تمر، اليوم، ذكرى ميلاد الكاتب المسرحى الكبير سعد الله ونوس (1941- 1997) وهو ابن سوريا والكاتب المسرحى الكبير، ونستعرض من خلال كتاب "رواية حياة فى رسائل.. مراسلات مع سعـد الله ونوس، أدونيس، زكريا تامر" لـ إبراهيم وطفي، وهو ابن خال سعد الله ونوس.
يقول إبراهيم وطفي في تمهيد الكتاب:
الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، الذي لم أخاطبه مرة، لا شفهيا ولا خطيا، سوى باسم "سعد"، هو ابن خالي، وأنا ابن عمته والده أحمد ونوس ووالدتي خديجة ونوس هما من أب واحد هو سعد ونوس وأم واحدة هي أمينة جوهره.
سعد وأنا لم نلعب مع بعضنا بعضاً في سنوات عمرنا الأولى، أولاً بسبب فارق السن، حيث يزيد سني عن سنه نحو ثلاث سنوات على الأرجح، وثانياً كان بيت أهله يبعد عن بيت أهلي نحو مئتي متر، هو في "الحارة الفوقانية وأنا في الحارة التحتانية"، يصل بينهما زقاق متعرج من أزقة القرية على هضبة في الساحل السوري.
ولا أذكر سعد في المدرسة الابتدائية الملاصقة تماماً لبيت أهله. إن الصورة الأولى لسعد في مخيلتي هي التالية: هو وابن عمه ابن خالي الآخر عزيز ونوس وأنا، في يوم ربيعي بديع، نحاول اصطياد فراشات على زهور مونس الغربا (مؤنس الغرباء)، التي تنتصب على سيقان طويلة على حافة بيدر. على بعد نحو. خمسة أمتار جنوب ذلك المكان يقع الآن ضريح سعد.
والصورة الثانية لسعد في مخيلتي تمثله وهو يزورني أحد أيام الصيف في الحقل الذي أحرسه وأعمل فيه. ونأكل معاً.
وقد درسنا معاً في المدرسة الثانوية في طرطوس بعد المدرسة الابتدائية كان على أبناء القرية الالتحاق بهذه المدرسة. وكان من المألوف أن يستأجر الأهل غرفة في المدينة يقيم فيها عدة تلاميذ من أبنائهم، ويقوم الأهل بإرسال الطعام يومياً إلى أبنائهم كما هي العادة في إرساله إلى العاملين في الحقل. كانت كل أم تضع الطعام في سلة تحضرها إلى مكان تجمع محدد، وتقوم امرأة من القرية بوضع السلال في عربة الجيب التي كانت واسطة النقل بين القرية والمدينة وفي مكان معين قريب من المدرسة الثانوية تنزل المرأة السلال وتضعها على رصيف الشارع، وتنتظر قدوم التلاميذ الذين يحمل كل واحد منهم سلته إلى غرفته ثم يعود بها بعد مدة وقد وضع فيها صحن اليوم الفائت وكان حمل سلال الطعام في المدينة يعود علينا بشعور من خجل. وكنا نشعر بأن هذه العملية غير لائقة تقلل من قيمتنا في نظر أبناء المدينة.
لم يعرف سعد مثل هذه العملية. فعندما دخل المدرسة الثانوية استأجر لنا أهلنا في حارة بعيدة غرفة في منزل معارف لهم يقع على شاطئ البحر. وقد أقمنا في تلك الغرفة طوال عام، أو ربما عامين لم أعد أذكر. وكنا فيها أربعة أشخاص سعد وعزيز وأنا وجدتنا المشتركة أمينة. وكانت مهمة الجدة الطيبة هي طبخ الطعام لنا في الغرفة نفسها.
كنا نسافر إلى القرية عصر كل يوم خميس ونعود إلى المدينة عصر يوم الجمعة.
كان عزيز يدرس في مدرسة ثانوية خاصة كانت قد أنشئت حديثاً. وكنا سعد وأنا ندرس في المدرسة الثانوية الرسمية «تجهيز البنين». وكنا نذهب صباح كل يوم إلى المدرسة معاً، ونعود منها عند الظهر معاً. فنسير كل يوم مسافة تزيد عن أربعة كيلو مترات. وكنا ندرس معاً في الغرفة نفسها وعلى شاطئ البحر.
بعد نحو نصف قرن في عام 2003 شاهدت الغرفة ما زالت قائمة وحدها، دون بقية غرف البيت ودون أن تكون صالحة للسكن. كانت مجرد أربعة جدران وسقف).
كنت، قبل سعد بثلاث سنوات، أحضر مع أترابي كثيراً من الأفلام السينمائية مصرية وأمريكية. وبهذا فتحت لي النافذة الأولى التي تطل من عالم الريف شديد الضيق. والتجربة نفسها عاشها سعد برفقتي وبعدي.
في العامين أو الثلاثة أعوام التالية أقمت في غرف وحدي، لكن في الحارة نفسها، وبقينا على اتصال يومي.
أما النافذة الثانية التي فتحتها على مصراعيها، والتي حددت مسار حياتي، فقد كانت القراءة قراءة الكتب غير المدرسية، وكان "معلمي" في ذلك هو ابن خالي محمد ونوس، الأخ الأكبر لسعد كان محمد أكبر مني سناً بثماني سنوات، وكان يقرأ بضعة كتب ويرسم. وكنت أتردد عليه واستعير منه بعض الكتب أذكر منها كتب جبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة، وهو يزورنا باستمرار حيث كانت تربطه علاقة صداقة أيضاً بأخوين لي أكبر سنا مني.
وسعد أيضاً تعلم قراءة الكتب من أخيه محمد، ومني. وكانت الكتب وظلت هي الرابط الوثيق طوال العمر بين سعد وبيني.
أستطيع أن أقول إن سعد كان في الفترة الواقعة بين سنه الحادية عشرة والخامسة والعشرين يعتبر علاقته بي أهم علاقة له مع آخر، أما بالنسبة إلي، فقد كان سعد منذ نحو عام 1955 أو ما حوله وحتى عام 1993 أفضل محدث لي، بل كان محدثي العربي الوحيد. شفهيا وكتابياً.
في إجازاتي السنوية كنت التقيه معظم الوقت خلال الشهر الذي أمضيه في دمشق والقرية. ومرات عديدة كنت أبيت لديه في منزله.