أكرم محمد يكتب: إيراث.. سيرة شبه متخيلة للخلق

الإثنين، 28 يوليو 2025 08:00 ص
أكرم محمد يكتب: إيراث.. سيرة شبه متخيلة للخلق إيراث

هنا يولد عالمان، يولد العالم الروائي، الذى بتحققه يولد الكون، كمحض سردية فى نص روائى يتبنى لغة توراتية تبتعث بنية تليق بحكاية خلق موازية، حيث نسيج لغوى توراتي، وتتابع حكائى خاص يبدأ من تصور لغوى خاص للعدم، ثم يبدأ فى التكوين، فكما يتكون الوجود خطوة بخطوة يتكون النص هنا أيضًا خطوة بخطوة، كأن الكون، المخلوق فى فرضية هذه المحكية، والرواية، إيراث، مربوطين بما يشبه الحبل السري، يتنامون بتحقق بعضهم، ما يطرح سؤالا عن جدوى الفن، من الذى ينمو أولا، المحكية، التى هى هنا سيرة متخيلة لخلق الكون، أم الرواية ذاتها، التى يمكن اعتبارها هنا البنية والنسيج اللغوى التوراتي.

فى أحد عتبات النص، إهداء رواية "إيراث"، للروائى أدهم العبودي، والصادرة حديثًا عن دار "سما"، يقدم النص هذا الإهداء: " إلَى:
‫ جميع الجُمل النَّاقصة عَبْر التَّواريخ،‬‬‬‬‬ ‫ تلْكَ التى خافوا أنْ تُسْتكمَل. "‬‬‬‬‬

كأن النص بتلك العتبة يؤسس لذاته، يقدم أطروحته عن التأريخ الموازي، مقدمًا لمتلقيه تأكيدًا أن محكيته الأسطورية هى الحق، وأنها انتصار لكل ما لم يحك، لكل الجمل الناقصة عبر التاريخ.

بمنطق الملاحم التاريخية والأساطير والكتب المقدسة نجد هنا، عبر الفصول الافتتاحية للنص، تأريخًا جمعيًا، وهو ذاته تأريخ الكون، كفضاء وخلفية وبطل روائي، أيضًا، فيقدم النص رؤية مغايرة لفعل التأريخ للأسطورة، يقدم تصورًا للكون، بداية من تصدير النص، الذى يتحدث فيه صوت سردى لرحم الأرض، الذى سرعان ما سيتحول فى النص من مجاز لغوى الموجود مادى له دلالة كما له كيان روائي، وكأن ذلك التصدير، الصوت السردى ارحم الأرض، يؤسس، كما الإهداء، لنص يمارس التأريخ وإكمال الحمل الناقصة بطرح سيرة موازية للخلق، الذى يبدأ هنا بالعدم، بوجود ذكر، قاس، وهو طرح الذكورة فى الكون، ففى هذه المحكية سيظل الكون وذكورته وحدهم لفترة طويلة، كرمز بقسوة الكون المشابهة لتصور العدم، ثم يبدأ النص بمحاكاة الميثولوجيا والأساطير، فيقدم حكايته عن الآلهة التى تلاعب أحد أبنائها، الذى يسقط فجأة ليصنع خرقًا للكون هو ذاته رحم الأرض، الذى امتلك صوتًا سرديّا قصيرًا حد العدم فى التصدير، كأن التأريخ لمحكية شبه متخيلة هنا هو البطل، وليس الذوات والشخوص، حتى وإن كانت تلك الشخوص هى رحم الأرض ذاته.

يستمر النص فى تقديم أطروحته عن الخلق، وهى أطروحة دلالية بالأساس، فيحكي، بمنطق الأساطير كذلك وبإحالات إلى الموروث الدينى والثقافي، أن الأجنة خلقوا من الطين، الذى يؤلم الأرض مع كل مولود ينزع من الأرض أحد أنسجتها الطينية، ومن هذه المحطة السردية يمكننا فهم ما يمارسه النص على طوله، يصنع مروية شبه متخيلة لخلق والوجود، فرغم كونها متخيلة، غير أنها دلالية، ما يهبها فضاء واقعيًا، وهو ما يؤسس له النص بالإهداء إلى الحمل الناقصة.

فى الفصول الأولى للنص، فصول التكوين التى يبدأ منها النص بخلق كل الموجودات تباعًا كأن النص يحاكى فعل الخلق بتحسسه الموجودات واكتشافها فى فضاء روائي، ومع تلك الممارسة الفنية، يتحسس النص استقراء ثنائية الذكر/ الأنثى، يعيد بناء كل الميثولوجيات التى تبنت هذه الثنائية، ويطرح محمية خاصة به، محمية تهب المرأة مركزية خاصة نادرة فى معظم الميثولوجيات والمواريث الشعبية والدينية، هكذا ينتصر النص للمرأة، لا بأن يعطيها صوتًا سرديًا أو حكاية، فهذا نص معنى بالحكى الجماعي، تماما كما تفعل الملاحم والأساطير والموروثات، لكن بتقديمه تصور للمرأة، فبافتتاحية النص تتصور قصة الخلق الموازية هذه العدم والكون سواء، بوصفهم ذكر، ظلام، قسوة، حتى تأتى المرأة، فيتحسس النص موازيًا تحسس الخلق، الذكور فى هذه الفرضية، العلاقة بين طرفى الثنائية، الرجل والمرأة، واكتشافهم مفاهيم الحب واللذة، كأن الخلق فى أطروحة النص أن يتم إلا باكتشاف مفاهيم كاللذة والحب.

رغم كون ذلك النص سردية موازية للخلق تطرح محكيتها الخاصة مستحضرةً عدد كبير من الموروثات والأساطير، ضمنياً، غير أنها تغاير كل تلك الميثولوجيات، كونها تقدم مروية حكى أرضي، فلا يحقق النص النص قصة خلق بقدر ما يقدم تأريخ بشري، لا تتبع للآلهة؛ فالآلهة هنا محض خلفية، هامش، كأن كل الميثولوجيات اتُقلَب هنا، تحاول الذوات، وإن كان تأريخًا جميعًا كما يليق بالملاحم والأساطير، لأبطال بدلًا من الآلهة، تتحول محاكاة الميثولوجيات والحكايات المقدسة لتأريخ للإنسان ذاته والمفاهيم التى تعنيه، فحتى الخلق هنا يظهر من الأرض، من رحم الأرض من حفرة هى ذاتها ندبة أحدثها طفل سقط من الآلهة، من السماوات والعوالم العليا، حتى الشخوص المقدسة، إيراث، تظل بشرًا، من لحم ودم وطين، لا آلهة، هى شخوص تحيا العزلة والحب والغضب والانكسار، شخوص روائية تماما، لا آلهة فى محمية مقدسة، هكذا هو النص، يعنى بالأرض وأبناءه الطينيين، ويعتبرها حكاية كبرى على غرار حكايات الآلهة، فحتى طرح تأريخهم بصوت سردى لراو عليم لا ينفى مركزيتهم، فربما هنا الراوى العليم سلطة عليا، بشكل ما، تستقرئهم، تحكيهم، تؤرخ لهم، كما أنها تعنى عن صياغة مفردات ولغة لبشر، بالأساس، لم يملكوا لغة فى التكوين، وهو مفهوم يبحث عنه النص، اللغة؛ فحتى التكوين فى النص هو تكوين الإنسان ذاته، تكوين لغته وشخصه وعلاقاته ومشاعره والموجودات حوله، لا تكوين العالم، ذلك الذى يستغرق حميه بضعة صفحات لا تكفى الآلهة بمنطق الموروث المقدس المعتادة لا السيرة الموازية، والحكاية المختلقة، التى تبحث عن الحمل الناقصة عبر التاريخ.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة