رغم مرور أكثر من ستين عامًا على إعدامه، لا تزال قضية الجاسوس الإسرائيلى إيلى كوهين مفتوحة، ويعاد طرحها بين الحين والآخر على مائدة السياسة والتفاوض، حيث لا تزال رفات كوهين مفقودة، وسط تضارب الروايات بين دفن سرى وحرق متعمد، ونقل متكرر فى براميل الأسمنت ومعسكرات الجيش السوري.
وتسلط الزميلة هناء أبو العز على القضية، التى أصبحت ورقة استراتيجية، تستخدمها دمشق بحذر، وتبحث عنها إسرائيل بيأس، بينما تواصل عائلة كوهين مناشداتها، فى محاولة لإغلاق هذا الجرح المفتوح منذ عام 1965.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعلن رسميًا عن مكان دفن إيلى كوهين، وتقول الروايات المتداولة أن السلطات السورية دفنته فى مكان سرى، خشية قيام إسرائيل بمحاولة لاستخراج رفاته.
و على مدار العقود، ظل موقع الجثمان مجهولًا، فى ظل غياب أى تأكيد رسمى من الحكومة السورية.
وفى المقابل، لم تتوقف عائلة كوهين، وعلى رأسها زوجته نادية، عن المطالبة باستعادة الرفات، حيث تقول فى تصريحات إعلامية متكررة:"نريد دفنه وفقًا للشريعة اليهودية، وهذه ليست قضية سياسية بل إنسانية".
لكن السلطات السورية السابقة كانت ترى فى الرفات ورقة سيادية لا يمكن التفريط بها، بل وتستخدم فى أحيان كثيرة كورقة ضغط سياسى فى ملفات تبادل الأسرى.
وفى عام 2004، قدمت إسرائيل طلبًا رسميًا للأمم المتحدة للضغط على سوريا لإعادة الجثة، باعتبارها قضية إنسانية.
وفى عام 2019، أُثيرت أنباء عن دور روسى فى محاولة استعادة الرفات، حيث تداولت وسائل إعلام إسرائيلية تقاريرعن قيام موسكو بنقل بقايا يعتقد أنها تعود إلى إيلى كوهين من سوريا، إلا أن دمشق سارعت إلى النفى، وأكدت أن الرفات لا تزال فى مكانها، وأن سوريا لم ولن تفرط فى سيادتها تحت أى ضغوط.
وبينما لم تؤكد إسرائيل رسميًا هوية البقايا التى استلمتها، واصلت عائلة كوهين حملتها للضغط على الحكومات المتعاقبة من أجل الوصول إلى نهاية لهذا الملف المؤلم.
وروت صوفى كوهين، ابنة الجاسوس، أن عمها موريس شقيق والدها والذى عمل أيضًا فى الموساد، ترك تسجيل صوتى قبل وفاته، يتحدث فيها عن شقيقه الجاسوس إيلى كوهين، وبطولاته فى اختراق مؤسسة الحكم السورية ووصوله إلى أعلى شرائح السلطة، وتمكنه من جمع معلومات خطيرة تخدم الجيش الإسرائيلى مثل الاستعدادات للحرب وغيرها.
وكان الغرض من هذه الإفادة هو طمأنة أفراد العائلة بأن الموساد لم يهمل قضية إيلى كوهين، بل حاول تنفيذ عمليات كثيرة مغامرة للعثور على جثمانه، ولكن الظروف كانت أقوى منه.
ولم يكشف موريس كوهين كيف تمت عمليات البحث، وفى أى وقت، وإن كانوا قد تلقوا معلومات عن مكان دفن الجثة، لكنه روى فى هذه الإفادة أن تحقيقات الموساد بينت أن الرئيس السورى فى ذلك الوقت، أمين الحافظ، أمر بدفن الجثة داخل معسكر جيش قرب دمشق، وأن فرقة مدرعات تولت أمر حراسة القبر ليل نهار.
ويضيف موريس أنه عندما تولى الحكم حافظ الأسد، عام 1971، أمر بنقل رفات شقيقه إيلى إلى قبر آخر فوضعوه فى برميل، ودفنوه، وصبوا فوقه كمية كبيرة من الأسمنت.
وأشار موريس، فى التسجيل، إلى أن محققى الموساد سمعوا رواية أخرى تقول أن بعض الجنود أحرقوا جثة إيلى كوهين، لكن المخابرات الإسرائيلية لم تقتنع بهذه الرواية، باعتبار أن هذه الجثة هى كنز ثمين يمكن استخدامه فى المساومات والمقايضات بين دمشق وتل أبيب.
ويضيف موريس كوهين أن القناعة السائدة لدى الموساد، آنذاك، هى أن نظام الأسد ما زال يحتفظ برفات إيلى كوهين فى مكان سرى لا يعرفه إلا قلة قليلة من كبار رجالاته، ويعتقد بأن القبر يقع فى منطقة سرية قرب الحدود السورية اللبنانية.
وادعت مصادر سياسية فى تل أبيب، أنه خلال لقاء مباشر بين مسؤولين أمنيين إسرائيليين وصفوا بأنهم رفيعو المستوى، ونظرائهم من السلطة السورية الجديدة، خلال الأشهر الأخيرة، أبلغ السوريون نظراءهم الإسرائيليين أنهم يسعون للعثور على رفات الجاسوس إيلى كوهين.