تحولت الأعياد في قطاع غزة منذ بداية العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023 من مناسبات للفرح والتجمع العائلي والعبادة إلى فصول قاسية من المعاناة الإنسانية. يواجه السكان مشهداً كارثياً يجمع بين الدمار الشامل، الحصار الخانق، المجاعة المتعمدة، وانهيار كافة مقومات الحياة، مما يحرمهم أبسط مظاهر الاحتفال ويلقي بظلال الموت على فرحة العيد.
ولعل من أبرز مظاهر المأساة خلال الأعياد هي الدمار والبيوت المنهارة بدل زينة العيد وأسواق الأشباح التي كانت تعج بالحركة لشراء ملابس العيد والحلويات والهدايا إما دُمرت أو تعانى شحا فادحا في البضائع بسبب الحصار، ومساجد مدمرة وأضاحي مستحيلة، وعثرات نفسية تمحو الشعور بحلول العيد.
وفى هذا الإطار قال النائب عصام هلال وكيل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، إن هناك أكثر من 70% من البنية التحتية السكنية مدمرة أو متضررة في قطاع غزة وذلك وفقا للأمم المتحدة، وهناك ملايين النازحين يعيشون في خيام مكتظة أو أنقاض بيوت، مما يجعل الزينة والاستعداد للعيد ضرباً من الخيال.
وأضاف "هلال" خلال تصريحه لـ "اليوم السابع" أن عيد الأضحى هذا العام ليس العيد الأول الذى يمر على أهل غزة تحت القصف فمنذ بداية العدوان حول الاحتلال الأعياد والمناسبات إلى مآتم فلم يترك شيئا يساعد أهل غزة على الاحتفال بالعيد إلا وقضى عليه، فناهيك عن البيوت والمساجد المدمرة والتى حرمت المصلين من أداء صلاة العيد في بيوت الله المعتادة، ويجبرهم على الصلاة في العراء أو بين الركام وسط مخاطر القصف، إلا أن الجوع هو المسيطر على الأهالى طوال الوقت وفى العيد أيضا مما يمحو روح الكرم في العيد.
وأشار إلى أن صمود أهل غزة وإصرارهم على الحياة، ولو بأداء صلاة العيد بين الأنقاض أو تقاسم لقمة الخبز، هو إرث إنساني خالد. لكن هذا الصمود لا يجب أن يكون بديلاً عن العدالة والحرية والسلام الذي يستحقونه ويستحقه كل إنسان على وجه الأرض.
ومن جانبها قالت النائبة أمل سلامة عضو مجلس النواب، إنه في الوقت الذى يستعد العالم بالاحتفال بعيد الأضحى المبارك بالولائم تعتمد العائلات في غزة على المساعدات الإنسانية الهزيلة مع صعوبة وصولها بسبب تحكم وسيطرة الاحتلال، موضحة أن الوضع أصبح في منتهى الخطورة فالأمر تخطى الشعور بفرحة العيد فلم يبحث الأهالى عن الفرحة بل يبحثوا عن الحياة وسط المجاعة والقصف فحتى المياه الصالحة للشرب تعانى من الشح مما يتسبب في استحالة تحضير وجبات خاصة أو حتى الحفاظ على النظافة الشخصية، بالإضافة إلى انعدام الوقود للطهى.
وطالبت عضو مجلس النواب خلال تصريحها لـ "اليوم السابع" بوقف فوري ودائم للعدوان، وفتح كافة المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية بكميات هائلة ودون عوائق، والبدء الفوري في إعادة الإعمار، وطالبت أيضا بضرورة مضاعفة جهود الإغاثة الطارئة، خاصة الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، مشددة على ضرورة تحرك المجتمع الدولى لوقف العدوان وجريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في حق أهل القطاع.
وأشارت إلى أن الأعياد في غزة تحت العدوان ليست مجرد مناسبات حزينة، بل هي شهادة حية على جريمة إنسانية مستمرة ترتكب في القرن الحادي والعشرين أمام مرأى ومسمع العالم. إن تحول الفرح إلى جوع، والاجتماع إلى تشتت، والعبادة إلى تحدٍ وسط الركام، والزينة إلى دموع على فقد الأحبة – كل هذا يضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية
فيما أكد الدكتور طارق البرديسي خبير العلاقات الدولية، أن هناك عشرات الآلاف من الغزيين فقدوا أحد أفراد أسرهم أو أكثر وهو ما يجعل العيد يتحول إلى مناسبة لتجديد الأحزان وزيارة المقابر الجماعية بدلاً من تجمعات الأفراح فهناك أكثر من 38 ألف شهيد حتى كتابة هذا التقرير، أغلبهم من النساء والأطفال، ومن يحيا من العائلة يتضرع جوعا وخوفا من القصف، مشيرا على أن دوي القصف والطائرات المسيرة لا يتوقف، حتى في أيام العيد. الأطفال والكبار يعيشون في حالة رعب دائم، مما يقتل أي فرصة للبهجة أو الاسترخاء وهو ما رأيناه في الأعياد والمناسبات التي مرت على أهل غزة منذ بداية العدوان على القطاع في تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023.
وأضاف "البرديسي" خلال تصريحه لـ "اليوم السابع" أن النزوح القسري وتشتت العائلات بين المخيمات والمناطق المختلفة يحرم الناس من التجمعات العائلية التي هي جوهر الأعياد، فالتواصل بين الأهل أصبح صعباً بسبب انقطاع الاتصالات والإنترنت المتكرر، ناهيك عن الرعاية الصحية المنهارة فالمستشفيات تعمل بأقل من طاقتها إن عملت، بسبب نقص الوقود والأدوية والمعدات والتدمير المباشر، حتى الإصابات البسيطة خلال العيد يمكن أن تتحول إلى مأساة
وأشار إلى أن الأعياد كشفت، بشكل مؤلم، عن فشل المجتمع الدولي في وقف العدوان ورفع الحصار وإنفاذ القانون الإنساني الدولي، وعن استهداف متعمد لكرامة الإنسان بتجريد الغزيين من حقهم في الاحتفاء بدينهم وثقافتهم وتقاليدهم حيث أصبح توفير لقمة العيش وكأس الماء النظيف هو الهاجس الأكبر، متجاوزاً أي مفهوم للاحتفال.