حسين السيد يكتب: بلاغة سعد زغلول

الإثنين، 21 يوليو 2025 07:00 م
حسين السيد يكتب: بلاغة سعد زغلول سعد زغلول

لا شك أنه كان ثمة مقومات جعلت من سعد زغلول زعيما لمصر فى الثلث الأول من القرن العشرين، بحيث مثَّل رحيله خسارة فادحة لمصر، ومن ضمن إعجابى بسعد إعجابى ببلاغته وفصاحته، وفى اختياره لكلماته التى أصبحت شعارات نتداولها حتى يومنا هذا، فهل يمكن أن ننسى مقولته الخالدة: "الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة"، أو هذا الشعار الذى نسب إليه "الاستقلال التام أو الموت الزؤام"، وربما رددها المتظاهرون وبعضهم بل كثير منهم، فأغلبهم من طبقات الشعب الكادحة، لا يعرفون معنى "الزؤام"، بل إننى ظللت أبحث عنى معنى الزؤام وأنا فى مرحلة الجامعة، أبغى معرفة معناها فى الجملة.

شعار سعد الأول، "الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة"، لم يتعرض بسببه إلى مضايقات أو السجن مثلما حدث للعقاد الذى قال تحت قبة البرلمان:"إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس فى البلاد يخون الدستور ولا يصونه" سنة 1930، وعلى إثرها حكم عليه بالسجن مدة تسعة أشهر.

 

يبدو أن سعدا آثر السلامة وعدم الدخول فى معتركات أخرى، وإلا فما المانع لو قال:"الحق فوق القوة، والأمة فوق الملك"؟ وهل الحكومة قادرة على فعل أى شىء دون اللجوء إلى الملك؟ هل أراد أن يقول: إن الحكومة هى التى تحكم وهى المرادف للقوة والبطش والجبروت؟ ربما يكون هذا صحيحا.
لكن الحق يقال: إن هذا الشعار له سحر وجاذبية وجرس موسيقى خلاب ومعنى لطيفا ودقيقا؛ حيث إنه يعنى قمة الديمقراطية.
يحكى مستشار الملك فاروق، كريم ثابت، فى كتابه (الملك فاروق)، عن حب سعد الشديد للغة العربية، وحرصه المتواصل على العناية بكلماته، حتى إنها لتخرج بالميزان الحساس، وهل لها وقع على الآذان أم لا، لهذا كان كثيرا ما يغيِّر فى جمله ويبدل فى أساليبه، فيقول كريم ثابت:" ومما كان يبعث سعد باشا على الإكثار من مراجعة كتاباته وتحويلها وتبديلها، أنه كان يعلِّق على وزن الجمل واختيار مقاطع العبارات أهميةً كبيرة. وكان إذا خامره شك فى انسجام جملة من جُمَله، قرأها بصوت مرتفع ليتذوق نغمها فى سَمْعه".
ومن كثرة استخدامه هذه الطريقة، أن أصبح معتادًا عليها، وصارت لازمة من لازماته، فيستخدمها فى حواراته مع الأنصار قبل المعارضين، فتخرج جمَلُه وكأنها شعار، ومن ذلك مثلا ما ساقه العقاد فى كتابه عنه (سعد): "أذكر فى الأيام التي أعقبت عودته من المفاوضات مع مستر مكدونالد أننا زرناه وعنده الأستاذ حامد جودة المحامى يقترح عليه بعض الآراء.

حسين السيد
حسين السيد

فقال سعد بدعابته المعهودة: يا حامد، أنا ختمت العلم! فهاتوا العمل الناجع، فلا حاجة بى إلى اقتراح". وجواب سعد رغم أنه دعابة لكنه حكمة بليغة ومثلٌ يصح الاستشهاد به، وهو يشبه المثل العربى:"قطعتْ جَهِيزةُ قول كل خطيب"، فصاحب سعد جاء يعرض عليه بعض الآراء ليستعين بها فى محادثاته، وكأن سعدا يجهل مثل هذه الآراء أو تنقصه، فقال: يا سيدى أنا أعلم ما تعلمه وما لا تعلمه فى هذه الشئون، فبالله عليك لا أريد اقتراحا من أحد، وإنما أريد العمل الإيجابى، فمشكلتنا أننا نتكلم كثيرا لكن لا نفعل شيئا مفيدا. ونلاحظ الجمل متساوية الكلمات، فكل جملة مكونة من ثلاث كلمات، "أنا ختمت العلم"، "هاتوا العمل الناجع".

ومن ذلك أيضا قوله: "إنى أفضل أن أكون عضوًا بسيطًا فى جمعية تحافظ على حقوقها وتحترم كرامتها من أن أكون وكيلا أو رئيسا لجمعية تتهاون فى حقوقها ولا تحفظ كرامتها."
لا شك أن هذه الطريقة، وزن الجمل واختيار مقاطع العبارات، جعلته يؤثر فى سامعيه حتى لو كانوا من الفلاحين، فهذا العقاد يروى فى سيرته أنه قد "سمعه فلاح من قنا فى الاحتفال بعيد النيروز فبكى، ثم أفاق لنفسه وهو شيخ لم يتعود أن يبكى إلا لحادث يصيبه في آله أو ماله؛ فطفق يعجب لنفسه ويسأل من حوله: ما بالى أبكى؟! أمات أبى؟! أماتت أمى؟! أغرقت مراكبى؟! أأجدب زرعى؟! وما لهذا الرجل يُبكينى؟! أساحر هو؟! أفاتن هو؟! والله لا أدرى!".
ويكشف كريم عن السبب فى هذا، فهو يرجع إلى تَبحُّر سعد فى اللغة العربية ووقوفه على كنهها وأسرارها، فإنه يهتم كثيرًا بأن تجىء عباراته صحيحة الأسلوب فصيحة الكلمات؛ ولذلك كان لا يجلس للكتابة إلا ومعجم "أقرب الموارد" للشرتونى موضوع على مكتبه بالقرب منه. وكان إذا أراد إعداد مقال هام أو نداء خطير يكثر من تبديل عباراته وتحديد ألفاظه، حتى إنه كان لا يجد غضاضة فى تغيير معظم جمله ثلاث مرات أو أربعًا.
رغم كبر سن سعد فإنه كان حريصا على الاستزادة من الكتب والاطلاع كتب التراث العربى، ويقول ثابت: كان برغم سعة اطلاعه لا ينفك عن الرجوع إلى كتب اللغة القديمة، فيطالع أبوابها بإمعان واهتمام كأنه طالب علم فى العشرين من عمره، وكان يجد لذة خاصة فى مطالعة الكتب القديمة التى أعادت مطبعة دار الكتب المصرية طبعها بإتقان فى السنوات الأخيرة؛ وهى: كتاب نهاية الأرب، وكتاب التاج، وكتاب الأغانى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة