توقفت وأنا أقرأ كتاب "أنا وبارونات الصحافة" للصحفى الكبير جميل عارف، وهو كتاب ممتع، لا يخلو من فوائد عدة، عند بعض فصوله، ومن بينها الفصل الذى جاء بعنوان "صحفى يطالب بعرش مصر.. والعتبة الخضراء!"، وسر توقفى عنده ليس نابعا من مطالبة الصحفى بحقه فى عرش مصر أو العتبة الخضراء، وهو ما يذكرنا بفيلم "العتبة الخضراء" لإسماعيل ياسين وأحمد مظهر، وإنما توقفى ينبع نتيجة ما ذكره الصحفى، وهو أن إبراهيم باشا، القائد المصرى العظيم، لم يكن ابنا لمحمد على باشا، ولا تتعجب من وصفى لإبراهيم باشا بأنه مصرى، فهو من قال ذلك عن نفسه، فجاء فى "الأعلام" للزركلى ما نصه:" كان يجاهر بإحياء القومية العربية ويعد نفسه عربيا، وسئل كيف يطعن فى الأتراك وهو منهم؟ فأجاب: أنا لست تركيا، فإنى جئت إلى مصر صبيا، ومن ذلك الحين مصرتنى شمسها وغيرت من دمى وجعلته دما عربيا".
والصحفى هذا الذى ذكره جميل عارف اسمه "خليل طاهر"، ويزعم أن محمد على اغتصب عرش مصر من جده طاهر باشا الذى كان والى مصر من قبل الدولة العثمانية، وأن محمد على كان مملوكا لجده قاضى الإسلام محمد محمد طاهر، وهذه الأسرة، أسرة آل طاهر، من أصل عربى وكانوا زعماء وقادة فى إسبانيا وقت أن كانت تحت حكم العرب.
ويزعم خليل طاهر، بالمستندات والفرمانات، أن إبراهيم باشا هو ابن لمصطفى طاهر باشا الذى كان حاكما لليمن وقتها من زوجته أمينة هانم التى تزوجت بعد وفاته من محمد على باشا، وكان هذا الزواج بالقاهرة وليس فى مدينة قولة، ولم يدفن إبراهيم باشا فى مقابر الإسكندرية كما هو المتبع مع أسرة محمد على باشا، وقد دفن بالمدفن الذى دفنت فيه والدته أمينة هانم، وهو مقبرة المماليك.
هذا ما قرأته فى الكتاب آنف الذكر، وأردت الاستزادة حول هذه القضية، فجاء فى "الأعلام" للزركلى:"وأرسله أبوه (أو متبنيه؟) محمد على سنة ١٢٣١هـ بحملة إلى الحجاز ونجد"، وفى هذا إشعار بعدم التأكد من صحة نسب إبراهيم باشا، هل هو ابن محمد على أم ابن زوجته وقد تبناه؟ وليس هذا فحسب بل فى الهامش، ص70، نقرأ :" وفى الصحف المصرية (٢ ديسمبر ١٩٥٣) يقول عباس حليم (وهو من حفدة محمد على) : إن إبراهيم لم يكن ابن محمد على، وإنما تزوج هذا بأمه، وكان أصغر من محمد على باثنتى عشرة سنة". ومثل هذا الكلام لا يصدر إلا إذا كان هناك شك ولو بنسبة ضيئلة فى صحة نسب إبراهيم باشا إلى محمد على.
وقد ترددت هذه الشائعة فى كتاب "مصر فى عهد محمد على" لعفاف لطفى السيد مارسو الذى ترجمه عبدالسميع عمر زين الدين؛ حيث جاء أن "طوسون" ابن محمد على (1793- 1816) وهو أصغر من إبراهيم بأربع سنوات، قد أُنعم عليه بلقب "الباشا" قبل أخيه إبراهيم، وقد أثار هذا دهشة المؤرخين، وأرجعوا هذه الأسبقية إما إلى شغف محمد على بابنه طوسون وحبه الشديد له، وإما إلى الشائعة التى سرت وهى أن إبراهيم ليس ابن محمد على، ولكنها فندت هذه الشائعة مستندة إلى خطاب أرسله محمد على إلى السلطان فى يناير 1812. كما أن إبراهيم اُستخدم كرهينة لدى السلطان، وما كان السلطان ليقبل به رهينة لو أنه ابن بالتبنى لمحمد على.
