ظلم المصطبة.. قيمة المكان كمحرك رئيسي للصراع

السبت، 22 مارس 2025 07:22 م
ظلم المصطبة.. قيمة المكان كمحرك رئيسي للصراع مسلسل قهوة المحطة

معتمد عبدالغنى

كثيرًا ما كان المكان عنصرًا محوريًا فى العديد من الأعمال الدرامية، حيث يتجاوز دوره كخلفية للأحداث ليصبح جزءًا لا يتجزأ من الصراع ذاته، ففى كثير من الأحيان، يُستخدم المكان لتسليط الضوء على التوترات الاجتماعية أو الثقافية بين الشخصيات، ليمنح العمل الدرامى بُعدًا إضافيًا فى أعمال مثل «ليالى الحلمية» و«الاختيار»، كان المكان هو الذى يعكس التحولات النفسية والعاطفية لشخصياته، ويلعب دورًا رئيسيًا فى تشكيل الأحداث، ففى «ليالى الحلمية» كانت الحارة الشعبية فى القاهرة تُمثل مركزًا لصراعات اجتماعية، حيث أصبح المكان نفسه عنصرًا رئيسيًا فى تصوير التوترات الطبقية والسياسية عبر الأجيال، بينما فى «الاختيار» كان المكان فى سيناء حاضنًا لتوترات الصراع بين أبطال الجيش المصرى والجماعات الإرهابية.

المكان بخصائصه الثقافية والجغرافية لا يمثل فقط خلفية للأحداث، بل يصبح أداة فى يد صانعى الدراما لخلق الصراع وبلورة شخصيات العمل، من خلال استخدام المكان، يتم استكشاف طبيعة العلاقات الإنسانية وتحديد أولويات الشخصيات، مما يضيف طبقات من التعقيد للصراع الدرامى، وعندما ننتقل إلى مسلسل ظلم المصطبة نجد أن هذا العمل يرفع من قيمة المكان ويجعله محركًا رئيسيًا للصراع، بعيدًا عن النموذج المعتاد فى الأعمال الدرامية التى تركز على الصراع بين الشخصيات فقط، فى «ظلم المصطبة» يُعاد تشكيل العلاقات من خلال خصوصية المكان الذى يحدث فيه الصراع، حيث تصبح دمنهور، بنسيجها الاجتماعى والتقاليد الراسخة، هى نفسها بطل درامى يقود الحكاية نحو مجرياتها.

منذ اللحظة الأولى، يوحى المسلسل بثقله الدرامى، حيث تتحول «المصطبة» من مجرد مقعد طينى تقليدى إلى رمز للسلطة الاجتماعية والتقاليد الراسخة، الخلاف بين حمادة كشر «فتحى عبدالوهاب» وحسن «إياد نصار» على حب هند «ريهام عبدالغفور» لا يدور فقط حول المشاعر، بل يكشف عن تنافس على المكانة داخل مجتمع مغلق تحكمه الأعراف والتقاليد، حتى اللهجة المحلية لم تكن مجرد وسيلة تعبير، بل أداة تُضفى على الحوارات إيقاعًا خاصًا، حيث يصبح للكلمات والصمت دلالات مختلفة عن تلك التى نشهدها فى الأعمال الدرامية القاهرية.
لكن، وفى ظل الانزياح التدريجى نحو المركزية القاهرية فى العقود الأخيرة، أصبحت القاهرة تحتكر السرد الدرامى، فتحولت إلى «بطل وحيد»، رغم أن تاريخ الدراما المصرية قد شهد محاولات لاستكشاف المناطق الريفية والصعيدية، مثل الضحية «1964» والرحيل «1967» من خماسية الساقية لعبدالمنعم الصاوى، أو «المصراوية» التى كتبها أسامة أنور عكاشة وأخرجها إسماعيل عبدالحافظ، فإن هذه الأعمال تراجعت لصالح الأعمال التى تتمحور حول الحياة فى العاصمة.

وفقًا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، القاهرة رغم كونها الأكثر اكتظاظًا «10.4مليون نسمة»، ليست وحدها التى تستحق التمثيل الدرامى المكثف، فهناك محافظات مثل الشرقية «8 ملايين»، الدقهلية «7.1 مليون»، والبحيرة «7 ملايين» تضم مجتمعات لها ثقافتها ولهجتها وصراعاتها الخاصة، لكنها نادرًا ما تظهر على الشاشة.
نجاح «ظلم المصطبة»، الذى اختار دمنهور مسرحًا لأحداثه، قد يكون مؤشرًا على تعطش الجمهور لرؤية بيئاته المتنوعة ممثلة بصدق، بدلًا من حصر الحكايات فى إطار قاهرى متكرر، فالسؤال الذى يفرض نفسه، هل الدراما المصرية تعكس فعلًا حياة 107 ملايين نسمة، أم أنها تكتفى بسرد حكايات تتناسب مع مركزية العاصمة وحدها؟

«ظلم المصطبة» يقدم رؤية مختلفة من خلال تسليط الضوء على عادات وتقاليد مجتمع دمنهور، وكيفية تأثير هذه العادات فى العلاقات الاجتماعية، حيث تحكم الأحكام العرفية وتنظم العادات شكل الصراعات والتسويات بين أفراد المجتمع، بذلك، تُعيد الدراما تقديم صورة لواقع اجتماعى بعيد عن الصور النمطية السائدة، مما يجعل المسلسل يعكس حياة المجتمعات المحلية بصدق وعمق بعيدًا عن تكرار القصص المستوحاة من النماذج الحضرية المعهودة، ومن هنا تتجلى أهمية الدراما فى استعادة هذه العوالم المنسية، ومنحها المساحة التى تستحقها.

إلا أن تصوير الأعمال الدرامية خارج القاهرة لا يخلو من التحديات الإنتاجية، التى قد تؤثر على جودة العمل وسرعة تنفيذه، فإلى جانب التكلفة المرتفعة التى قد تتطلبها التنقلات والتصوير فى أماكن بعيدة، يعانى المخرجون والمنتجون من نقص الاستوديوهات والمرافق الفنية المجهزة بشكل كامل فى بعض المحافظات، بالإضافة إلى ذلك، قد تكون الخدمات اللوجستية أقل كفاءة مقارنة بالقاهرة، مما يتطلب جهدًا إضافيًا لتوفير المعدات والإمكانيات اللازمة، كما أن التنقل بين المواقع المختلفة داخل المحافظات قد يتسبب فى تأخير التصوير ويزيد من صعوبة التنسيق، ورغم هذه التحديات، فإن الأعمال التى تجرؤ على التصوير خارج نطاق العاصمة تضفى على المسلسل طابعًا فريدًا.

نجاح «ظلم المصطبة» قد يكون دافعًا لاستكشاف المزيد من القصص التى تدور خارج نطاق العاصمة، مما يعزز واقعية الأعمال الدرامية ويجعلها أكثر تعبيرًا عن المجتمع المصرى بكل فئاته، ولعل المستقبل يحمل لنا مزيدًا من هذه الأعمال، التى تعيد التوازن إلى خريطة الدراما، بحيث لا تبقى القاهرة وحدها الحاضنة لكل الحكايات.

شاهد المزيد من أخبار مسلسلات رمضان عبر بوابة دراما رمضان 2025 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة