سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 21 مارس 1923.. دمشق تشهد مولد الشاعر نزار قبانى الذى تأثر بوالده صانع الحلاوة والثورة وورث عن جده مواجهة الخرافة بالشعر

الجمعة، 21 مارس 2025 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 21 مارس 1923.. دمشق تشهد مولد الشاعر نزار قبانى الذى تأثر بوالده صانع الحلاوة والثورة وورث عن جده مواجهة الخرافة بالشعر نزار قبانى

كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء فى 21 مارس، مثل هذا اليوم، 1923، وكان أحد البيوت الدمشقية القديمة يستقبل مولوا أسماه والده «نزار توفيق قبانى»، حسبما يذكر الشاعر نزار قبانى فى كتابه «قصتى مع الشعر»، مضيفا: «فى التشكيل العائلى كنت الولد الثانى بين أربعة صبيان وبنت هم، المعتز ورشيد وصباح وهيفاء، أسرتنا من الأسر الدمشقية متوسطة الحال، لم يكن أبى غنيا، ولم يجمع ثروة، كل مدخول معمل الحلويات الذى كان يملكه ينفق منه على إعاشتنا وتعليمنا، وتمويل حركات المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين».

يكشف نزار طبيعة البيئة الأسرية التى ساهمت فى تكوينه، وجعلته أحد أكبر شعراء العربية، قائلا: «كانت حركة المقاومة ضد الانتداب الفرنسى تمتد من الأرياف السورية إلى المدن والأحياء الشعبية، وكان حى الشاغور حيث كنا نسكن معقلا من معاقل المقاومة، وكان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار ومهنيين، وأصحاب حوانيت يمولون الحركة الوطنية ويقودونها من حوانيتهم ومنازلهم، أبى توفيق القبانى كان واحدا من أولئك الرجال، وبيتنا كان واحدا من تلك البيوت، ولطالما جلست فى باحة الدار الشرقية الفسيحة، أستمع بشغف طفولى غامر إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون فى إيوان منزلنا، ويخطبون فى ألوف الناس».

يضيف نزار: «فى بيتنا فى حى مئذنة الشحم كانت تعقد الاجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة، وتوضع خطط الإضرابات والمظاهرات ووسائل المقاومة، وكنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات ولا نكاد نفهم منها شيئا، ولم تكن مخيلتى الصغيرة فى تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعى الأشياء بوضوح، ولكننى حين رأيت عساكر السنغال يدخلون فى ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق والحراب، ويأخذون أبى معهم فى سيارة مصفحة إلى معتقل «تدمر» الصحراوى، عرفت أن أبى كان يمتهن عملا آخر، ويصنع الثورة، وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه، وأدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة وبين الضراوة»؟

يؤكد نزار، أن هذه الازدواجية فى شخصية والده انتقلت إليه وإلى شعره بشكل واضح، ويقول: «شعر الحب الذى أصبح جواز سفرى إلى الناس لم يكن فى الحقيقة إلا واحدا من مجموعة جوازات أستعملها»، ويتحدث نزار عن الدار التى ترعرع فيها ويعتبرها المفتاح إلى شعره والمدخل الصحيح إليه، يقول: «بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة ومنتزعة من إطارها»، يصف تفاصيلها بخضرتها وأشجارها وورودها وأدراجها الرخامية، وصفائح الفل فى صحن الدار التى هى ثروة أمه، ويؤكد: «كان اصطدامى بالجمال قدرا يوميا، كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة، وإذا سقطت أسقط على حضن وردة، هذا البيت الدمشقى الجميل استحوذ على كل مشاعرى وأفقدنى شهية الخروج إلى الزقاق كما يفعل الصبيان فى كل الحارات، ومن هنا نشأ عندى هذا الحس «البيتوتى» الذى رافقنى فى كل مراحل حياتى، كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندى، كان الصديق والواحة والمشتى والمصيف».

يكشف عن أن للإبداع نصيبا فى عائلته توارثه هو عن جده «عم والده» أبوخليل القبانى، وبوصف نزار فإن إبداع عمه هز مفاصل الدولة العثمانية فى آواخر القرن التاسع عشر، ويضيف: «كان يؤلف الروايات ويخرجها، ويكتب السيناريو، ويصنع الحوار، ويصمم الأزياء، ويغنى ويمثل ويرقص، ويلحن كلام المسرحيات، ويكتب الشعر بالعربية والفارسية، ويترجم موليير عن الفرنسية، وفى غياب العنصر النسائى اضطر إلى إلباس الصبية ملابس النساء وإسناد الأدوار النسائية إليهم، وطار صواب دمشق، وأصيب مشايخها ورجال الدين فيها بانهيار عصبى، فقاوموه بكل ما يملكون من وسائل، وسلطوا الرعاع عليه ليشتموه وهجوه بأقذر الشعر لكنه ظل صامدا، وظلت مسرحياته تعرض فى حانات دمشق».

لم يجد رجال الدين أمامهم إلا الباب العالى فى مواجهة أبى خليل، يذكر نزار: «حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبى خليل ألفوا وفدا ذهب إلى الآستانة وقابل الباب العالى، وأخبره أن أبا خليل القبانى يشكل خطرا على مكارم الأخلاق والدين والدولة العلية، وإذا لم يغلق مسرحه فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان وتسقط الخلافة، وصدر فرمان سلطانى بإغلاق أول مسرح طليعى عرفه الشرق، وغادر أبوخليل دمشق إلى مصر، وودعه الناس بالحجارة والبندورة والبيض الفاسد، وفى مصر التى كانت أكثر انفتاحا على الفن وضع الحجر الأول فى بناء المسرح المصرى»

تمر السنون ويحدث لنزار بعض ما حدث لجده، يتذكر ما جرى معه، قائلا: «أنا أيضا ضربتنى دمشق بالحجارة والبندورة والبيض الفاسد، حين نشرت عام 1954 قصيدتى «خبز وحشيش وقمر»، العمائم نفسها التى طالبت بشنق أبى خليل طالبت بشنقى، والذقون المحشوة بغبار التاريخ التى طلبت رأسه طالبت برأسى، خبز وحشيش وقمر كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بينى وبين الخرافة».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة