فى عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجى كل لحظة، يحن القلب إلى أشياء تظل محتفظة بجمالها وسحرها القديم، من بينها تلك القطع الصغيرة التى تحمل بين حباتها تاريخًا طويلًا من الروحانية والفن والهوية الثقافية.
«السبحة»، تلك التى كانت رفيقة صاحبها منذ زمن بعيد، ليس فقط كأداة للتسبيح والذكر، ولكن أيضًا كقطعة فنية تعكس ذوق صانعها ومقتنيها.
تتنوع المادة المصنوع منها السبح بين أحجار الكهرمان والعاج العقيق، وغيرها ولكل منها شكلها وطابعها الفريد، الذى يجعلها تحفة تعبر عن الأصالة والذوق الرفيع لحاملها.
ومع مرور الزمن، أصبحت بعض السبح القديمة قطعًا نادرة تجذب الهواة، الذين يقدرون قيمتها الفنية والتاريخية.
كنوز فى بيوت الأجداد
محمد عوض تاجر وخبير تحف وأنتيكات من بورسعيد، يقدر جيدًا الأشياء الثمينة وله جملة شهيرة «الثمن فى الزمن» كناية عن أهمية الأشياء القديمة، التى مر عليها الزمن فترك أثر صاحبها عليها.
يعمل «عوض» فى مجال بيع وشراء الأنتيكات منذ نعومة أظافره حتى أتقن معرفة قيمة الأشياء القديمة.
«اليوم السابع» التقت «تاجر الأنتيكات» ليحدثنا عن الكنوز المتروكة والمهملة فى بيوت أجدادنا ولم ندرك قيمتها.
يقول: «الموضوع مش سهل زى ما الناس فاهمة بالعكس، ده محتاج قلب جامد»، بداية الحديث كانت مفاجئة، فالموضوع ليس مجرد بيع وشراء أشياء قديمة. أوضح «عوض»: منذ طفولتى وأنا أحب الأشياء الثمينة وأبحث عنها فى كل مكان، الصعب هو كيفية إقناع الطرف الآخر أنه يملك كنزا فى بيته وعليه بيعه بأى ثمن، هذه معضلة، ولكن نحمد لله أن الأمور تسير بهدوء وبفائدة للجميع، البائع والمشترى.
وتابع «عوض»: أعمل فى كل الأنتيكات، خاصة السبح القديمة، مع مرور الوقت وكثرة عمليات الشراء أصبحت أعرف جيدًا وأتقن الفرق بين السبح العتيقة والقديمة والجديدة، وهذا يعتمد فى الأساس على الإحساس بالأشياء، فهناك الكثير من التجار الكبار يتصلون بى لأعرف ما إذا كانت القطع التى لديهم جديدة أم قديمة.

سبحة أخرى
الفرق بين السبحة القديمة والجديدة
استطرد «عوض»: الفرق فى الخراطة، السبحة كانت تصنع قديمًا يدويا بالأزميل والأجنة، فلا يمكن أن تكون حبات السبحة متساوية فى المقاس، فكل حبة من المؤكد أنها تختلف عن الأخرى ولو بدرجة بسيطة، بالإضافة إلى نحت شاهد السبحة نفسه.
فى السبح القديمة كان الشاهد الخاص بها لا تتعدى أشكاله عن 12 تصميما معروفين، وكانت حبات كل سبحة لها شاهد مصمم بطريقة معينة لا يتناسب إلا معها، فإذا زاد شكل مخروط الشاهد أو نقص عرفت أن السبحة حديثة وليست قديمة.. واستطرد «عوض»: إن خراطة الشاهد القديم اليدوية ليست بالسهلة، فلكل تصميم من الـ12 له بداية ونهاية معينة تختلف عن الآخر، فإذا بدأ خرطها بشكل وتصميم ما، لا بد وأن تنتهى بشكل وتصميم معين يتماشى مع بدايتها، وهذه الأشكال والتصاميم لا يعرفها إلا القليل ممن يعمل فى مهنتنا.
بداية ورش تصنيع السبح
فى محافظات مصر المختلفة، كان هناك الكثير ممن يبدعوا فى فن نحت السبح اليدوى، ولكن كانت مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة هى الأكثر اهتماما بهذه المهنة، حيث ورش صناعة السبح المتعددة فى كل مكان، ولكن مع مرور الأيام وظهور السبح المميكنة، انقرضت هذه الورش وتلاشت تقريبًا، وهذا يفسر سر وجود السبح الأصلية والقديمة فى محافظة البحيرة أكثر من المحافظات الأخرى.

سبحة
أسطوات فن نحت السبح
من أهم أسطوات نحت شاهد السبح القديمة فى خمسينيات القرن الماضى كان الأسطى «رأفت» والأسطى «باتك»، والأسطى «روز»، وهم أهم ثلاث أسطوات تصنيع شاهد السبح وحباتها، ولم يرث أحد عنهم المهنة.
ويضيف خبير الأنتيكات محمد عوض، أنه يعرف جيدًا كل تفصيلة فى السبحة وتصميماتها سواء كانت عثمانية أو مصرية.
الأشياء القديمة كنز البيوت
ويؤكد: «البيوت مليانة كنوز قديمة وأصحابها مش عارفين، فى سبح وساعات وأشياء قديمة كتير، وللأسف الناس بتبيع الحاجات القديمة بأسعار بسطية جدًا، وياخدها بائع الروبابيكا ويبيعها بأسعار غالية جدًا بالدولار مش بالمصرى.

خبير الأنتيكات محمد عوض
الثمن فى الزمن مش فى الخامة
واستطرد «عوض»: «الخامات لا يتغير لونها، ولكن مع مرور الزمن وتلامسها للأيادى المتداولة عليها تكتسب طبقة رقيقة فتبهت لونها ما يجعلها قديمة، فثمن السبحة يتم تقييمه بالزمن الذى مر عليها وليس فى الخامة، فكلما تقادمت زاد سعرها».
وأضاف: السبح القديمة التى أتحدث عنها ولها قيمة هى التى لا يقل عدد حباتها عن 33، ومصنوعة من أحد الأحجار الكريمة، الكهرمان أو الفاتوران، أو المستكة يشبه الكهرمان، واليسر بألوانه المختلفة.
سبحة 33 حباية بسعر 2 مليون ونصف المليون جنيه
يروى جامع السبح القديمة حكاية أغلى سبحة اشتراها حتى الآن فقال: منذ حوالى عام ذهبت إلى قصر فى المحلة، كان لأحد أطباء الملك فؤاد وابنه الملك فاروق، وكانت صور جده مع الملك فؤاد معلقة على جدار القصر، وكان القصر يضم الكثير من المقتنيات الثمينة ومن بينها السبح القديمة، اشتريت من هذا القصر 11 سبحة ودفعت 6 ملايين جنيه، منها 4 سبح من حجر الفاتوران بالحجم الكبير.
كانت بينها سبحة نادرة جدًا لا يوجد مثلها فى العالم سوى 3 فقط فى تركيا، وزنها 340 جراما، وثمنها 2 مليون ونصف المليون جنيه مصرى، ورأيت فيها ما أذهلنى ورفع من ثمنها، أن الأسطى الذى قام بخرطها كتب أول حرف من اسمه على الشاهد وعلى الحبات حبة حبة وكانت 33 حباية، وكما أشترى السبح القديمة أبيعها، فقد بعت سبحة مصنوعة من حجر الفاتوران النجومى الأحمر «الحباية فيها نجوم زى الدهب» بسعر 17 ألف دولار، بما يعادل تقريبًا 800 ألف جنيه مصرى.
أغلى أنواع السبح
وتابع خبير الأنتيكات، خاصة السبح القديمة، محمد عوض: السبحة الكهرمان تعد الأغلى فى العالم ويحدد سعرها على أساس الأسطى الخراط الذى خرطها يدويا، والذى نعرفه الآن من تصميم الشاهد وكما ذكرنا سابقًا قليل جدًا من يستطيع تحديد الأسطى الخراط، فيمكن أن نشترى سبحة 33 حباية تزن 100 جرام بسعر الجرام 50 جنيها، بثمن 5000 جنيه، وممكن أن نشترى نفس السبحة بنفس الوزن وعدد الحبات ونفس الجرامات بسعر الجرام 2000 جنيه بثمن 200 ألف جنيه، الفارق هنا للخراط الذى قام بصنعها، ونعرف هذا من شكل الشاهد وخرط تدويرة الحباية. كما أوضح: أشترى الكهرمان سواء كان سبحا أو عقدا، ثمن العقد من 100 إلى 500 جنيه للجرام، أما السبح فمن 1000 إلى 3500 جنيه للجرام. عقد الفاتوران الأحمر يبدأ سعره من 200 إلى 500 جنيه والسبح من 500 إلى 1500 جنيه للجرام. سبح المستكة تشبه الكهرمان وسعرها من 100 إلى 300 جنيه للجرام.
ويضيف: أما أقل سعر هو حجر اليسر بألوانه الأبيض والأسود والعاج ونشتريه دون وزن، حيث تباع بالقطعة 33 حباية، ويكون سعرها من 1000 إلى 3000 جنيه، أما السبحة الـ99 فيبدأ سعرها من 5000 إلى 8000 أو 10000 حسب الحجم، شرط أن تكون أحجارا كريمة وأصلية قديمة وعتيقة، وكما ذكرنا «الثمن فى الزمن».
معارض السبح القديمة حول العالم
يستكمل «عوض»: أعرض الأنتيكات القديمة والسبح والعقود العتيقة فى معارض دولية وتباع هناك بمبالغ ضخمة، ويوجد أكثر من معرض أشهرها معرض «أدنا» فى تركية وهو معرض سنوى يجمع الأشخاص هواة السبح الذين يمتلكون أغلى وأكبر أنوع السبح فى العالم، أما المعرض الثانى فى دولة الكويت، ويقام فقط على السبح المصنوعة من حجر الكهرمان فقط.
واختتم: تظل المقتنيات القديمة، خاصة السبح، شاهدة على تاريخ طويل من الحرفية والروحانية، فهذه القطع ليست مجرد أدوات للتسبيح، بل تحمل فى حباتها قصص الأجداد ومهارة الصناع، الذين أبدعوا فى تشكيلها من الأحجار الكريمة والأخشاب النادرة، ورغم تغير الزمن وتطور الحياة، لا تزال هذه السبح تحظى بمكانة خاصة لدى عشاق التراث، الذين يرون فيها رابطًا بين الماضى والحاضر، وسحرًا لا يتكرر فى عالم يميل إلى الحداثة والتكنولوجيا.

صفحة الورقى