في مثل هذا اليوم من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم الدولي للصداقة، تلك المناسبة التي تسلط الضوء على قيمة الصداقات الحقيقية وأثرها العميق في حياتنا، فالصديق الوفي ليس مجرد رفيق درب بل هو مرآة أرواحنا، نشاركه الأحلام والهواجس ويقف إلى جانبنا في لحظات الفرح والانكسار، وحدها الصداقات التي تتسم بالحب الصادق والعطاء المتبادل هي التي تقاوم الزمن وتبقى خالدة رغم تقلبات الحياة.
ومع تسارع إيقاع العصر وتزايد الاعتماد على العالم الرقمي، باتت العلاقات الإنسانية تمر بتحوّل لافت، إذ أصبحت الصداقات في كثير من الأحيان محصورة في تعليقات سريعة أو إعجابات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، مما أفقدها عمقها الإنساني ودفئها الحقيقي، وهكذا ورغم تزايد "الأصدقاء" عدديًا بات الشعور بالوحدة والعزلة يتسلل إلى الأرواح شيئًا فشيئًا.
في هذا اليوم، تأخذني الذاكرة إلى "لمة الصحاب"، حيث كانت اللحظات البسيطة تصنع أجمل الذكريات، أشتاق إلى مباريات الشارع التي كنا نخوضها بشغف الطفولة، في أزقتنا الصغيرة قبل أن نعرف الملاعب المنظمة، كنا نلعب حتى يغمرنا الظلام أو يتغلب علينا التعب، أشتاق إلى السهرات الصيفية على جسر النيل في قريتنا الوادعة، نستمع للألبومات الجديدة ونشوي الذرة على ضوء القمر وسط ضحكات لا تُنسى.
ولا تزال أيام الدراسة محفورة في قلبي، حين كنا نتظاهر بالمذاكرة في أوقات الامتحانات، بينما كان جلّ وقتنا يُقضى في لعب "البلاي ستيشن"، ومع ذلك نجحنا بفضل الله أولا ثم روح التعاون وخفة الظل التي جمعتنا. كذلك لا أنسى رحلات المعسكرات التدريبية والتعليمية، حين كنا نبيت في خيمة واحدة، نرسم معًا أحلامنا ونخطط للغد بأمل لا ينطفئ.
وفي يوم كهذا، لا يسعني إلا أن أستذكر أصدقاء الوفاء في وقت الشدة، أولئك الذين لم يغيبوا يومًا عندما احتجت إلى سند، أتذكر صديقتي الصدوقة "سارة" التي وقفت بجانبي في إحدى أصعب المراحل المهنية وساعدتني على تخطي الأزمة وفتحت أمامي أبوابًا جديدة، كما لا أنسى دعم صديقاتي "أمينة"، "نعمة"، "هنادي"، و"شاهندة"، اللواتي كنّ عونًا وسندًا في كل الأوقات، فلهن مني أصدق الامتنان وأجمل الدعاء.
ورغم جمال الذكريات، تظل "لمة الصحاب" ذكرى نفتقدها في حاضرنا، لقد تغيّرت العلاقات، وبعض الأصدقاء ابتعدوا رغما عنهم لمشاغل الحياة، لكن الذكريات تبقى نابضة في القلب نُحييها كلما حلّ هذا اليوم.
وفي ختام هذه اللحظات المفعمة بالشوق، أرفع يدي بالدعاء لأصدقائي الراحلين الذين غادرونا في ريعان الشباب، تاركين وراءهم بصمات لا تُنسى، إلى روح صديقي الغالي "محمد مجدي" – الذي كنّا نلقبه بـ"جنرال الضحك"، وإلى "محمد علي" و"أحمد أبو الغيط" و"سمري" و"محمد حسني"، الذين غادرونا مبكرًا، لكنهم ما زالوا يسكنون الذاكرة والوجدان.. رحمكم الله وأسكنكم فسيح جناته.