فى رحلة ممتدة خلال ليالى رمضان، التقت «اليوم السابع» بأبطال قصص مختلفة، لكل منهم حكاية صنعتها الأيام، وجراح خطها الزمن، لكن وسط كل تلك الاختلافات، كانت مشاعرهم متشابهة، ورسالتهم واحدة، «البحث عن الدفء والأمان»، بعضهم فقد أسرته، وآخرون ضاعت بهم الحياة فى الشوارع، لكنهم هنا لم يعودوا وحدهم، بل أصبحوا إخوة، يتقاسمون الضحكات قبل الدموع، والسند قبل الألم، لم تجمعهم الملامح، ولم توحدهم شهادات الميلاد، لكن القلوب وجدت طريقها لبعضها البعض، فصاروا عائلة لا تفرقها الأيام.
كانت هذه المشاعر محور برنامج «الدار أمان»، الذى قدمه «اليوم السابع» خلال شهر رمضان، برنامج إنسانى اجتماعى حملنا فى جولات مختلفة داخل دور الإيواء، حيث تعرفنا على قصص من فقدوا منازلهم، ومن وجدوا فى تلك الدور حياة جديدة، دخلنا بيوت المسنين، واستمعنا حكايات الأيتام، وشاركنا لحظات الأمل مع محاربات السرطان، ورأينا كيف يمكن للحب أن يصنع معجزة، وكيف يمكن لمكان بسيط أن يتحوّل إلى وطن يحتضن القلوب المنهكة.
وفى السطور المقبلة، نروى لكم بعضًا من تلك الحكايات التى لمسناها عن قرب، قصص لقلوب وجدت ملاذها فى بيوت امتلأت بالدفء، ووجوه لم تفقد بريقها رغم قسوة الحياة.
بلا مأوى بس النهاية لمة
«العيلة والبيت يعنى السند والونس والأمان»، معانى بسيطة افتقدها الكثيرون من الأطفال والكبار بلا مأوى، فمنهم من وجد نفسه فى الشارع بعدما كان يعيش وسط أسرته، والبعض الآخر فقد المقربين منه فى لحظة، وأصيب حينها باضطرابات نفسية، وفقد عقله وحياته معا وكان طريقه الوحيد هو الشارع.
كانت أولى جولاتنا فى دار لإيواء المشردين وهى إحدى الدور التى تجمع كل من هو بلا مأوى، فمنذ وصولنا على باب الدار سمعنا أصوات غناء وضحك تعلو المكان، فرغم الوجع الذى عاشه كل واحد فيهم، فإنهم قادرون على تخطى كل ذلك معا، وبدأوا مع بعضهم حياة جديدة، لذلك تحمسنا لدخول الدار لنغنى ونضحك معهم ونسمع حكاياتهم فى شهر رمضان.
الحاجة وطنية وسر الـ6 أيام البيض
الحاجة وطنية سيدة فى العقد السابع من عمرها، تجلس على كرسى متحرك بسبب إصابتها بجلطة فى القدمين، ورغم تقدمها فى العمر وظهور التجاعيد فى وجهها، ولكن ابتسامتها وخفت دمها أخفت كل ذلك وكأنها شابة فى العشرينيات، عندما تحدثنا معها لنسمع حكاياتها، وسبب وجودها فى دار الإيواء قالت: «أنا هنا فى الدار من 5 سنين، كنت مرمية فى الشارع وعندى جلطة فى رجلى وأهل الخير جابونى هنا علشان أتعالج، وزوجى معرفش عنه حاجة لما تعبت مشى وسابنى لوحدى بس مش زعلانة عليه، لأن اللى ما يشلنيش وأنا تعبانة ميستاهلنيش وميستاهلش زعلى عليه، والحمد لله إنى معنديش أولاد كان زمانى دايخة بيهم ومش عارفة أتصرف وأنا لوحدى».
وعن ذكريات رمضان ويومياتها داخل الدار قالت: «فى عز تعبى وأنا مش قادرة أمشى بصوم رمضان وبصوم الستة أيام البيض كمان، لأن فى واحدة زمان قابلتها قالتلى لو عاوزة ربنا يشفيكى وينجيكى صومى، أنا ولا عاوزة مال ولا جمال عاوزة ربنا يشفينى، وأنا بحب شهر رمضان وبحب الناس فى الدار، ودايما بفتكر معاهم ذكرياتى فى رمضان، كنت بحب سمير غانم وبحب فطوطة أوى، وفى العيد هنا بنقضى أحلى أيام مع بعض بنضحك ونهزر ونحس بالبهجة والونس».
سلمى عملت عيلة جديدة فى الدار
«بكون مطمنة وأنا معاهم لو قالولى انسيهم هقولهم لأ».. هذا ما قالته سلمى عن حياتها فى الدار وهى شابة فى العشرينيات من عمرها، ولكنها عانت فى حياتها بسبب وجودها فى الشارع لسنوات حتى استقرت فى الدار، وقالت لـ«اليوم السابع»: قبل ما آجى الدار هنا أنا كنت فى الشارع، وكنت بخاف من الناس ومن العربيات والزحمة بس مكنتش لاقية مكان أعيش فيه، ولما جيت الدار اتطمنت وحسيت بالأمان والونس، أنا بحبهم أوى هم أهلى وأصحابى، أنا بحب الناس هنا فى الدار لأنهم أحن عليا من الناس فى الشارع».
حكاية أوكا ووحدتها بعد أختها
رغم أنها تغنى وتتفاعل معهم، لكن عينيها مليئة بحكايات الماضى المؤلمة، فكان لدينا فضول نسمع حكايتها وسبب وجودها فى الدار، وعندما سألناها عن سبب حزنها قالت: «أنا حزينة على أختى اللى ماتت، كنت عايشة معاها ومبسوطين فى حياتنا ومكانش عندى غيرها بس لما ماتت بقيت لوحدى، والظروف جعلتنى فى الشارع فترات طويلة لغاية ما الناس جابونى هنا فى الدار، وأنا هنا بحبهم وبحكى لهم عن ذكريات رمضان زمان مع أختى وأهلى اللى افتقدتهم ومعرفش عنهم حاجة».
أحسن من الضياع
كان لقاؤنا مع عم محمد مختلفا، فرغم وجهه البشوش وضحكته المميزة، لكنه يحمل هم سنوات عديدة أفناها فى تربية بناته اللائى تخلين عنه وتركنه وحيدا، وقال عم محمد لـ«اليوم السابع»: «أنا كنت بشتغل فى السعودية طول عمرى، ولما كبرت رجعت مصر لبيتى وبناتى للأسف تخلوا عنى وملقتش بيتى ولا حياتى اللى كنت مسافر ومتغرب عشانها، فضلت فترة كبيرة قاعد لوحدى بس مكنتش عارف أعيش لغاية ما جيت الدار هنا، والحمد لله المكان هنا أحسن من الضياع برة فى الشارع، هنا باب مقفول علينا، وسرير وأكل وناس بنتكلم معاهم محافظين علينا».
رسالة شادى لبنت خالته ولتامر عاشور
أما شادى فيحكى: «أنا طول عمرى كنت متغرب فى الكويت وبشتغل علشان أجيب فلوس واخطب بنت خالتى، لكنى رجعت من السفر لقيتها اتجوزت وسابتنى، وللأسف لغاية دلوقتى بحبها وبفتكرها دايما بأغنية تامر عاشور «كلموها عنى»، أنا بحب تامر عاشور جدا، لأنه بيفكرنى بيها وعاوز أقولها إنى لسه بحبها».
وأضاف شادى: «أنا جيت المكان هنا لما الدنيا ضافت بيا، ولقيت نفسى لوحدى وكمان تعبت وبقت استخدم كرسى متحرك، هنا بحس إن أنا فى بيتى مش غريب».
بيت محاربات السرطان كله ضحك وفرفشة
لكل واحدة منهن حكاية مختلفة عن غيرها، ولكن يجمهن شىء واحد، فكلهن محاربات وبطلات لا يحملن سلاحا لأن عدوهن أشرس من محاربته بالسلاح، لذلك اخترن أن يكون سلاحهن هو الصبر والدعاء والتفاؤل، يحاربهن عدو لعين اسمه «مرض السرطان»، فكانت ثانى زيارة لنا لدار تجمع كل محاربات السرطان، فكل واحدة منهن جاءت من محافظة مختلفة عن الثانية لتستقر فى الدار فترة علاجها فى القاهرة، ولكنهن أصبحن أخوة وعون لبعضهن.
خيرية فرفوشة الدار
منذ دخولنا الدار استقبلتنا بضحكتها البشوشة وأغانى رمضان المبهجة، كنا نعتقد للوهلة الأولى أنها من مؤسسى الدار، ولكن اكتشفنا بعد لقائنا معها أنها من محاربات السرطان الموجودات فى الدار، ولكنها تدعم وتساند كل المريضات، قالت خيرية لـ«اليوم السابع»: «أنا جيت من محافظة بنى سويف علشان أقعد هنا فى الدار فى فترة علاجى من السرطان، لأن المستشفى اللى بتعالجنى فى القاهرة فطبعا مسافة كبيرة عليا، إحنا هنا فى الدار بنهون على بعض وبنسند بعض، وكلنا حاسين ببعض لأن ظروفنا واحدة، وفى سيدات كتير زوجها طلقها بسبب إنها عملت استئصال ثدى بعد العلاج الكيماوى، وده طبعا بيأثر على نفسية أى ست علشان كده لازم نبقى إيد واحدة عشان نقضى على مرض السرطان».
وأضافت: «إحنا فى رمضان بنحاول نخفف شوية على بعض بضحكة بهزار بنغنى بنطمن بعض، وأصحاب الدار هنا 3 سيدات بيحبونا وبيدعمونا وبيخرجونا فى رمضان وبيعملوا لنا رحلات رمضان فى الدار، هنا حاجة تانية الجنة اللى مشفنهاش».
فى الدار بننسى كل الوجع
من جانبها قالت سحر: «والله أنا بحس بشهر رمضان هنا أكتر من بيتى بحس هنا بالونس واللمة، إحنا فى الدار هنا بنحب بعض وبنسمع بعض وده كله بسبب أصحاب الدار اللى بيوفرولنا كل حاجة علشان يأهلونا نفسيا، لأن مرض السرطان بيأثر علينا وخصوصا علاج الكيماوى اللى بيأثر على شعرنا وعلى نفسيتنا بيعرضنا لاكتئاب شديد بس أول ما بنيجى الدار هنا كل حاجة بتتلاشى وبنحس بالونس والحب وبننسى كل الوجع».
الست بتكون قوية لما بيجيلها المرض
«الست بتكون قوية لما بيجيلها المرض».. هو ما قالته هناء عن قوتها وقوة كل السيدات فى الدار، وقالت لـ«اليوم السابع»: «احنا هنا فى الدار كلنا محاربات وأقوياء وربنا بيحبنا علشان كده ابتلانا بالمرض ده، وكلنا راضيين وصابرين الحمد لله، أنا ببقى تعبانة من الكيماوى بس أول ما بدخل الدار بنسى كل التعب والألم اللى أنا فيه بضحك وبفرح، وإن شاء الله لما ربنا يكرمنى واخف هفضل أجى الدار دى وادعم كل الستات وأساعدهم وأعمل كل اللى اتعمل معايا، لأن احنا عايشين فى الدنيا علشان نهون على بعض ونحسس بعض بالأمان».
100 أخ وأخت عايشين مع بعض فى بيت واحد «دار الأيتام»
لا تشابه فى الملامح، ولا يجمعهم اسم واحد فى شهادة الميلاد، لكن كل طفل فى هذه الدار أصبح لأخيه عوضًا عن غياب الأب والأم، فكوّنوا عائلة لا تربطها صلة دم، بل جمعها الحب والمساندة، كانت هذه ثالث زيارة لنا لدار الأيتام، حيث عشنا معهم يومًا رمضانيًا مليئًا بالبهجة، كل طفل عبّر عن مشاعره وفرحته بالشهر الكريم، وتحدثوا عن أكثر الدعوات التى يرددونها خلاله، كانت أمنيتهم الأكبر أن يظلوا معًا طوال العمر، يكبرون وينجحون جنبًا إلى جنب، بينما آخرون تمنّوا أمنية بسيطة لكنها تحمل معانى عميقة، قال أحدهم: «نفسى أشوف أمى».. مجرد لقاء واحد، مجرد كلمة منها، هو كل ما يحلم به بعضهم، على أمل أن يجمعهم القدر يومًا ما.
سألنا الأطفال عن يومهم فى رمضان، وأجمعوا على حرصهم على الصلاة والصيام، خاصة صلاة التراويح، كما تحدثوا بحماس عن طقوسهم فى العشر الأواخر، يحبون زيارة الضيوف للدار، وتناول الإفطار معهم، واللعب بعد ذلك، لكن أكثر ما أسعدنا هو تأكيدهم جميعًا أنهم يشعرون بالسعادة لأنهم معًا، فى بيت احتضنهم كعائلة واحدة.
جيل البركة عملوا عيلة كبيرة في «دار المسنين» ️ بعد ما فقدوا الونس
كلما تقدّم بنا العمر، ازداد احتياجنا للونس والأمان والمحبة، خصوصًا من الأشخاص الذين اعتدنا وجودهم فى حياتنا، ولكن عندما تفرقنا عنهم ظروف الحياة، نشعر بالخوف والوحدة، لهذا كانت آخر زياراتنا فى رمضان إلى دار المسنين، حيث استمعنا إلى حكايات رجال وسيدات حملت أعمارهم الكثير من الذكريات، واحتاجت قلوبهم إلى بعض الدفء بعد أن فرّقتهم الأيام عن أحبابهم.
تعددت القصص، لكن المعنى كان واحدًا، بعضهم أدى رسالته فى الحياة، ربّى أبناءه، زوّجهم، ثم وجد نفسه وحيدًا، فقرر أن يكون وسط عائلة جديدة فى الدار، حيث الرفقة والونس، وآخرون لم يتزوجوا أبدًا، وعاشوا وحيدين لسنوات طويلة، حتى وجدوا فى هذا المكان بيتًا يمنحهم الشعور بالاحتواء والسند، حتى آخر يوم فى أعمارهم.
عم حمدى كان بيجيب لزوجته فانوس كل رمضان
«بعدد سنوات زواجى كنت بجيب لها فانوس فى رمضان».. هو ما قاله حمدى عن زوجته الراحلة عندما سألناه عن ذكريات رمضان زمان، فقال: «أنا كنت كل سنة فى شهر رمضان بجيب لها فانوس يعنى بعدد سنوات زواجى منها عندنا فوانيس يعنى جايب لها 35 فانوس بس الله يرحمها توفت ومن بعدها وأنا وحيد، وجيت هنا دار المسنين علشان أحس بالونس».
وأضاف: «دار المسنين هنا عايشين علشان نهون على بعض ونسند بعض لأننا عايشين مع بعض اللى فاضل من عمرنا فبنقوى وبنحس بالونس اللى افتقدناه».
الونس حلو وإحساس العيلة أحلى
«بحس إننا عيلة كبيرة».. هو ما قالته الحاجة نادية عن حياتها فى دار المسنين، وأضافت: «أنا كنت موظفة وطلعت على المعاش ومعنديش أولاد، فجيت عشت هنا فى دار المسنين وقرايبى كل فترة بيزورونى بس هنا أحسن من القعدة لوحدى فى البيت، لأن الوحدة صعبة لكن هنا إحنا عيلة كبيرة».
وتابعت: «أنا درست فقه وتجويد وبعلم الناس هنا فى الدار إزاى يقرأوا القرآن صح، وفى رمضان هنا بنصلى سوى، واللى بيقدر يصوم بيصوم، لأن طبعا فيه كبار سن ومرضى ميقدروش يصوموا بس بنحس بأجواء رمضان والروحانيات الجميلة».
وقالت سعاد: «إحنا فى الدار هنا شخصياتنا مختلفة، وأنا لو أقدر أكتب قصة أو حكاية عن دار المسنين اللى إحنا قاعدين فيها هعمل كده، كل واحد عنده حكاية وقصة مختلفة عن التانى فيه الحلو وفيه الوحش، بس فى الآخر كلنا فى يوم من الأيام كنا محتاجين للونس علشان كده جينا دار المسنين».

التقرير فى العدد الورقي
.jpg)


.jpg)

.jpg)
