه، وسواء قَبِل العدوُّ بقليلٍ أو كثيرٍ من أهدافه المُعلَنة والخَفيّة؛ فالبيئةُ الغَزيَّة لم تَعُد مُرحِّبةً بالحركة انخداعًا كما كان فى بواكيرها، أو رعبًا وإيثارًا للصمت الآمن كما مضت الأحوال فى سنواتها التالية.
الغضبُ على أَشُدّه، والضررُ أكبر من مُداواته فى الأنفاق وحراسته ببنادق القسَّاميين فوقها، وما لم تَتَوافَرْ حاضنةٌ داعمةٌ فلن يكون بمقدور الحركة التعافى، أو ضمان مَوطئ قدمٍ فى القطاع.

وعليه؛ فإنها تخشى مُحيطَها القريب على ما يبدو، أكثر من خَشيَتِها للغريم البعيد.

والمُفارقة تبدو أكثر وضوحًا بقياس موقف الحركة على توازُنات الداخل والخارج، وإصرارها على اقتناص ترتيباتٍ تُحصِّنُ وجودها؛ ولو كان ضئيلاً وعلى الهامش، بدلاً من تقديم التضحية المطلوبة لإيقاف المَقتَلَة؛ ثم الرجوع لأهلها، والتعويل على البوتقة الشعبية فى أن تضطَلِعَ بأدوار الاحتضان والرعاية وإعادة التأهيل.

والخلاصَةُ؛ أنه لو كان الحماسيِّون واثقين فى إمكانية التَّشافى فى مَعيّة الغزيين، لأقدَموا على افتداء اللحظة التراجيدية بالقليل الذى يقبضون عليه من السلاح وفواعل الحُكم، وعادوا إلى بيئتهم كما يعود الجنود المهزومون من الجبهة، مُطمئنّين إلى أنَّ الوطن وناسه لن يجحدوا تضحياتهم، ولن يُقصِّروا فى إعانتهم على تخطّى وجيعتهم؛ لكنهم فى الغالب لا يرون أنفسهم جنودًا فى معركةٍ غَزيَّة/ فلسطينية، أو بالأحرى يتيقّنون من أنَّ الجموع التى يتسلّطون عليها لا تراهم من تلك الزاوية بالمَرّة.

قبل أكثر من سنةٍ ناكَفَتْ الحركةُ فى الورقة المصرية، وعندما اضطُرّت لقَبولها، كان قرار السنوار بأن يستبِقَها بضربةٍ صاروخية، استعراضية وغير مُثمرةٍ إطلاقًا، على مُحيط كَرم أبو سالم.

وفى لحظةٍ واحدة تلقّف نتنياهو هديّتَه المجّانية، وتفلَّت نتنياهو من حصار بايدن الذى كان مُكبّلاً بأجواء الانتخابات، واقتحم رفح وسيطرَ على محور فيلادلفيا.
بعد ثمانية أشهُرٍ تقريبًا تقبَّل الحماسيِّون نُسخةً أقلّ كثيرًا منها، تحت ضغوط ويتكوف وتهديدات ترامب، واليوم عليهم أن يُسلّموا بأفضل ما يُمكن فى ضوء التوازُنات المُستجَدَّة بعد حرب إيران، محمولاً على تصوّرٍ قَطَرىٍّ مُعادَة صياغتُه من المُقتَرَح الأمريكى المرفوض سلفًا.

وهكذا تمضى اللعبة من سيِّئ ٍلأسوأ، وبقدرٍ عالٍ من الرعونة والاستخفاف، مع معرفتهم بأنَّ ما يستنكفونه حاليًا قد لا يكون متاحًا بعد ساعاتٍ قليلة، وأن الدوحة تنطلق من موقع الحليف بالأساس، وتأبى عليهم الانكسار بأكثر مِمَّا يأبَونَه على أنفسهم، ما يعنى أنَّ مُبادرتها بالشكل الأخير مُحاولةٌ قد لا يتوافَر بعدها أىُّ هامش آخر للإنقاذ.

فكرةُ الردِّ الإيجابى مع مُلاحظاتٍ تكرَّرت سابقًا، وتسبَّبت فى إفساد مُقارباتٍ كان بإمكانها تخفيف مِحنة القطاع، وإرخاء فُسحة أملٍ للغزِّيين.

صحيح أنَّ التعقيب اليوم يبدو خافتًا وباردًا فى فى لُغةِ تحفُّظه وشعاراته، بل يطلُب الحدَّ الأدنى مِمَّا كان مطروحًا أو سَبَق إقرارُه بالفعل؛ لكنه لا يضع فى اعتباره طبيعة المُتغيِّرات المحيطة من زوايا عدة. سواء بالإجهاز على الحزب من جبهة جنوب لبنان، وكسر الهلال الشيعى عند خاصرته الشامية، وصولاً إلى تأطير إيران فى حيِّزها الجغرافى وتحييدها عن الأذرع الإقليمية لسنوات مُقبلة.

والمُتوقَّع بالبديهة أن يرفض نتنياهو اشتراطات الحركة، وألَّا يُقدِمَ على تقديم ما يَعُدّه تنازُلاتٍ لا مجال لها ولا ضرورة، وقد حقَّق انتصاراتٍ كاسحةً على كلِّ الساحات، تَوازِيًا وتَوَالِيًا.

وإن تحقَّقت المعجزةُ واستُكمِلَت الصفقةُ فسيكون بضغوط ترامب، ولأغراضٍ سياسية لا إنسانية أو أخلاقية، وغالبًا على مَوعدةٍ بإطلاق يدِ حليفِه المُنفلت بعدما يستخلِصُ نصفَ أسراه، ويُوجِّهُ فائضَ الدعاية لسيِّد البيت الأبيض الباحث عن نوبل للسلام، التى من المُرتَقَب أن تُحسَم نسختُها الجديدة فى غضون الأسابيع المقبلة.

إن أُبرِمت الصفقة؛ فسيبدأ التفاوض على ترتيبات إنهاء الحرب منذ اليوم الأوّل، بحسب المتاح من الشروط الجديدة. وما كان من حماس مع بقيَّة الفصائل مُؤخّرًا، لجهة الحوار وتأمين الغطاء الشعبى والفصائلىِّ لاختياراتها الخاصة، يتعيّن أن يتَّصل ويتوازَى مع محاورة العدو، وأن تنفتح غرفةٌ واسعة فى البيت للقاء تحت عَلَم فلسطين ومشروعية منظمة التحرير، ومن دون استعراضٍ أو مكابرة.

لم يدفع الغزِّيون وحدهم كُلفةَ نَزَق السنوار ومقامرته الغَبيَّة، بل يدفعها أكثر من ثلاثة ملايين آخرين فى الضفة الغربية، مع انفلاتٍ مُتسارع للاستيطان وتهديدات لا تنقطع بالضمّ.

تخطّت الحرب نطاق غزة، وصارت وبالاً على الجغرافيا والديموغرافيا فى عموم فلسطين. وواجب اللحظة أن تكون الطاولة الوطنية مجاورةً أو مُساوِقَةً لطاولة العدوّ، وأن تتنافس الحركةُ مع نفسها على التقريب بينهما، والشراكة فى أجندة مُوحَّدةٍ وجامعة هُنا، والتنازُل الرضائى السَّمح لصالحها هناك.

لا أُفقَ لإنقاذ الحركة الآن من أىِّ وجه، ولا فرصةَ لها فى المستقبل إلَّا باستنقاذ القضية ومشروعها التحرُّرى، بوسائله السلمية قبل المسلحة. وأىُّ اتّفاقٍ يُعيد ترميمَ البيت لن يكون سيِّئًا مهما بلغت تضحياته، وأىُّ إبقاء للانقسام أو انفرادٍ بالقرار لا تُعوِّض عنه التسويات؛ ولو كانت وَرديَّةً، ناهيك عن أنها ستكون رمادية ودامية فى أحسن الافتراضات.

استدعت حماس الوحش الكامن فى دولة النازية الصهيونية، وسلّمته رقاب الغزيين على مذبح من الاستعراضات والذرائع، وآن لها أن تفتديه بنفسها لو أمكن، وأن تعتذر عن كل ما سببته من إضعاف للسياسة وإهدار للسلاح فى وقت واحد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة