غسل الكعبة المشرفة سنة نبوية يحرص المسلمون على إحيائها، إذ تحمل مراسم الغسل رمزية روحية كبيرة، بوصفها مظهرًا من مظاهر العناية الفائقة بالحرم المكي الشريف، وتجسيدًا لاستمرارية سنة نبوية شريفة في أطهر بقاع الأرض.
وتُقام مراسم غسل الكعبة المشرفة في الخامس عشر من شهر محرم من كل عام، بعد أيام من استبدال كسوتها الجديدة، في تقليد سنوي دأبت المملكة العربية السعودية على إحيائه مع مطلع كل عام هجري،؛ حيث تُغسل جدران الكعبة من الداخل بماء زمزم المخلوط بماء الورد وعطر العود، كما تُبخّر بأفخر أنواع البخور في أجواء تعبق بالروحانية والإجلال.
ويشرف على المراسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أو من ينيبه، بحضور عدد من كبار المسؤولين والضيوف من داخل المملكة وخارجها وتُستخدم أدوات مخصصة في عملية الغسل، تشمل قطعًا قطنية فاخرة لتنظيف أرضية الكعبة وجدرانها بعناية بالغة.
وشهدت مكة المكرمة، فجر الخميس، مراسم غسلها، بحضور الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة؛ نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ حيث قام الأمير بغسلها من الداخل بماء زمزم المخلوط بماء الورد؛ وذلك بتدليك جدار الكعبة المشرفة من الداخل بقطع القماش المبلل بالمخلوط، الذي يحضر منذ وقت مبكر من قبل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
تقبيل وطواف
وفى مشهد روحانى تقشعر له الأبدان، تسابق المئات من المصلين والمعتمرين لتقبيل جدران الكعبة المشرفة تبركا بها، عقب الانتهاء من مراسم غسلها وطافوا حولها فى خشوع وبقلوب مطمئنة، في مشهد إيماني عظيم.
وأوضحت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أن تطهير وتعظيم البيت العتيق ورعايته وصيانته والاهتمام به نهج ثابت وراسخ منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، مؤكدة أن الهيئة سخرت كل إمكاناتها التقنية والخدمية والبشرية لمناسبة غسل الكعبة المشرفة مدعومة بالكوادر الفنية والهندسية لمد سلم الكعبة، وحشدت طاقاتها بما يليق بقدسية الكعبة المشرفة ومكانتها الراسخة في قلوب المسلمين.
ومن جانبه قال رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس، أن غسل الكعبة المشرفة يُعد سنة نبوية شريفة، ومناسبة إسلامية عظيمة، وريادة سعودية وطنية، ورسالة عالمية تعبر عن الاهتمام بقبلة المسلمين ورمز وحدتهم.
وأوضح السديس، عقب مشاركته في مراسم غسل الكعبة المشرفة، أن هذه المناسبة الجليلة تعكس عناية المملكة بالحرمين الشريفين، وتجسد حرصها على تعزيز قيم الاجتماع والتسامح والاعتدال.
وأشار إلى أن سنة تطهير وغسل الكعبة المشرفة تجسد تعظيم بيت الله الحرام، موضحا أن الملك عبدالعزيز كان أول من شرُف بغسل الكعبة بعد توحيد المملكة، وتوالى بعده أبناؤه الملوك على هذا الشرف، وصول لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
مراحل غسل الكعبة
يمر غسل الكعبة بثلاث مراحل، وانطلقت أمس الأربعاء، مراسم غسل الكعبة المشرفة في مرحلتها الأولى من خلال رفع ستارة باب الكعبة المشرفة؛ استعدادًا للمرحلة الرئيسة وهي غسل الكعبة المشرفة التى تمت فجر اليوم الخميس وفق أحدث المعايير.
المرحلة الأولى: مرحلة التحضير
تتضمن تحضير 20 لترًا من ماء زمزم المبارك مقسمة على جالونين مصنوعة من الفضة، سعة 10 لترات، ويشمل الجالون 10 لترات من ماء زمزم يتم خلطها مع 549 مللي من ماء الورد الطائفي و24 مللي من دهن الورد الطائفي ذي الجودة العالية و24 مللي من دهن العود الخاص بالحرم و3 مللي من المسك، ويتم خلطها بشكل جيد قبل استخدامها في تطييب حوائط وأرضية الكعبة وهي ذات تركيز عالٍ وتوضع 10 لترات من ماء زمزم في جالون آخر مصنوع من الفضة بدون أي إضافات.
ويتم سكبه بالكامل لغسيل وشطف أرضية الكعبة مع خمسة لترات من الخلطة الخاصة بتطييب الكعبة، وقبل عملية الغسيل يتم التبخير داخل الكعبة بأجواد أنواع العود؛ حيث يتم استهلاك ما يقارب نصف كيلو من العود الفاخر.
المرحلة الثانية: مرحلة تجهيز الأدوات
يتم تجهيز عدد من الأدوات الخاصة التي تستخدم في الغسيل، ويتم استعمال قطع من قماش القطن الفاخر والمبطنة بالقطن والمطرزة بشعار رئاسة الحرمين؛ لتنظيف وترطيب حوائط وأعمدة الكعبة بعد تبليلها بالخلطة مع إضافة قطرات من العود بشكل مباشر على هذه القطع قبل عملية التمسيح.
المرحلة الثالثة: مرحلة التجفيف
تتضمن أدوات التجفيف المزودة بمسكات من الفضة المزخرفة والمطبوع عليها شعار رئاسة الحرمين والبيت الشعري: "هي الكعبة الغراء ما أضوع الشذا وما أطهر الجدران بالنور تغسل"، حيث يتم استخدام هذه الأدوات في عملية تجفيف مياه الغسيل داخل الكعبة.
ويُختتم هذا الحدث بأداء ركعتين داخل الكعبة المشرفة، في تأسي مباشر بسنة النبي محمد ، الذي اعتاد غسل الكعبة سنويًا.