علي امتداد مناطق سيناء، حيث القرى والوديان ومناطق الجبال والسهول، يحمل شهر رمضان عبقًا خاصًا يشد أبناء البدو ساكني تلك الديار إلى موروثاتهم وتقاليدهم التي حافظوا عليها عبر الأجيال، ورغم مرور الزمن وتغير ظروف الحياة، تظل روح شهر رمضان كما هي، تتجسد في الولائم التي تجمع العائلة والمجتمع، حيث تزدحم المجالس وتتعانق الوجوه حول مائدة الإفطار في أجواء من الدفء والتآلف.
كلما اقترب موعد الإفطار في مساء رمضان، تبدأ الأيادي في التحضير، وتستنشق الأجواء رائحة الخبز المتناثر على الجمر، ورائحة الحطب التي تلتف حول المواقد البسيطة و في الدواوين والبيوت السيناوية، تظل التقاليد حية، حيث يشهد كل بيت سباقًا لتجهيز الوليمة الكبرى، التي تكون فيها المائدة طعامًا وروحًا، تجمع الجميع على قلب واحد.
ويقول حسين أبو سالم، أحد أبناء قبائل بدو سيناء، في حديثه عن تقاليد رمضان في العائلة، إن ولائم الإفطار لم تعد مجرد وجبة طعام، بل أصبحت مناسبة اجتماعية تجمع بين الأهل والجيران. يحرص ابوسالم وعائلته على جمع ما استطاعوا من طعام مميز، ويبدأ الجميع بالتحضير في ساعات ما قبل الإفطار، حيث تتوزع المهام: بعضهم يجهز المشروبات، وآخرون يضعون الاطباق، بينما يملأ الشباب الطاولة بالمشروبات الطازجة والعصائر الطبيعية، والتي تعتبر جزءًا أساسيًا من الوليمة.
وأضاف: ومع اقتراب غروب الشمس، يتسابق الجميع لإتمام تجهيز المائدة في الوقت المحدد، وكل فرد من العائلة يعلم دوره تمامًا، بعضهم يجهز "اللبّة"، وهو نوع من الخبز المحلي المعد على الجمر، بينما يضيف آخرون طبقًا من "العجر"، وهو طعام من طلع البطيخ المشوي مع الطماطم والفلفل اذا كان متاحا أو استبداله بالباذنجان أو غيره مما يتاح شويه ودمجه مع الطماطم.
وأوضح: تكتمل المائدة بوجبات مثل الفتة التي تكون مزيجًا من الخبز المسطح والمطهو مع اللبن، أو اللحم بمشمتلاته، وهي من الأطباق التي ارتبطت بأيام رمضان القديمة، وظلت حاضرة على موائد اليوم، وعلى الرغم من التنوع الذي بات يطرأ على الأطعمة، إلا أن هذه الوجبات البسيطة تظل محتفظة بمكانتها في قلوب أبناء سيناء.
مع كل غروب شمس، تنبض الحياة في المجالس السيناوية، حيث يبدأ السباق لإحضار الإفطار، وأوضح "سفيان عيد"، أحد الشبان من قبائل سيناء، أن المائدة التي تُعد في هذه الفترة لا تقتصر على تقديم الطعام، بل تذهب أبعد من ذلك، مضيفا قائلا: "نحن نعمل معًا كعائلة واحدة، الجميع يشارك في التحضير، ويستمر التنافس بيننا على تقديم أفضل الوجبات، ورغم التطور الذي شهدته الحياة، إلا أن بعض الأطعمة القديمة لا زالت حاضرة، مثل 'العجر' و'اللبّة'، التي تصبح جزءًا من الذكريات التي نحافظ عليها".
وتابع: رغم التغيرات التي طرأت على المأكولات بسبب التنقل بين المدن واستخدام المواد الحديثة، إلا أن رحمة رمضان، وهي تقليد بدوي قديم يتمثل في إحضار وجبة ليتشارك الجميع فيها، ما زالت سائدة، ففي منتصف رمضان، يتناوب أفراد العائلة على تحضير وجبة اللحوم التي يتم تقديمها في المجلس لكل من حضر، بهدف إفطار الصائمين وكسب الأجر.
بعد الإفطار، لا تتوقف الجلسات الرمضانية في المجالس السيناوية، ويقول أحمد علي، أحد الشبان في العريش، إن الطقوس الرمضانية لا تكتمل إلا بتناول الشاي والقهوة التي تعد على نار الحطب، بعد أن نؤدي صلاة التراويح، يعود الجميع إلى المجلس، حيث يتم تحضير القهوة العربية والشاي على الجمر، مضيفا أن هذا المشهد هو جزء من التقاليد التي لا تزال حية لدينا، فهي لحظة استرخاء وراحة بعد يوم طويل من الصيام.
ومن هنا، تصبح تلك الجلسات بمثابة مكان لتبادل الأحاديث والقصص الرمضانية، حيث يتنقل الحديث بين الأجيال، ويتذكر الجميع الأيام الماضية وكيف كانت مائدة الإفطار في الماضي أكثر بساطة، لكن كانت تحمل روحانية أكبر.
رغم التغيرات التي طرأت على الحياة اليومية في سيناء، إلا أن روح رمضان تبقى ثابتة، ويضيف منصور القديري، الشاعر من قرية الروضة، أنه رغم أن البعض منا قد انتقل للعمل في أماكن أخرى، إلا أن تقاليد رمضان لا تزال متواجدة في قلب كل منا، وعادة لمة رمضان والموائد المتنقلة بين العائلات تجد لها مكانًا حتى في المدن البعيدة عن سيناء.
ويشرح "منصور" كيف أن المائدة تجمع الجميع، وليس فقط أفراد العائلة، بل تضم أحيانًا الأقارب والجيران والأصدقاء، فالمائدة السيناوية في رمضان لا تعني مجرد الطعام، بل تعني الوحدة والدفء الإنساني الذي يعكس جوهر ثقافة سيناء.
في مناطق بعيدة عن المدن، وفي الوديان المحاطة بالجبال، لا يكتمل مشهد رمضان إلا بتلك الرحلات الخلوية التي يقوم بها البعض، حيث يجتمع أفراد القبيلة في مناطق نائية لتناول الإفطار بعيدًا عن صخب المدينة، ويحكي عيد عليان من جنوب سيناء، عن هذه الرحلات التي تشهد طقوسًا بدوية أصيلة، ونأخذ القليل من الحطب، وبعض الدقيق البسيط، ومن ثم نعد وجبة الإفطار حول النار في الوديان، والمكان هادئ، والطعام بسيط، ولكنه يظل ذا طعم خاص.
وفي كل زاوية من سيناء، من المجالس التقليدية إلى الوديان البعيدة، يشهد رمضان مشهدًا فريدًا يتجاوز كونه مجرد طقوس دينية، بل هو تجمع إنساني واجتماعي يعكس الترابط العميق بين أبناء هذه الأرض، ورغم التغيرات التي طرأت على حياتهم، تظل الوليمة الرمضانية هي الحدث الأهم، حيث يجتمع الجميع حولها، يتبادلون الطعام والحديث، ويستذكرون الأوقات الجميلة التي قضوها معًا، وبهذا الشكل، يظل رمضان في سيناء ليس فقط مناسبة للتعبّد، بل هو احتفاء بالتراث والتقاليد التي لا تزال تروي قصصًا عن الماضي وتبني جسورًا من المحبة بين الأجيال.

اشعال النيران

السهر بجانب القهوه

جانب من مشاهد اشعال النار وتجهيز الشاي

نقل طعام الافطار