عندما تصدر جهة رسمية تقريرًا تستعرض فيه إيجابيات وسلبيات أمر ما؛ فلابد أن تستعرض رسائلها القصيرة إيضاح ذلك؛ ومن ثم فالتعميم بوجود سلبيات فقط أمر غير منصف بالمرة، ويحتاج لمراجعة فورية من قبل المسئولين؛ فقد تسبب "بوست" المجلس القومي للمرأة على منصات التواصل الاجتماعي سريعة الانتشار في كثير من اللغط، وقلل من الجهود التي بذلت في إخراج الأعمال الدرامية الرمضانية، وهذا يعد إهدارًا لما بذل من عناء طوال العام، كما أن الأعمال حوت كما ذكر التقرير كثير من الإيجابيات.
والمتابع للدراما الرمضانية يجد أنها تناولت أدوار المرأة الفاعلة في المجتمع، ووصفت كثير من الأعمال، ما تقوم به المرأة من جهود مضنية في شتى المجالات العلمية، والعملية والحياتية بتنوعاتها، وأبعادها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والثقافية، والتعليمية، والبيئية، وهذا في مجمله يدل على أن تمكين المرأة في المجتمع، لم يكن على مستوى التنظير، بل أكده الواقع الفعلي والمعاش للمجتمع، في طبقاته وفئاته المتباينة.
ووصف الدراما الرمضانية في مسلسل شهادة معاملة أطفال، صورة المرأة التي تتقن العمل، وتجتهد في مساره، وتحقق المزيد من النجاحات المتتالية، وتثبت كفاءتها وجدارتها؛ رغم ما يحيط بها من صعوبات، مجتمعية كثيرة؛ لكن طبيعة المرأة وتحديها للظروف، ومناعتها القوية ضد ما نوسمه بالاكتئاب، أو الإحباط، وهذا في حد ذاته يؤكد الصورة الذهنية الإيجابية عن المرأة المصرية صاحبة العطاء.
ودور المرأة الأم، التي تحمل سحائب فيض الحنان، وتضحي من أجل فلذات أكبادها، وتبذل الجهود من أجل اقتناص حقوق أسرتها، وتدافع عنها، بل وترتاد ركاب المخاطرة؛ كي تحافظ على مكونها؛ لأن المرأة المصرية تحمل الخير دومًا بين جنباتها، ولا تعبأ بنصب، أو تعب، ما دام هناك نفوس مطمئنة، وهذا ما وصفه مسلسل "حسبة عمري" ومسلسل "وتقابل حبيب".
وتناولت الدراما الرمضانية، دور المرأة المصرية، التي لديها قوة تحمل نفسية، وبدنية، يجعلها تستوعب المحيطين بها، من أسرتها، وتقدم النصح دون كلل، أو ملل؛ رغم ما تواجهه من ضغوط في العمل؛ لكنها لديها المقدرة على إحداث توازن بين حياتها المهنية، والأسرية، في آن واحد، وهذا ما عرضته دراما مسلسل "لام شمسية"
وقدمت الدراما الرمضانية صورة مبهرة عن المرأة المصرية، التي ترعى أسرتها، بفيض من الحنان والعطاء المتلازمين؛ فترى أنها تستوعب بثبات انفعالي أبنائها رغم قضية الفراق مع الزوج؛ لكنها تستكمل مسيرة الحياة، بكل ارتياح، وتعمل على الوفاء باحتياجات ومتطلبات أسرتها، وتحقق لهم فلسفة الدعم الاجتماعي المتكامل، داخل إطار أسرتها، وهذا ما تناولته دراما مسلسل "عايشة الدور".
وفي طيات الدراما المصرية ظهرت المرأة المصرية قوية شامخة، يصعب أن ينال منها أحد، أو يجعلها تستسلم؛ فالتحدي سمة من سماتها المتفردة؛ لذا تقاوم كل صور التفرقة، والتمييز، ولا ترضخ للضغوط الاجتماعية، مهما تعالت وتيرتها؛ فتراها تعشق الاستقلال، ولا تتقبل الإذلال، فتعمل جاهدة كي تنال ما يلبي متطلباتها المادية منها، والمعنوية على السواء، كما أنها لا تلتفت للخلف مطلقًا، كونها ترى طريقها المنير أمام عينيها، وهذا ما عرضته دراما مسلسل "ضل حيطة".
وفي دراما مسلسل "كامل العدد 3" نرى الأم التي تدرب أولادها على تحمل المسئولية، وممارسة كافة المهام بكل هدوء وروية، وهنا التربية التي يصعب أن تحقق أهدافها بعيدًا عن تعزيز من الأم، التي تعمل، وتربي، ولا تنفر، أو تتخاذل، عن مسئوليتها العائلية، أو الأسرية، فبسلاح المحبة والحنان وسيف التحدي، تستطيع المرأة المصرية، أن تتجاوز المحنة، وتحولها لمنحة، بل وتخلق مناخ داعم يحقق جودة الحياة المعنوية.
وفي دراما مسلسل " فهد البطل " نرى الزوجة والأم، لها دور فاعل في تحقيق غايات الرجل، ورسم مستقبله، واقتناص حقوقه المسلوبة؛ حيث شكلت له الدعم المتكامل، وقدمت كل ما من شأنه ما يساعد على نصرة الحق، وفضح الباطل، ومقوماته غير المحدودة، وهنا ندرك ماهية التحدي والمقدرة على التحمل للمرأة المصرية المناضلة، التي لا ترتضي الضيم والانهزامية؛ فهي عمود الأسرة، وسندها دون مواربة.
وتناولت الدراما الرمضانية توصيف المرأة الصعيدية، التي تواجه العديد من التحديات، ويحاط بها العديد من القيود، التي تفرضها العادات والتقاليد، خاصة في المجتمعات الريفية، وهنا تقدم القضية وآليات المعالجة التي تصف مدى أهمية التمسك بالقيم النبيلة، بغض النظر عن بعض الموروثات، التي قد تهدر الحقوق وتحدث تراجعًا في مسيرة المجتمع، وهذا ما استعرضته دراما مسلسل "حكيم باشا".
والدراما المصرية هذا العام لم تتجاهل القضايا الشائكة، التي كثيرًا ما يغض الطرف عنها، كونها تتطلب المواجهة والتوصل لحلول ناجزة، تحافظ على حقوق المرأة، وتعلي من شأنها، وقدرها، ومقدارها؛ فهناك المزيد من العادات غير القويمة، التي تصيب المجتمع وبعض أطيافه، وتحتاج لتغيير، ومعالجات ناجزة، وهذا ما استعرضته، دراما مسلسل "ظلم المصطبة".
وتحاول الدراما المصرية، أن تؤكد من خلال محتواها على أهمية الاستقرار الأسري؛ حيث تثمن من دور القيم النبيلة في تقويم السلوكيات المستوردة، التي تجعل الفرد يحافظ على أسرته، ويصونها، ولا يتخذ من القرارات المتسرعة، ما يؤدي إلى تفكيكها، وتشريد منتسبيها؛ فهذا مسلسل قلبي ومفتاحه، ومضمون قصته، التي تؤكد على ماهية المسئولية، والرعاية والاحتواء، وأن التخلي عن تلك القيم ومضامينها، يؤدي بالضرورة لأضرار بالغة، في المكون الأسري؛ لذا بات تخلي الفرد عن دوره المنوط به بداية للانهيار.
الدراما الرمضانية هذا العام بها متلون من الرسائل المهمة، التي تتعلق بالمجتمع وبالأسرة المصرية؛ حيث التأكيد على مفهوم المسئوليات الفردية، والجماعية، داخل إطار الأسرة، ووصف للتفاعل القويم بين مجموعةٍ من الأفراد سواء الأب والأم وبين الزوج والزوجة، وبين الوالدين والأبناء، لنضمن تشكيل وحدةً اجتماعيةً، ذات خصائصٍ متفردة، كما أن الدراما الرمضانية، تؤكد على ضرورة ودور الاستقرار النفسي، والطمأنينة، والأمن، والعطف لأفراد الأسرة؛ لضمان سلامة أفرادها من التفكك، والصراعات الواهية بين أفرادها.
وفي ضوء ما تقدم نؤكد أن تقويم الدراما الرمضانية ينبغي أن يستند على تحليل عميق للمضمون، ولا نتوقف عند حد تصيد بعض المفاهيم، أو الألفاظ، أو الممارسات؛ فالقضية لا تتضح، إلا بذكر تفاصيلها عبر الدراما، وهذا ما يؤكد واقعيتها من حيث التناول، والمعالجة، ولا يجعلنا نجمل الصورة، ونتغاضى عن طرائق الحلول، واستراتيجيات العلاج الممتدة.
ومعايير النقد لا بد أن تكون معلنة، ولا تتبع هوى من يدعي صلاحية أدواته؛ فالأمر ينبغي أن يقوم على منهجية متكاملة، ولا يتوقف عن حد جلب السلبيات، دون اعتبار لتكامل الصورة الدرامية؛ فالأمر بهذا الشكل يعد منقوصًا، ويحتاج لمراجعة، وتبدو النتائج مشكوك في صحتها؛ ومن ثم ينبغي ألا نسارع في إصدار حكم ونعممه في رسائل قصيرة تعطي صورة سلبية عن الدراما المصرية الرمضانية.
ومما لا شك فيه أن التعميم في الأحكام، يعد إجحافًا، ويسفر عنه آراء لا تقوم على معايير نقد صحيحة؛ فالقضية المجتمعية إذا لم يتم تناولها بكل أبعادها تصبح الصورة مشوهة، ولا تؤدي الغاية منها؛ لكن تجميل الصورة دون تناول الواقع الفعلي، لا يحدث الأثر المطلوب من الدراما؛ فليس هناك عيب في أن نتناول المشكلات، والأزمات، مقابل أن نقدم أطروحات، تنير لنا الطريق، ومعالجات تتبناها الجهات المعنية.
إظهار الممارسات غير السوية لنماذج تعيش بيننا، يعد من قبيل الاعتراف بواقع يحتاج لمواجهة؛ ومن ثم باتت الحاجة ماسة، تجاه تعزيز النسق القيمي، وتنمية الوعي في أنماطه المختلفة؛ فليس هناك مجتمع مثالي، والهروب من قضايا المجتمع، يكرس لمشكلاته، ويفاقم من تحدياته، ويضير بالأجيال تلو الأخرى؛ فلا مناص من مواجهة يتلوها علاج.. محبتي للجميع.