شرعَ اللهُ سبحانهُ وتعالى الصيامَ على عبادِه المؤمنين؛ ليُزكِّي نفوسَهم، ويُطهِّر أرواحَهم، ويَسمو بهم حتَّى يَصلوا إلى أعلى مرتبةٍ مرجُوَّة، وهي تقوى اللهِ تعالى، إذ يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وإذا كان الصيامُ في معناهُ الشرعيِّ هو الانقطاعَ عن المُفطراتِ من طلوعِ الفجرِ إلى مغيبِ الشمس، فإنَّ في الصيامِ من الأسرارِ الإلهيَّة، والجواهرِ الذكيَّة، ما على الصائمِ حقًّا أن يُدرِكَه؛ لتَسموَ نفسُه بها، فيجني الثمراتِ الحقيقيَّةَ للصوم.
ومن مقتضياتِ الصيام أن تصومَ جوارحُ الإنسانِ عن كلِّ ما يُبغضه اللهُ تعالى، ويكفَّ أذاهُ عن الناسِ جميعًا، ويَبلُغَ الإنسانُ ذلك بحُسنِ خُلُقِه، فكلٌّ منهما مُلازِمٌ للآخَر، وكلٌّ يَتَرَتَّبُ على الآخَر؛ فكفُّ الأذى عن الناسِ من حُسنِ الخُلُق، ومِن حُسنِ الخُلُقِ كفُّ الأذى عن الناس، فالعِبرةُ ليستْ بتركِ المطعَمِ أو المشربِ أو الجِماعِ، وإنَّما العِبرةُ بصومِ الخواصِّ من عبادِ اللهِ، الذين تَصومُ جوارحُهم قبلَ بطونِهم، تَصومُ ألسنتُهم عن الكذبِ، والغيبةِ، والنميمةِ، وقولِ الزُّور، فإذا لم يفعلِ الصائمُ ذلك، ما كان له من صيامِه إلا الجوعُ والعطشُ، وما أدرَكَ غايةَ الصومِ وجوهرَه، كما قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "مَن لَم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ، فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ".
وهذا المعنى نَجِدُه أيضًا في حديثِ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ يقول: "الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكم صائمًا، فلا يَرفُثْ ولا يَجهَلْ، فإنِ امرُؤٌ شاتمَه أو قاتلَه فليقُلْ: إنِّي صائمٌ".
فأخلاقُ الصائمِ وما ينبغي عليه أنْ يمنعَ نفسَهُ من فُحشِ القولِ - وهو معنى الرَّفَث - وأنْ لا يصخبَ، أي يمنعَ نفسَه عن الصِّياحِ أو الخِصام، فإذا ما خاصمه أحدٌ أو شاتمه، فليقُل: "إنِّي صائمٌ"، فليس هناك تجسيدٌ لحُسنِ الخلقِ أجملَ من هذا، أن يُمسكَ الإنسانُ نفسَهُ عن ردِّ الإساءةِ ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى، وحِفظًا لصومِه الذي يبتغي به الأجرَ من اللهِ تعالى، فيَصِلَ بذلك إلى تقوى اللهِ تعالى.
فإذا كان حُسنُ الخلقِ هو جوهرَ الدِّين، كما ورد في حديثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ"، وهو من سماتِ المؤمنين، وأمرٌ يجبُ أن يتحلَّى به المسلمُ طولَ العام، فإنَّ رمضانَ والصِّيامَ فُرصتان عظيمتان ليتخلَّى فيهما المسلمُ عن الصِّفاتِ المذمومة، ويَتوصَّل إلى حُسنِ الخُلُق، وتَصومَ جوارحُه عن سوءِ الخلق، فعلى المسلمِ ألا يُضيِّعَ تلك الفُرصة، وأن يأخذَ من رمضانَ ما يُعينُه على أن يُحسِّنَ خُلُقَه، فيَذوقَ حلاوةَ الإيمان، ويَصِلَ إلى جوهرِ الصِّيام.
______
* عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية