فى اختبارات القبول بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وجّه الدكتور على فهمى، المشرف على الاختبارات، سؤالا تقليديا للطالب أحمد زكى، كما فعل مع جميع المتقدمين: «لماذا تحب الفن؟ ولماذا تريد أن تصبح ممثلا؟»
حينها شعر أحمد زكى وكأن لسانه عاجز عن النطق، وبرودة سرت فى جسده جعلته غير قادر على الحركة. صمت طويلا، ثم طال السكوت أكثر، وفى النهاية قال بصوت خافت: «مش عارف».
لكن المفاجأة كانت فى أنه قُبل فى الاختبارات، بل حصل على المركز الأول بين جميع المتقدمين. وبعد فترة، سأل أحمد زكى الدكتور على فهمى عن السبب وراء تفوقه فى الاختبار رغم إجابته التى وصفها بالفاشلة، فأجابه الدكتور: «لو كنت جاوبت إجابة أخرى، كنت رسبت فى الامتحان».
تعجب أحمد زكى وسأله: «إزاى؟».
فرد الدكتور: «يا بنى، أنت مريض بالفن».
البداية والانطلاقة.. خلال دراسته فى المعهد، لاحظ المخرج الكبير سعد أردش موهبته الفريدة، فأسند إليه دورا صغيرا فى مسرحية «هاللو شلبى»، كان المشهد محدودا، لكن عين الخبير الفنان عبدالمنعم مدبولى التقطت موهبة أحمد زكى وقدرته على تقليد كبار الفنانين بإتقان، فاقترح عليه أن يقلد محمود المليجى فى نفس المسرحية، ومن هنا انطلقت نجوميته.
كان ظهوره بمثابة انقلاب حقيقى فى السينما المصرية؛ ففى ذلك الوقت كان من المعتاد أن يكون الفتى الأول ونجم الشباب وسيما مثل أنور وجدى، كمال الشناوى، شكرى سرحان، رشدى أباظة، عمر الشريف، وأحمد مظهر، لكن أحمد زكى كسر هذه القاعدة تماما.
لم يكن غريبا أن يكون الأول على دفعته بالمعهد العالى للفنون المسرحية عام 1972.
عاطف الطيب.. المحطة الفارقة
من أهم المحطات الفنية فى مشوار أحمد زكى كانت شراكته مع المخرج عاطف الطيب، حيث قدما معا 5 أفلام أصبحت علامات فى تاريخ السينما المصرية، وهى: التخشيبة، الحب فوق هضبة الهرم، البرىء، الهروب، ضد الحكومة.
الاعتراف العالمى والمحلى بموهبته.. كان الناقد الكبير رفيق الصبان يرى أن أحمد زكى لا يقل أهمية عن آل باتشينو، حيث يمتلكان نفس القلق الداخلى الذى يميز الفنان الحقيقى، مع دراسة دقيقة للأدوار، وأداء مدهش يجمع بين البساطة والعمق.
أما السيناريست مصطفى محرم، الذى كتب «الحب فوق هضبة الهرم، والهروب»، فكان يرى فى أحمد زكى مزيجا بين سيدنى بواتييه فى قدرته على أداء الأدوار الصعبة، وآل باتشينو فى إحساسه الفذ، وداستن هوفمان فى تلقائيته وحضوره الطاغى.
الفنان نور الشريف قال عنه: «أحمد زكى موهوب بنسبة 100 %، أما أنا فموهبتى لا تتجاوز 70 %»، وعندما سمع أحمد زكى هذا الكلام، قال: «نور الشريف فنان كبير، وده حال الكبار دائما، كلما ازدادوا علوا، ازدادوا تواضعا».
أما عمر الشريف، فقد قال عنه فى أكثر من مناسبة: أحمد زكى هو أهم ممثل مصرى ظهر خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ولو كان يجيد الإنجليزية لكانت له مكانة عالمية مثل روبرت دى نيرو وآل باتشينو.
«نعم يا ريس!».. لقطة من أيام السادات.. أثناء تصوير أحد مشاهد فيلم «أيام السادات» داخل فيلا الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كانت السيدة جيهان السادات حاضرة، حيث سهلت كل الإمكانيات للتصوير.
فى أحد المشاهد التى جمعت بين أحمد زكى وميرفت أمين، قال زكى بصوت جهورى: «يا جيهان!»، لترد السيدة جيهان السادات بعفوية: نعم يا ريس!
صُدم الجميع، وأوقف المخرج محمد خان التصوير، ونظر الجميع إلى جيهان السادات، التى انفجرت بالبكاء، وغادرت المكان. أدرك أحمد زكى تأثير أدائه، فلحق بها، واعتذر، وقبّل يديها.
نساء فى حياة أحمد زكى.. مثل أى نجم مشهور، أُثيرت شائعات كثيرة عن علاقاته العاطفية، لكن المقربين منه أكدوا أنه أحب 3 مرات فقط: هالة فؤاد، التى تزوجها وأنجب منها هيثم زكى، ورغم الطلاق، ظل يحبها ويحترمها، نجلاء فتحى، لكن الزواج لم يتم بسبب طبيعة أحمد زكى كفنان متفرغ لفنه، وشيرين سيف النصر، لكن لم يكتب لهما الاستمرار معا.
لا توجد امرأة تحملت أحمد زكى.. بحسب طبيبه وصديقه المقرب حسن البنا، كان أحمد زكى صعب الطباع، رغم كونه من أكثر الرجال فهما للمرأة، لكنه لم يكن مهيئا لحياة زوجية مستقرة.
المعركة الأخيرة مع المرض.. فى أوائل فبراير 2004، استيقظت مصر على خبر يفيد بأن الرئيس حسنى مبارك أمر بسفر أحمد زكى إلى باريس للاطمئنان على صحته، ورغم العطلة الرسمية، تحركت أجهزة الدولة، وفتحت السفارة الفرنسية خصيصا لإصدار التأشيرات له ولمرافقيه، فى مشهد يعكس مدى أهميته.
لكن الحقيقة المؤلمة، جاءت التحاليل فى باريس بنفس النتائج التى أُجريت فى مصر، مؤكدة إصابته بسرطان الرئة.
تأملات فى أيامه الأخيرة.. عرف أحمد زكى بحقيقة مرضه اللعين واستسلم مثل المقاتل الشريف لآلام العلاج الكيماوى والإشعاعى، واكتشف فى هذه المحنة مدى حب الناس له، جميع المستويات، وأدرك أن ما فعله طوال سنوات عمره كفنان لم يذهب هباء.
فى غرفته بالمستشفى، كان لأحمد زكى بعض التصريحات والتأملات:
أنا ما بحبش أسبب قلق لحد، وآلامى ملكى وحدى.
أنا خليط من كل الشخصيات اللى قدمتها، بكل ما فيها من انتصار وهزيمة، حب وخوف، رومانسية وجنون.
كل اللى بتمناه الستر والصحة، وربنا يحفظ ابنى هيثم.
اكتشفت أن هيثم أقوى وأعقل مما كنت أعتقد.
نفسى أعمل فيلم حليم، لأنه حلم حياتى الفنية.
كل اللى زارنى فى المستشفى كانت زيارته واهتمامه مفاجأة بالنسبة لى، مش قادر أوصف تقديرى ليهم جميعا، أما زملاء المهنة فحاوطونى بحبهم.
أنا بطبعى إنسان قدرى، أترك الحياة تسير بى على هواها.
وداعا أحمد زكى.. رحل أحمد زكى فى 27 مارس 2005، وكان جسده ملفوفا بعلم مصر، كما أوصى. يقال إن العلم جاء خصيصا من رئاسة الجمهورية، تقديرا لمكانته.
كانت جنازة أحمد زكى شعبية، اشترك فيها عشرات الآلاف من المصريين والعرب. كان أحمد زكى عظيما فى فنه، وعظيما فى شخصه، وقد اجتمعت فى لحظة الوداع من مسجد مصطفى محمود، بحى المهندسين بالقاهرة، عشرات المحطات التليفزيونية الأرضية والفضائية وقتها، وتم نقل مراسم الجنازة على الهواء مباشرة.
جنازته كانت مشهودة، لا تقل عظمة عن جنازتى أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وشارك فيها مئات الآلاف، إضافة إلى شخصيات سياسية وفنية بارزة.
20 عاما على رحيل الفتى الأسمر.. مرت 20 سنة على رحيل أحمد زكى، لكنه يظل فنانا استثنائيا لم يأتِ مثله فى تاريخ السينما المصرية، لا أحد يمكنه أن يحل محله، ولا أحد يمكنه أن يُنسينا ذلك الوجه الذى جسّد كل لحظات الانتصار والهزيمة، الحب والخوف، الرومانسية والجنون.

النجم الراحل أحمد زكى