أسعد سليم يكتب: فى الشعر الجاهلى

الأحد، 27 يوليو 2025 09:00 ص
أسعد سليم يكتب: فى الشعر الجاهلى غلاف كتاب في الشعر الجاهلي

يمثل كتاب "فى الشعر الجاهلى" لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، الذى نشر لأول مرة عام 1926، إحدى الركائز الفكرية البارزة فى الفكر العربى الحديث، حيث أثار جدلا واسعا فى الأوساط الأكاديمية والدينية والثقافية بوجه عام، مما دفع السلطات إلى مصادرته، ليعيد حسين نشرة عام 1927 بعنوان "فى الأدب الجاهلى" بعد إجراء تعديلات طفيفة بحذف بعض السطور استجابة للضغوط الهائلة.

يتبنى الكتاب منهجا نقديا مستلهما من مبدأ الشك الديكارتى، حيث سعى طه حسين إلى تحليل الشعر الجاهلى بعقلية علمية تسعى إلى اليقين من خلال تساؤلات منهجية.
يطرح العمل أسئلة جوهرية تتعلق بهوية العرب، تاريخهم، ولغتهم، ويقدم فرضيات جريئة حول أصالة الشعر الجاهلى، معتبرا أن الغالبية العظمى منه لم يُكتب فى العصر الجاهلى، بل تم انتحاله فى العصر الإسلامي، وبالأخص فى القرن الثانى الهجرى، عصر الجمع والتدوين.

يعرض طه حسين فكرة الانتحال كمحور أساسى فى كتابه، موضحا أن الشعر الجاهلى ربما تم تأليفه لأغراض متعددة، منها السياسية، الدينية، الشعوبية، القصصية، ودوافع الرواة الخاصة. ففى السياق السياسى، يرى أن العصبية القبلية دفعت كل قبيلة إلى انتحال شعر يمجد أصولها وأنسابها، فتم استخدام الشعراء الجاهليون كأدوات لتعزيز الفخر القبلى بنسبة أشعار حديثة إليهم.

أما فى السياق الدينى، فقد أشار إلى أن اليهود والنصارى، بعد ظهور الإسلام، ألفوا شعرا نُسب إلى أسلافهم الجاهليين لدعم رواياتهم الدينية.
وفيما يتعلق بالشعوبية، رأى حسين أن علماء اللغة والرواة فى العصر العباسى، تحت تأثير الوزراء الفرس، وضعوا شعرا يمجد الفرس لكسب ودهم. والقصاصون، من جانبهم، أبدعوا أشعارا تحكى قصص الأمم البائدة، بل وصل الأمر فى بعض الأحيان إلى نسبة أشعار إلى كائنات غير بشرية كالجن.
وأخيرا، يشكك الدكتور طه حسين فى مصداقية الرواة، وبالأخص حماد الكوفى وخلف الأحمر، معتبرا أن تنوع رواياتهم كان مدفوعا أحيانا بأغراض مادية أو شخصية، وهو ما أضعف من مصداقية النصوص المنسوبة إلى العصر الجاهلى.

يستند العميد فى فرضيته إلى تحليل اللغة العربية، مشيرا إلى الفروق الجوهرية بين لغة عرب الجنوب الحميرية ولغة عرب الشمال الفصحى فى كل من: الألفاظ، النحو، والصرف. معتقدا أن هذه الفروق تجعل من غير المعقول أن يُكتب شعر الجنوب بلغة الشمال، مما يعزز الشك فى أصالة الشعر الجاهلى. مؤكدا أن هذه الشكوك ليست جديدة، إذ سبق أن أثارها ابن هشام فى "السيرة النبوية" فى القرن الثانى الهجرى، وابن سلام الجمحى فى "طبقات فحول الشعراء" فى القرن الثالث الهجرى، بالإضافة إلى المستشرق مرجوليوث الذى اقترح عام 1925 أن القرآن الكريم هو أول نص مكتوب بلغة عربية موحدة، وأن الشعر الجاهلى لا يمكن أن يكون مرجعا لفهم القرآن، بل إن القرآن نفسه هو الأداة الأنسب لفهم الشعر الجاهلى، لأن الأخير أُلف على غراره وبعد ظهوره.

