سمع سكان القاهرة قصف المدافع، فتأكدوا أن الثورة اشتعلت ضد الفرنسيين فى حى بولاق بزعامة الحاج مصطفى البشتيلى وأمثاله من دعاة الثورة، حسبما يذكر الجبرتى فى موسوعته «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار».
كانت هذه الثورة هى الثانية ضد الاحتلال الفرنسى الذى جاء فى حملة بقيادة نابليون بونابرت لاحتلال مصر والشام عام 1798، وسبقتها «ثورة القاهرة الأولى» فى 20 أكتوبر 1798، كانت الثورة الثانية أوسع وأشمل حسب تقدير عبدالرحمن الرافعى فى الجزء الثانى من «تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم فى مصر»، مضيفا: «كان من زعماء هذه الثورة عمر مكرم نقيب الأشراف، وأحمد المحروقى كبير التجار، والشيخ الجوهرى ابن الشيخ محمد الجوهرى».
يصف الجبرتى كيف بدأت ثورة القاهرة الثانية، قائلا: «أما بولاق فإنها قامت على ساق واحد، وتحزم الحاج مصطفى البشتيلى وأمثاله من دعاة الثورة، وهيجوا العامة وهيأوا عصيهم وأسلحتهم، ورمحوا وصفحوا، وأول ما بدأوا به أنهم ذهبوا إلى وطاق الفرنسيين الذين تركوه بساحل البحر «النيل»، وعنده حرس منهم فقتلوا من أدركوه منهم، ونهبوا جميع ما به من خيام ومتاع وغيره، ورجعوا إلى البلد وفتحوا مخازن الغلال والودائع التى للفرنساوية، وأخذوا ما أحبوا منها وعملوا كرانك حوالى البلد ومتاريس»،
ويوضح الرافعى من هو البشتيلى، قائلا: «هو من أعيان بولاق، سمى البشتيلى نسبة إلى «بشتيل» من أعمال الجيزة، وتكلم عنه الجبرتى لمناسبة اعتقاله قبل حوادث هذه الثورة بعدة أشهر، فذكر أن الفرنسيين اعتقلوه يوم 4 أغسطس سنة 1799، لما بلغهم من بعض الوشاة أن بوكالته قدورا مملوءة بارودا، ففتشوا الوكالة ووجدوا البارود فى القدور، فضبطوها واعتقلوه»، ولم يذكر الجبرتى متى أفرجوا عنه، لكن الرافعى يتوقع أن الإفراج عنه كان قبل نشوب الثورة، وبعد إبرام معاهدة العريش لما عزموا الجلاء عن مصر، فلما نقضت المعاهدة وتجددت الحرب كان من دعاة الثورة فى بولاق.
وفى وصفه لما حدث فى الثورة، يذكر الجبرتى، أن أهل بولاق ثاروا، وحملوا ما وصلت إليه أيديهم من السيوف والبنادق والرماح والعصى، واتجهوا مجموعهم صوب قلعة قنطرة الليمون لاقتحامها، ولكن حامية القلعة ردت هجومهم بنيران المدافع، فأعاد الثوار صفوفهم واستأنفوا الهجمة، فأرسل الجنرال «فردييه» مددا من الجنود إلى الحامية فشتتوا جموع الثائرين بنيران المدافع والبنادق، وقتل فى هذا الهجوم ثلاثمائة من الثوار.
عمت الثورة أنحاء المدينة، واتجه الثوار بجموعهم إلى معسكر القيادة العامة للجيش الفرنسى بالأزبكية «بيت الألفى بك» وعددهم يقدر بنحو 10 آلاف ثائر، وامتدت الثورة إلى كثير من النواحى، وازداد عدد الجموع المنضمة إلى لوائها، وانبت دعاة الثورة فى كل مكان يحرضون الناس على القتال، وامتلأت بهم الشوارع والميادين والأسطحة حتى بلغ عددهم خمسين ألف ثائر يحملون البنادق والأسلحة والعصى، واندفعت جموعهم تتقدمهم طائفة من المماليك والانكشارية العثمانية، وانضم إليهم النساء والأطفال، فكان لهم نداءات وصيحات تصم الآذان، وهبت عاصفة الثورة على أحياء العاصمة كلها.
يذكر الرافعى: «هجم الثوار على معسكر الفرنسيين ثانية بميدان الأزبكية واستعملوا فى الهجوم ثلاثة مدافع من مدافع العثمانيين التى كانت لهم فى المطرية، ولعدم وجود القنابل استعاضوا عنها بكرات الموازين الحديد التى جلبوها من الوكائل والدكاكين، لكن الحامية الفرنسية كانت متحصنة فى المعسكر، فثبتت لهم واستمر القتال إلى اليوم التالى، وأخذت القلاع منذ بدأت الثورة تضرب المدينة بالمدافع وتسقط قنابلها على الأحياء الثائرة، وكانت قلعة الجبل وقلعة «ديبوى» أشد القلاع فتكا بالمدينة، فوقع الرعب فى الناس وأزمع كثير منهم المهاجرة، ولكن دعاة الثورة تعقلوا بهم، وأغلقوا باب النصر الذى كانت تقصد إليه الجموع للخروج من المدينة، فانبعثت روح الحماسة والقتال فى نفوس الناس، وهجم الثوار على بيت مصطفى أغا محافظ المدينة، الذى كان متهما بإيذاء الأهالى فأقاموا عليه البينة بما ارتكبه من الإيذاء وقتلوه».
فى اليوم التالى 21 مارس، اتسع نطاق الثورة، وغامرت فيها طبقات الشعب كافة، ويذكر الرافعى، أنه فى خلال ثلاثة أيام تطوع الأهالى بإمداد الثوار بالزاد وتوزيع الأقوات، وباشر السيد المحروقى وباقى التجار الكلف والنفقات والمآكل والمشارب، وكذلك جميع أهل مصر كل إنسان سمح بنفسه وبجميع ما يملكه، وأعان بعضهم بعضا وفعلوا ما فى وسعهم وطاقتهم من المعونة، وأما الفرنسيين فتحصنوا بالقلاع المحيطة بالبلد.
يسجل الرافعى جانبا سلبيا فى وقائع الثورة وهى وقوع بعض الاعتداءات ضد مسيحيين فى المدينة ويعيد ذلك إلى أنه كان من قيادات الثورة أتراك ومماليك، ما أدى إلى هذه الاعتداءات السافرة، وإن كان الأمر امتد إلى مسلمين أيضا متهمين بالموالاة للفرنسيين ومنهم محافظ المدينة «مصطفى أغا» و«خليل البكرى» الذى تم الاعتداء عليه، والسير به فى الشارع عارى الرأس تتبعه الشتائم والسباب.