ومن ناحية أخرى، ورد فى الكتاب السابق أنه قد جاء بمذكرات نوبار باشا حادثة وقعت عام 1844 بين الابن وأبيه، فقال نوبار:"إنه فهم أن إبراهيم أراد أن يخبره أن الوالى قد خطط لاغتياله هو"، وكانت التوترات بين الابن وأبيه فى ذروتها. وكان محمد على قد أعلن فى مجلس عام أن هناك، بينهم، خائنا، يقصد إبرهيم، وتلقى إبراهيم حينئذ رسالة من محمد على كلها مليئة باتهامات له بالسلوك الغادر، فاعتزم إبراهيم أن يذهب إلى القصر للتفاهم مع أبيه، لكنه أيقن أن هذه خطوة قد تكلفه حياته، ولهذا أمر إبراهيم رجاله أن يكونوا على استعداد ليقوموا بتوجيه ضربة إن حدثت محاولة ضده. ص 149.
وجاء فى كتاب "العلاقات المصرية الفرنسية فى عهد محمد على" تأليف كارولين جوتييه كورخان ومن ترجمة نانيس حسن عبدالوهاب، وقد أورد المؤلف عدة أقاويل فى أمر "أمينة هانم" زوجة محمد على، فمرة قالوا غنية ومطلقة، ومرة ابنة الحاكم وقد طلقت من زوجها الأول، وقالوا أيضا أرملة غنية، وذكر المؤلف أن هذا التشكك أدى إلى التشكيك بالمرة فى صحة أبوة محمد على لإبراهيم باشا. وساق دليلا هو أن محمد على كان يرسل ولديه الآخرين على رأس الجيوش، فأرسل ابنه طوسون إلى الحجاز للقضاء على فتنة الوهابيين بناء على طلب الباب العالى رغم صغر سنه، ولما توفى أرسل إبراهيم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ابنه إسماعيل الذى أرسله على رأس حملة إلى السودان، لكنه توفى هو الآخر، فأُرسل إبراهيم باشا، ويذهب المؤلف إلى أن الأمل كان يراود محمد على فى أن يكون المجد من نصيب ابن من صلبه، وطبعا لم يولد سعيد باشا آنذاك ولا حليم باشا، إذ ولد الأول عام 1822، والثانى عام 1831.
وعندما أشاد قنصل روسيا بإبراهيم أمام الباشا، ووصفه بأنه أعظم باشا فى الإمبراطورية، لم يفرح محمد على بابنه، بل هاج وماج واحتج، وقال:"وإبراهيم هذا، من هو، من أين جاء حتى يجرأوا على أن يصفوه أمامى بأنه أعظم الوزراء".
ولا أريد أن أسترسل فى المزيد من المصادر، فالأمر ليس سهلا بالمرة، فمن الصعب الفصل فى هذه القضية، هل إبراهيم باشا ابن محمد على أم لا؟ ومن جانبى أميل إلى كونه ابنا لمحمد على، وما زلت أراه إنسانا مصريا عربيا أصيلا، فقد أحب مصر ودافع عنها وعرف قدر جنودها شأنه فى ذلك شأن صلاح الدين وقطز وبيبرس وغيرهم من القادة الكبار، كما كان مؤمنا بعبقرية مصر وقدرتها على صنع المعجزات، ومبهورا بشعبها، وكان معتزا بمصريته، يكره عثمانيته وهو ما كان يغضب الباشا الكبير، فكتب لأبيه أكثر من مرة ليقنعه أن المصريين ليسوا جنودا أكفاء فحسب، بل يمكن أن يكونوا ضباطا أفضل من الأتراك، وبيَّن له فضل الجنود المصريين، وعندما ذهب فى السنة الأخيرة من عمره إلى أوروبا لطلب العلاج كان أكثر اهتماما بزيارة المصانع أكثر من أى شىء آخر، ولو طال به العمر قليلا لغيَّر وجه مصر، ولانتقلت إلى مصاف الدول الكبرى، فتحية عطرة إلى روح هذا القائد العظيم.