راكبٌ على حصانه يلف الأرض كلها بسرعة الريح، تخطّى من سرعته حدود الأرض، فأصبح يجري في السماء على النجوم.
وكان العمدة راكبًا حصانه هو وابنه، وكانا يحاولان اللحاق به، لكنهما يفشلان؛ فلا حصان أسرع من حصانه.
أمام ورشة أبيه المغلقة، كان يقف مستطرقًا، زائغ العينين، يغوص في محيط خياله الوافر، يلعب بحصانه الخشبي الصغير الذي صنعه له أبوه النجار. وكان مستمتعًا جدًا بخياله، حتى قطع عليه هذا الخيال ظهور ابن العمدة، الذي ظهر من رحم اللا مكان.
كان ابن العمدة يمسك تفاحةً حمراء... حمرة العقيق، نفّاذة الرائحة، تؤكد رائحتها على روعة مذاقها. صوب نظراته الجامدة إليه، ثم قال ببرود:
– خد التفاحة دي.
– يا ابني... إيه تفاحة؟
– جرّب.
أخذ التفاحة من يديه، وظل يتحسسها بأنامله الصغيرة، وفي عينيه اندهاش الأطفال المعهود. أخذ قضمة. لقد سمع مرارًا من شيخ الزاوية عن مكان في السماء يُدعى الجنة، لكنه أيقن في هذه اللحظة أن رائحة التفاحة هذه هي رائحة الجنة، وأنه إن كان للجنة طعم، فهو طعم التفاحة بين يديه.
ظل ابن العمدة ينظر إليه بتجمّد وبرود، لم تبدده بَريق ابتسامة الطفل الفيروزية.
من رحم اللا مكان أيضًا، ظهر والده، الذي كان يمشي ببطء، وعلى وجهه شرود العالمين، لدرجة أنه لم يُركّز مع ابنه الذي يجري وراءه، ولم تفارقه ابتسامته. ولما وصل إليه، قال:
– تذوّق هذا يا أبي... يُدعى تفاحًا.
أمسك الأب التفاحة بيديه الضخمتين المتشققتين، قضمها، فانجلى جمود وجهه، ولاحت سعادة الأطفال في عينيه.
تذكّر الطفل أنه نسي حصانه الخشبي، فنظر إلى باب الورشة حيث كان يقف، فوجد ابن العمدة يُحطّم حصانه. فأمسك بجلباب أبيه كي يُنبّهه، لكن الأب كان يأكل ما تبقّى من التفاحة بنهمٍ شديد، لدرجة أنه لم ينتبه لما يدور حوله.
فظل الطفل متجمّدًا في مكانه، ينظر إلى ابن العمدة وهو يُحطّم حصانه، عاجزًا عن فعل شيء.
ولما انتبه ابن العمدة إلى نظراته، أخرج من جيب جلبابه قدّاحة، وأشعل النار في حُطام الحصان، ثم بصق عليه، وأدار ظهره ومشى... حتى ابتلعه رحم اللا مكان.