أسعد سليم: مأزق التنوير العربى دراسة في إخفاقات النهضة العربية

الثلاثاء، 03 يونيو 2025 08:00 ص
أسعد سليم: مأزق التنوير العربى دراسة في إخفاقات النهضة العربية غلاف الكتاب

في كتاب "مأزق التنوير العربى: صراع العقائد وبنية التحالف الرجعى" الصادر عن دار روافد عام 2025، يقدم المؤلف صبحى موسى تأملا عميقا في أسباب تعثر حركة التنوير العربية، متسائلا: لماذا ظل التنوير العربى عالقا في نقطة البداية؟ ولماذا لم يتمكن من تحقيق النجاح كما فعل نظيره التنوير الغربى؟ يحلل الكتاب هذا المأزق الذى نعيشه عبر عدسة تأثير التحالفات الرجعية التي تقاوم التغيير بكل ما تملك من قوة وأدوات، مازجا بين التحليل التاريخى المشوق والنقد الفلسفى البديع بلغة مبسطة تدخل قلوب الأكاديميين وسواهم من غير المتخصصين.

في التمهيد والمقدمة، يبدأ موسى بعقد مقارنة بين التنوير الأوروبى والعربى، موضحا إلى أن النهضة الأوروبية قامت على ثلاثة أعمدة رئيسية: الإصلاح الدينى بقيادة مارتن لوثر، الثورة الصناعية التي أعادت تشكيل البنية الاجتماعية، والفلسفة التي قدمت رؤى جديدة للعقل البشرى من خلال أعمال ديكارت وسبينوزا وفولتير، وغيرهم الكثير، هذه العوامل الثلاثة لم تكن مجرد أحداث متفرقة، بل شكلت نسيجا متكاملا أنتج تحولا جذريا في الوعى والمجتمع، فعلى سبيل المثال: الطابعة، التي اخترعها جوتنبرج في منتصف القرن الخامس عشر، والتي أحدثت دويا كبيرا، وكانت سببا رئيسيا في نشر أفكار التنوير الغربية، وصلت لبنان في القرن السادس عشر ولم تصل مصر إلا مع الحملة الفرنسية عام 1798، مما يعكس تأخر العالم العربى في استيعاب أدوات المعرفة.

مأزق التنوير العربي
مأزق التنوير العربي

الثورة الصناعية، بدورها هي الأخرى، أعادت تشكيل المجتمع الأوروبى، فمن خلالها نشأت طبقتى البرجوازية والبروليتاريا، وتحولت السلطة من يدى البابا والملوك إلى الشعب والقوانين الوضعية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير اقتصادى، بل كان بمثابة الثورة الوجودية التي أعادت تعريف الإنسان، وعلاقته بالسلطة ، الدين، والمعرفة. لكن، هنا في الوطن العربى، انقسم المجتمع بين تيار يسعى لتقليد الغرب بشكل كامل، وتيار آخر يدعو إلى الماضى السلفى، وهو ما أدى في النهاية إلى شلل فكرى واجتماعى تام.

في الفصل الأول، يتناول الكاتب صبحى موسى تجربة محمد على كمحاولة رائدة في مسيرة التنوير العربى، لقد سعى الباشا إلى بناء دولة حديثة من خلال تطوير الجيش، إنشاء المصانع، وإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا. وامتدت طموحاته الشخصية لتكوين إمبراطورية تضم الشام، اليونان، السودان، والجزيرة العربية، لكن هذا المشروع الفتى اصطدم بمعاهدة لندن عام 1840، التي فرضتها القوى الأوروبية الاستعمارية ومن خلفها السلطة العثمانية لتقييد نفوذ الرجل ومشاريعه. يرى المؤلف أن هذا التدخل الخارجي، إلى جانب غياب الديمقراطية في رؤية محمد على، أجهض الموجة الأولى للتنوير. لاحقا، لم يحقق خلفاؤه، مثل عباس وسعيد، تقدما يذكر، بينما كان الخديوى إسماعيل الأقرب إلى تحقيق نهضة مصرية من خلال مشاريع مثل قناة السويس، العاصمة الحديثة، والأوبرا، لكن كثرة ديونه لأوروبا فتحت الباب للتدخل الأجنبي.

في الفصل الثانى، يبرز موسى دور رفاعة الطهطاوى كرمز للتنوير العربى، لكن رؤيته ظلت أسيرة للتعليم الأزهرى، فرغم دور الطهطاوى الكبير في نقل المعرفة الغربية، إلا أنه لم يتجاوز الإطار الدينى التقليدي، مما جعل مشروعه تنويريا مبتسرا. كذلك، يشير الكاتب إلى خير الدين التونسى الذى حاول تقديم رؤية إصلاحية في تونس وتركيا، لكنه اصطدم بحدود السلطة والتقاليد. هنا، يقتبس موسى رأى المفكر على مبروك بأن مأزق التنوير العربى يكمن في كونه مفروضا من الأعلى، سواء من السلطة أو النخب، دون أن ينشأ عن حراك اجتماعى حقيقى.

بينما في الفصل الثالث، يحدد موسى ثلاثة اتجاهات نهضوية عربية: الوطنية، القومية العربية، والأممية الإسلامية. فالتيار الوطنى الذى تبلور مع حركة أحمد عرابى وشعار مصر للمصريين، كان الأضعف، ولكنه حقق انتصارا شكليا من خلال استقلال الدول العربية. أما القومية العربية، التي بدأت في الشام على يد مفكرين مسيحيين مثل نجيب عازورى وشبلى شميل، فقد نادت بفصل الدين عن الدولة، لكنها واجهت مقاومة من التيار السلفى الرجعى. أما تيار الإصلاح الدينى بقيادة جمال الدين الأفغانى، محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، الذى حاول إصلاح الدين من الداخل، لكنه ظل متمسكا بالتقاليد، مما جعله بعيدا عن التنوير الحقيقى المرتجى. يبرز هنا صراع العقائد الذى يشكل البنية المركزية للكتاب، فالعقلية السلفية، التي ترى الدين منهجا علميا وسياسيا، تغلغلت في الوعى العربى، مشكلة ما يمكن تسميته بالوعى الزائف. هذا الوعى، المعتمد على خطابات دينية موجهة، حال دون تحرير النص الدينى من قبضة الكهنوت، على عكس ما فعله مارتن لوثر في أوروبا بترجمته للكتاب المقدس وتحديه لسلطة الكنيسة.

في الفصل الرابع، يناقش المفكر صبحى موسى مشروعات التنوير العربى، مشيرا إلى أنها افتقدت إلى الزخم الفلسفى والاجتماعى الذى كان الدعامة الأساسية لنجاح التنوير الأوروبى. فبينما استندت أوروبا إلى أفكار نيوتن وديكارت، توقفت المسارات العربية عند البدايات. ويسلط الكتاب الضوء على أسماء مثل الشيخ على عبد الرازق، الذى قدم في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" رؤية علمانية جريئة، أثبتت أن الخلافة ليست ضرورة من ضروريات الدين، وأن الرسول الكريم محمد لم يكن ملكا ولا سلطانا، بل نبيا مرسلا للهداية. وكذلك، الدكتور طه حسين، الذى هز الوعى العربى بكتابه "في الشعر الجاهلى"، مشككا في المصادر الدينية التقليدية. هذه المحاولات، رغم شجاعتها، واجهت مقاومة عنيفة من التيار الدينى، مما أدى إلى تهميشها. يضيف موسى أنه بسقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وكذا وعد بلفور الذى منح الصهيونية صك إنشاء وطن قومى لليهود على الأراضى الفلسطينية، أعادا إحياء الأصولية الدينية، سواء الإسلامية أو اليهودية، وهو ما عزز موقف التيار السلفى الرجعى، الذى أثار عواطف المسلمين الدينية ضد الغرب المسيحى والصهيونية العالمية. إلا أن الغرب رغم تنويره، لعب دورا سلبيا بالتحالف مع القوى الرجعية للحفاظ على مصالحه، مما أعاق طريق التنوير العربى.

أما في الفصل الخامس، يتناول موسى مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية، حيث سيطرت القومية العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لكن محاولة أسلمة الاشتراكية وصبغها بالصبغة الدينية كان لها عظيم الأثر السلبى على طريق النهضة والتنوير، وانهارت القومية العربية تماما بحلول نكسة عام 1967. يبرز موسى نموذجى نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون كممثلين للتنوير الحداثى، حيث قدم كل منهما قراءات نقدية للنص الدينى، لكنهما كالعادة واجها مقاومة شديدة من التيار السلفى.

في الفصل السادس والأخير، يحدد موسى بدقة التحالف الرجعى الذى وقف كحائط صد في مواجهة انطلاقة التنوير العربى، وهى ثلاثية شهيرة تمثلت في: الغرب الاستعمارى، السلطة السياسية الحاكمة، والتيارات الدينية. فالغرب، الذى يفترض أنه راعى التنوير والتقدمية والحداثة، قام بتدعيم التيارات الرجعية للحفاظ على مصالحه ومكتسباته الاقتصادية، وهو ما فعلته بريطانيا مع جماعة الإخوان المسلمين. كذلك، تحالفت السلطات السياسية العربية مع التيار الدينى لتعزيز سيطرتها وضمان استمرارية سلطتها. ويخصص المؤلف جزءا من هذا الفصل لدور المرأة في مسار التنوير العربى، مشيرا إلى رائدات مثل هدى شعراوى ونوال السعداوى في مصر، وفاطمة المرنيسى في المغرب، اللواتى ناضلن ضد محاولات تهميش المرأة.

في خاتمته، يرسم موسى صورة قاتمة لمصير التنوير العربى، مشيرا إلى أن فشله يعود إلى غياب حراك اجتماعى حقيقى، حيث ظل التنوير مفروضا من الأعلى، من الحملة الفرنسية إلى محمد على والقومية العربية، دون أن يتغلغل في أعماق المجتمع. فالتيار الدينى، بدعم من السلطات والغرب، سيطر على العقول، مما أدى إلى انزواء العقل العربى.
يطرح الكتاب سؤالا جوهريا: هل يمكن للتنوير العربى أن يتجاوز مأزقه الراهن دون مواجهة جذرية مع التحالفات الرجعية؟ إن تحليل موسى يكشف عن عقدة مركزية: العقلية السلفية ليست مجرد أيديولوجيا، بل هي بنية وعى متأصلة تتغذى على الخطاب الدينى الموجه. هذا الوعى الزائف الذى يحتل العقول والقلوب خصوصا في الأرياف، هو الذى يعوق تحرير النص الدينى من قبضة كهنة الدين وتجاره، مما جعلنا لا نستطيع تجاوز مرحلة التنوير الأولى.

الكتاب ينم عن ثقافة موسوعية لمؤلفه صبحى موسى، وجهد بحثى هائل، وقراءات تاريخية، فكرية، وفلسفية عميقة، شكلت وعى الكاتب، وانعكست على طريقة سرده البديعة. وفى رأيى المتواضع، أن كتاب "مأزق التنوير العربى" يجب أن يحرك المياة الراكدة في الأوساط الفكرية والثقافية، فقد وضعت الدراسة يدها على الجرح الغائر في مسار التنوير العربى بكل براعة، حددت أسباب السقوط والتردى، ورسمت كل أشكال التحالفات الرجعية التي وقفت بالمرصاد للحداثة، وهو ما يجعله صالحا بجدارة للمناقشة والدرس والتعلم، عل أحدا يستطيع أن يجد منفذا يستطيع من خلاله بعث الروح في جسد التنوير العربى الهامد.

ورغم إعجابى الشديد بالكتاب ومضمونه الفكرى، إلا أننى كنت أتمنى من المؤلف المبدع صبحى موسى أن يحدد مضمون كتابه بالحالة المصرية فقط وليست العربية، لأسباب عدة، منها أن لكل دولة عربية وضعها ومأزقها التنويرى الخاص بها، وليست كل الحالات متشابهة، ثانيا، أشعر أن حالة التنوير العربى (غير المصرى) قد ظلمت في تلك الدراسة بسبب الحجم والمساحة، فلا يمكن لدراسة بعدد صفحات في حدود 270 صفحة أن تضم بين طياتها كل تاريخ ومسارات التنوير العربى. وبما أن المؤلف هو بالأساس روائى بارع وذائع الصيت، فقد غلبته شهوة القص والحكى في بعض الأماكن أكثر مما تحتمل.

ورغم أنه ليس مطلوبا من المفكر إيجاد وتقديم الحلول للمشاكل التي يعرضها، إلا أننا نطمح من صبحى موسى بكتاب آخر يصيغ فيه أفكاره النظرية والعملية للخروج من هذا المأزق الذى نعيشه، ولم لا؟ وهو الطبيب الذى شخص حالة المريض بكل اقتدار، ويمكنه من خلال فهمه الدقيق للأزمة – تاريخها ومسبباتها – أن يقدم لنا أيضا رؤيته لكيفية الخروج من هذا النفق المظلم. لقد ألقى بنا مسار التنوير العربى في حفرة ضحلة وعميقة، وأعتقد أن صبحى موسى سيكون رحيما بنا، ونأمل أن يكشف لنا قريبا عن تصوراته للخروج من قاع الحفرة.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة