مع اقتراب فريدريش ميرتس من قيادة الحكومة الألمانية، تبدو الملفات الخارجية أكثر تعقيداً من أى وقت مضى، خاصة مع التغييرات فى السياسة الأمريكية وعودة دونالد ترامب إلى الواجهة، مما يضع ألمانيا أمام اختبار صعب فى ملفات الأمن، الدفاع، الاقتصاد، والعلاقات الدولية.
مرونة مالية ولكن!
رغم أن الحكومة المقبلة ستحظى بمرونة مالية أكبر بفضل تخفيف قيود الاقتراض الحكومى، فإن ميرتس يدرك أن التحديات الخارجية تستلزم تحركات أوسع وأسرع، فقد برر فى خطاب أمام البرلمان ضخ ديون جديدة بأنها ضرورية "لمواجهة التحديات الكبرى"، خاصة فى مجالى السياسة الخارجية والأمن.
توتر عبر الأطلسى.. ترامب يعقد العلاقة مع واشنطن
ميرتس، المعروف بتأييده للشراكة الأمريكية الألمانية، أبدى صدمته مؤخراً من تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بعد أن حمل أوكرانيا جزءاً من مسؤولية الحرب مع روسيا، إلى جانب ما وصفه بـ"الإهانة العلنية" للرئيس الأوكرانى زيلينسكى داخل البيت الأبيض.
كما أن ميرتس الذى ترأس سابقاً منظمة "جسر الأطلسى" لتعزيز العلاقات مع أمريكا، بات يرى فى ترامب عقبة أمام الشراكة التقليدية بين البلدين، لا سيما أن ميرتس لا تربطه علاقة شخصية أو سياسية جيدة مع ترامب، الذى كان على خلاف دائم مع المستشارة السابقة أنجيلا ميركل.
أوكرانيا.. دعم مفتوح وسط غموض أمريكى
ومع تراجع التأثير الأوروبى فى مفاوضات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، يخطط ميرتس لدعم إضافى لأوكرانيا بقيمة لا تقل عن 3 مليارات يورو، ويُتوقع أن تتحمل ألمانيا المزيد إذا خفضت واشنطن مساعداتها العسكرية لكييف.
كما يدعم ميرتس تسليم أوكرانيا صواريخ "تاوروس" الألمانية بعيدة المدى، وهو أمر كان مرفوضاً من قبل المستشار أولاف شولتس.
دفاع أوروبى مستقل عن واشنطن
يتبنى ميرتس سياسة جديدة تعتمد على "الاستقلال الدفاعى الأوروبى"، فى ظل تشكيكه فى التزام أمريكا بدورها فى الناتو تحت رئاسة ترامب، لذلك يسعى لتعزيز التعاون العسكرى الأوروبى، بما يشمل مفاوضات مع فرنسا وبريطانيا حول استفادة أوروبا من الحماية النووية.
لكن هذه الخطوة لن تكون سهلة، فالتردد الأوروبى ما زال قائماً، خاصة مع مواقف رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان المناهضة لدعم أوكرانيا.
ميرتس يسعى لاستعادة العلاقات مع فرنسا وبولندا
واتهم ميرتس حكومة شولتس بأنها أضعفت موقع ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبى، وأثّرت على علاقتها مع أقرب شركائها مثل فرنسا وبولندا، ورغم محاولاته السريعة لتصحيح المسار، فإن التوترات الداخلية فى باريس والتغير السياسى فى وارسو قد تعرقل جهوده. وفى ظل صعود الأحزاب اليمينية الشعبوية فى عدة دول أوروبية، لم يعد التكاتف الأوروبى مضموناً كما كان من قبل.
التجارة الخارجية.. ترامب من جديد
وتأتى تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على البضائع الأوروبية ما زالت قائمة، ما يضع ألمانيا فى موقف حرج، خصوصاً أن اقتصادها يعتمد بشكل كبير على التصدير ويعانى ركوداً منذ عامينـ، ومع أن ملف التجارة الخارجية بيد الاتحاد الأوروبى، فإن ألمانيا قد تلعب دور الوسيط لتفادى حرب تجارية خاسرة.
الصين.. الرهان الصعب
وفى مواجهة ترامب، تلمح بعض الأصوات فى برلين إلى ضرورة تعزيز العلاقات التجارية مع الصين، ولكن السوق الصينى لم يعد كما كان، وصادرات ألمانيا إلى بكين، خاصة فى مجال السيارات، تواجه منافسة شرسة من السيارات الصينية الكهربائية الأرخص والأكثر رواجاً فى أوروبا.
من جهة أخرى، يحاول الاتحاد الأوروبى حماية سوقه بفرض قيود على المنتجات الصينية، بينما تحاول برلين التوازن بين حماية مصالحها التجارية والحفاظ على العلاقة مع بكين.
الشرق الأوسط.. بين رفض تصرفات إسرائيل ومذكرة توقيف نتنياهو
الملف الأكثر حساسية هو الصراع فى غزة الحكومة الألمانية لأن أمن إسرائيل يشكل أهمية خاصة بالنسبة لكل حكومة ألمانية، وذلك نتيجة للتاريخ النازي الذي شهد إبادة ملايين اليهود، ولكن انتقد السياسيون الألمان عدة مرات إجراءات إسرائيل القاسية ضد حماس في قطاع غزة معتبرينها غير متناسبة.
وكذلك وقعت الحكومة الألمانية في مأزق بسبب مذكرة الاعتقال الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب اتهامه بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. وعلى الرغم من أنَّ ألمانيا تدعم المحكمة الجنائية الدولية ويجب عليها في الواقع اعتقال نتنياهو في حال زيارته ألمانيا؛ ولكن أكد فريدريش ميرتس أن هذا لن يحدث في عهده كمستشار.
المناخ.. تراجع أمريكى يعرقل جهود ألمانيا
ورغم النجاحات البيئية التى حققتها حكومة شولتس، مثل تضمين الحياد المناخى فى الدستور، فإن ميرتس سيواجه صعوبات كبرى فى الاستمرار بهذا المسار دولياً، خاصة بعد انسحاب شركات أمريكية كبرى من التزاماتها المناخية، وعودة ترامب لنهج مناهض لاتفاقيات المناخ.