أكد أسامة الصيد، رئيس مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، أن تعقيد المشهد الليبى له عدة أسباب، منها ما هو داخلى، ويتعلق بليبيا نفسها منذ تأسيسها وتراكمات كل العهود التى تعاقبت على حكم البلاد، موضحا أن هذه التعقيدات وضعت ليبيا فى التوازنات الدولية التى تنعكس بعض صراعاتها على البلاد.
وأشار "الصيد" فى تصريحات مطولة لـ"اليوم السابع" إلى اخفاق النظام الملكى فى إرساء ثقافة النقاش العام، رغم أنه نظام نجح فى منتصف عهده أن يعدل الدستور من نظام اتحادى إلى نظام وحدوى، منتقدا عدم تنظيمه لحوار وطنى موسع يبين أهداف التعديل وفائدته على البلاد و المجتمع، موضحا أنه فى عهد الملك شهد انتقال ليبيا من دولة بدون موارد تعيش على المعونات الخارجية إلى دولة ذات موارد قادرة أن تحقق التنمية و الازدهار إلى شعبها.
وفيما يخص التعقيدات الخارجية، أوضح أن الأمر يعود إلى مرحلة تأسيس ليبيا وكيف تعاملت العهود المتعاقبة مع الدول وتوازنات السياسة الدولية، لافتا إلى أن ليبيا تأسست باتفاق بين الملك إدريس وبريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ليس عيبا ولا يدين الملك إدريس رحمه الله، بل دليل على ذكاءه ودهاءه وبعد نظره، فهو بقراءته الجيدة للسياسة الدولية والحرب العالمية الثانية أدرك كيفية انتزاع استقلال بلاده، وقد رتب الأمور بطريقة جيدة لضمن موافقة الدول المنتصرة فى الحرب العالمية الثانية على استقلال ليبيا تحت قيادته، و قد نجح فى بناء علاقات طيبة مع الدول الكبرى بما فيها الاتحاد السوفيتى آنذاك.
وعن محاولة القذافى تغيير سياسة ليبيا الخارجية، أوضح "الصيد" أن حاول تغيير سياسة ليبيا الخارجية وحمايتها من التدخل الأجنبى، إلا أنه فى حقيقة الأمر ورط ليبيا فى الحرب الباردة وتجاذباتها دون أن يملك القدرة ولا الإمكانات على ذلك، فهو لم تكن له لا الموارد البشرية ولا المادية لذلك، وانتهى به المطاف أن رهن جميع إمكانات ليبيا للخارج سواء البسيطة منها أو الضخمة، وحال ذلك دون تحقيق التنمية فى البلاد وخلف بلدا لا يعرف أى أحد أى شيء عن ثروتها ومواردها، مشيرا إلى غياب النقاش الداخلى وحل محله استهداف النظام لفئات المجتمع و احيانا ضربها ببعض
أوضح أن سبل حل الأزمة الليبية الراهنة يتمثل فى ضرورة تشكيل حكومة موحدة يكون لها برنامج واضح محدد الأهداف والجدول الزمنى لتنفيذه قائما على توفير المناخ المناسب والملائم لإجراء انتخابات، توحيد مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية والأمنية، وتنفيذ خطة لإنعاش الاقتصاد وتوفير فرص عمل حقيقية للمواطنين، وهو ما يتطلب توافق وطنى ودولى يسمح لولادة سلسة لهذه الحكومة.
وأكد "الصيد" أن ليبيا فشلت فى بناء دولة المؤسسات، من بين أسباب ذلك أن المسار السياسى الذى اتبعته ليبيا بعد عام 2011 اتبع حلولا نمطية ونظرية وغير سياسية بحيث يغيب عنها العمق، حيث أنها لم تتعامل مع حقيقة ليبيا وطبيعة شعبها و لكن تعاملت مع ظواهر الأشياء، لافتا إلى أنه لبناء المؤسسات يجب أن يحدد شكل الدولة وهذا أيضا يفرض على الليبيين تحديد النظام الاقتصادى وتوجهات التنمية والنظام المصرفى والجبائى والمالى والاجتماعي.
وعن الاشتباكات العسكرية الأخيرة فى طرابلس، أكد أن اشتباكات العاصمة الليبية أنهت فعليا مخرجات حوار جنيف للأطراف الليبية فقد أظهرت اتجاه ليبيا نحو منعطف العنف القريب من سلوك العصابات، مشيرا إلى إقرار حكومة الوحدة باغتيال شخصية عامة على رأس جهاز أمنى تابع لها وكان شريكا لها فى الحكم وهو عبد الغنى الككلى، موضحا أن الأحداث الأخيرة هى استمرار لصراع داخل نظام الحكم فى طرابلس ولتسوية حسابات بين المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوحدة.
وأوضح "الصيد" أن أحداث طرابلس خلفت شرخا عميقا فى المجتمع والمنطقة الغربية، حيث بدأ اصطفاف بين المدن وهذا أمر خطير يعود بليبيا لأحداث 2011 حيث كانت المدن تصنف بولائها ومواقفها، وهذا أمر خطير يصعب تجاوز آثاره فى المستقبل.
وعن حل الميليشيات، شدد على أن ليبيا لن تكون قادرة على حل الميليشيات المسلحة إلا ببناء قوات الجيش والشرطة بناء صحيحا وسليما قائما على عقيدة عسكرية وأمنية تحترم مبادئ الدولة الحديثة القائمة على احترام القانون والحقوق والحريات وسيادة و حرمة مؤسسات الدولة المدنية سواء كانت سياسية أو قضائية أو إدارية أو اقتصادية.
وأوضح أن حل الميليشيات المسلحة يحتاج أولا إلى إرادة سياسية واضحة وشجاعة تؤمن بالقوات المسلحة ودورها فى حماية الوطن والمواطنين، وأنها ليست طرفا فى الصراع والخلافات السياسية التى هى شأن الأحزاب والسياسيين،
حول تداعيات التدخلات الخارجية الاجنبية فى الشأن الليبى، أكد "الصيد" أن التدخل الأجنبى هو أمر استفحل مع ضعف الحكومات المتعاقبة، و لكنه يعود أساسا إلى عدم قدرة ليبيا على إدارة ثروتها النفطية خاصة بعد عام 1969، لافتا إلى أن التدخل الأجنبى الحالى جاء لملء الفراغ الذى تسببت فيه الأطراف الليبية، فالوجود الأجنبى لم يأتى كمحتل أم مستعمر إنما جاء بدعوة من الأطراف الليبية.
وأكد أن الواقعية تفرض على الليبيين أن يفكروا فى حكومة قادرة على التعامل مع هذا الموضوع الشائك والتعامل مع الوجود الأجنبى بما يخدم مصلحة ليبيا العليا وسيادتها وأيضا مصالح الدول المتدخلة، مؤكدا أن الوجود الأجنبى فى ليبيا متعدد الأوجه منه ما هو عسكرى وما هو اقتصادى وما هو أمني.