يتساءل حسين عن غياب مظاهر الدين الجاهلى فى الشعر المنسوب إلى تلك الفترة، رغم أن العرب الجاهليين كانوا يمتلكون معتقدات دينية قوية دافعوا عنها بشراسة، كما أظهرته النصوص القرآنية. ويرفض المؤلف الصورة التقليدية التى تصور الجاهلية كعصر تخلف وانقطاع عن العالم، مؤكدا أن القرآن ذاته يشير إلى أن العرب الجاهليين كانوا أمة متطورة اقتصاديا وسياسيا، تتفاعل مع الحضارات المجاورة مثل الروم والفرس، وتمتلك ثراء تجاريا وقوة ثقافية. هذا التقدم تجلى فى تجارتهم، تحاورهم مع الآخر، وحروبهم الشرسة دفاعا عن معتقداتهم، مما جعل مقاومتهم للإسلام فى البداية دليلا على وعيهم وتقدمهم، وليس على غبائهم أو تخلفهم كما تم رسمه فى الصورة التقليدية عنهم.

الجزء الأكثر إثارة للجدل فى الكتاب هو تشكيك حسين فى التقسيمات التقليدية للعرب بين عرب عاربة (القحطانيون) ومستعربة (العدنانيون)، متسائلا حول صحة القصص المتعلقة بهذه الفترة، ويرى طه حسين أن هذه الروايات ربما استحدثت لإضفاء شرعية تاريخية على عرب الشمال العدنانيين، الذين كانوا يمتلكون تقدما اقتصاديا وسياسيا من خلال سيطرتهم على الكعبة كمركز دينى وتجارى يجذب الحجاج. فى سياق الصراع مع الأمم المجاورة، مثل الروم والفرس، أو مع اليهود والنصارى، سعى العرب إلى بناء تاريخ تليد يعزز من مكانتهم الحضارية.
يلاحظ المؤلف أيضا أن الشعر الجاهلى يفتقر إلى الفروق اللغوية المتوقعة بين لهجات القبائل المختلفة، سواء فى الجنوب أو الشمال. فكيف يمكن أن تتشابه معلقة أمرئ القيس الجنوبى مع معلقة عنترة الشمالى دون أى فروق تذكر فى البحور، العروض، أو الألفاظ؟ حيث يرى أن هذا التشابه غير الطبيعى يعزز فرضية الانتحال، إذ يبدو الشعر وكأنه نُظم من قبل وعى لغوى موحد، وليس من شعراء تنتمى لبيئات لغوية وثقافية متباينة. ويقارن ذلك بالقرآن الذى مع اتساع الدولة الإسلامية ودخول غير العرب فى الإسلام، بدأ يُقرأ بطرق مختلفة حتى تم توحيده لاحقا، مما يبرز التنوع اللغوى الذى كان ينبغى أن يظهر فى الشعر الجاهلى لو كان أصيلا.

واحد من أهم فصول الكتاب على الإطلاق هو الفصل الثالث الذى تناول الدين وانتحال الشعر، حيث يبدو حسين وكأنه لا يقتصر على نقد الشعر الجاهلى، مما أثار مخاوف واسعة. هذا الطرح جعل كتاب "فى الشعر الجاهلى" يتجاوز حدود الأدب ليقدم تساؤلات مهمة حول التراث الإسلامى بأكمله، دون أن يصرح حسين بذلك مباشرة، بل ظهر ذلك جليا من خلال منهجه النقدى. وقد أدت تلك الجرأة إلى ردود فعل عنيفة، حيث قُدمت بلاغات ضده من الشيخ خليل حسين، طالب الأزهر، وكذا من شيخ الأزهر ممثلا عن هيئة كبار العلماء، وأيضا من النائب الوفدى آنذاك عبد الحميد البنان. تركزت الاتهامات فى أربع نقاط رئيسية: إهانة الإسلام بتكذيب القرآن حول قصة إبراهيم وإسماعيل، إنكار نزول القراءات السبع من عند الله، الطعن فى نسب النبى، وإنكار أولوية الإسلام فى بلاد العرب. لكن معالى وكيل النيابة محمد نور دافع عن حسين ببراعة فكرية وثقافية عالية، مفندا الاتهامات واحدة تلو الأخرى، مما أدى إلى حفظ القضية إداريا لعدم ثبوت التهم.

يبقى كتاب "فى الشعر الجاهلى" عملا أكاديميا شجاعا يتحدى المسلمات ويدعو إلى إعادة قراءة التراث العربى والإسلامى بعقلية نقدية تحليلية. لقد فتح طه حسين أبوابا جديدة للنقاش حول أصالة النصوص وتاريخ اللغة العربية من خلال منهجه الدقيق، مؤكدا أهمية الشك كأداة للوصول إلى الحقيقة. ورغم الجدل الذى أثاره، يظل الكتاب محطة بارزة فى الفكر العربى الحديث، يلهم الباحثين للتفكير خارج الأُطر التقليدية وإعادة النظر فى الروايات التاريخية والأدبية التى شكلت هوية الأمة العربية.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة