تمر اليوم ذكرى ميلاد الزعيم المصري أحمد عرابي، مفجر الثورة العرابية 1882، فكيف كانت بداياته، يقول كتاب الزعيم الثائر أحمد عرابي لـ الرحمن الرافعي:
نشأته الأولى
ولد أحمد عرابي في 31 مارس سنة 1841 في "قرية رزنة" وهي إحدى قرى مديرية الشرقية على مقربة من الزقازيق، وكان أبوه شيخ البلد، وهو من عائلة بدوية استوطنت تلك القرية في عهد جد عرابي. ولما شبَّ وترعرع، علَّمه أبوه مبادئ القراءة والكتابة، وعهد إلى رجل يُدعى ميخائيل غطاس - كان صرَّافًا في البلد - تدريبه على الكتابة والأعمال الحسابية، ومكث يتمرَّن على يديه نحو خمس سنوات، ثم أرسله والده إلى الجامع الأزهر سنة 1849 لطلب العلم، فمكث فيه أربع سنوات أتمَّ في خلالها استظهار القرآن الكريم، وتلقَّى شيئًا من اللغة والفقه والتفسير.
وبعد أن عاد إلى بلده، دون أن يُتم دراسته في الأزهر، التحق بالعسكرية في 6 ديسمبر سنة 1854 جنديًّا بسيطًا "نفرًا" تنفيذًا لِما قرره سعيد باشا من تجنيد أولاد العُمد والمشايخ، ولإجادته القراءة والكتابة والحساب عُيِّن كاتبًا بدرجة "بلوك أمين" بالأورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول.
وفي سنة 1858 رُقي إلى مرتبة الضباط، وذلك حين اعتزم سعيد باشا ترقية المصريين في الجيش، فنال في تلك السنة رتبة ملازم من تحت السلاح، وهو بعد في السابعة عشرة، ثم رتبة يوزباشي سنة 1858، ثم رتبة صاغ سنة 1859، ثم رتبة بكباشي سنة 1860، ثم صار قائم مقام في سبتمبر سنة 1860، وقد حظي برضا سعيد باشا ورافقه في زيارته للمدينة المنورة ياورًا له سنة 1860، وكان لهذه الزيارة أثر كبير في نفسه إذ آنس من سعيد عطفًا كبيرًا على طبقة الفلاحين، ثم بدا لسعيد أن يُنقص عدد الجيش، فألغى بعض الفِرَق وفصل ضباطها من الخدمة، ومنهم أحمد عرابي، ثم أمر بإعادتهم قُبيل وفاته، وعاد عرابي إلى سابق رتبته.
من هذا البيان يتضح أن ليس في نشأة عرابي شيء يستوقف النظر، بل هي نشأة عادية لرجل عادي، لم يتميز في ماضيه بالبطولة ولم يخض غمار المعارك والحروب، كان ضابطًا من تحت السلاح، ونال مرتبة الضباط؛ لأن سعيد باشا وضع قاعدة إمكان ترقية الضباط من بين أفراد الجند رغبةً منه في إكثار عددهم. ولا غبار على هذه النشأة في شيء، وليس ثمَّة ما يمنع صاحبها من أن يقوم بدور هام في حياة البلاد السياسية والقومية.