نواصل رحلة ابن خلدون فى الحياة، وذلك بمناسبة ذكرى رحيله، فنكشف معًا ما جرى له بعدما فارق أفريقيا سافر إلى بلاد الأندلس، وهل استطاع أن يكمل حياته هناك أم أنه عاد مرة أخرى لموطنه، فما الذى حدث هناك؟
نعتمد فى ذلك على كتاب "حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية" لـ محمد الخضر حسين:
يقول الكتاب:
إرساله سفيرًا إلى ملك الإسبان
نزل ابن خلدون من السلطان ابن الأحمر منزلة الاحتفاء والإنعام، وندبه للسفارة بينه وبين ملك الإسبان، فعرف الملك قيمته وأُعجب بكماله ومقدرته، حتى دعاه إلى الإقامة معه بدار مُلكه "إشبيلية"، ملتزمًا له بأن يرد عليه ما كان لسلفه من أملاك، فرفض ابن خلدون هذه الدعوة، ولم يكن ممن يشغفه المال حبًّا فيؤثره على المقام بين أمته التى يشرف بشرفها وينحط شأنه بانحطاط سمعتها.
تنكر وزير الأندلس له
حاز ابن خلدون لدى ابن الأحمر رعاية ضافية، فجاش الحسد فى نفوس بعض معاديه، وطفقوا يُسِرُّونَ لابن الخطيب ما يزلزل ركن الصداقة بينه وبين ابن خلدون؛ حتى اغبَرَّ صدره، وبدا عليه انقباض أحسَّ به ابن خلدون، فجعل وجه البلاد فى عينه قاتمًا، ولم يسعه بعد تنكر ابن الخطيب — وهو القابض على مقاليد الدولة — إلا أن يعتزم على الرحلة، واتفق أن وافته كتب من أبى عبد الله صاحب بجاية يستدعيه للقدوم عليه، فاتخذها ذريعة لاستئذان السلطان فى الانصراف إلى إفريقية دون أن يطلعه على ما كان بينه وبين ابن الخطيب، فامتعض فى مبدأ الأمر ضنًّا بفراقه، ثم ادَّكر أن للحنين إلى الوطن حكمًا لا يغالَب، فأذن له بالظعن وأصدر فى تشييعه مرسومًا من إملاء ابن الخطيب، يشهد له فيه برفعة القدر واستقامة السيرة والتحقيق فى العلم، ويوصى قواد الدولة وأعوانها برعايته وإسعافه فى كل حال.
سفرة الثانى إلى بجاية
سافر إلى بجاية سنة ٧٦٦، وأقيمت له يوم مقدمه حفلة مشهودة، فأركب السلطان خاصته لاستقباله، وهرع إليه أهل البلد بنفوس متعطشة إلى لقائه، وانهالوا يمسحون أعطافه ويلثمون يده. فاجتمع له فى هذا الاحتفال إقبال الدولة وانعطاف الأمة، وهما لا يجتمعان لشخص بانتظام إلا حيث تكون الدولة رشيدة، وإذا كانت الدولة قد تقبل على غير عظيم، فإن الأمة لا تخلع عطفها وإجلالها إلا على من تقدر عظمته وتثق بإخلاصه.
ولايته الحجابة لسلطان بجاية
تقلد ليوم خلا من قدومه منصب الحجابة، وهى لدى دول المغرب: الاستقلال بإدارة شئون الملك، والانفراد بالوساطة بين السلطان وبين أهل دولته. بيد أنه استلم زمام السياسة بعد أن نشأت بين السلطان أبى عبد الله وابن عمه أبى العباس صاحب قسنطينة فتنة نفدت التدابير دون إطفائها، وما برحت تتأجَّج إلى أن كانت عاقبتها قتل أبى عبد الله، واستيلاء أبى العباس على بجاية.
خرج ابن خلدون باسطًا يد الطاعة إلى أبى العباس ولقى منه احتفاءً وإنعامًا، وسرعان ما انكفأت عقارب السعاية به تدب حول السلطان فلم ينشب أن استأذنه فى الانصراف، فأجاب طلبه بعد تمنُّعٍ وارتحل حتى عرج على بسكرة لصحبة كانت بينه وبين أميرها أحمد بن يوسف بن مزني.
انصرافه إلى العلم
وما كان يُمتحن به ويقاسيه من مشاكسة المنافسين له فى مقاعد الرياسة ونصبهم حبائل السعاية به، ثم تنكُّر السلطان له بعد الرعاية والإقبال صرف قلبه عن التعلق بأسباب السياسة، وجعله يفرغ همته فى تحقيق العلوم ودراستها. ومن أجل هذا قعد عن السفر إلى أبى حمو صاحب تلمسان حين استدعاه ليقلده الحجابة وكتابة العلامة، ووجَّه إليه أخاه يحيى؛ ليقوم بعمل هذه الوظيفة مكانه.
المراسلة بينه وبين الوزير ابن الخطيب
بعث إليه الوزير ابن الخطيب من غرناظة برسائلَ يشكو فيها مضض النوى ويتلهف على عهد اللقاء. وقلوب الأصدقاء قلَّما تتصدَّع بحزازات الوشاية وتعود إلى عنفوان ودها الصميم، ولكن الرقة الدافقة على ذوق ابن الخطيب، والأدب المنسجم فى مزاج خلقه الرصين، ذهبا بأثر ما سعى به إليه قوم لا يفقهون، ونهضا به إلى تأكيد صداقة انتظمت بينه وبين رجل يدانيه علمًا وأدبًا، ويضاهيه فى طرق التفكير والعمل لرقى نظام الاجتماع.
وإذا كانت الرسائل مثالًا لمنهج الرجلين فى المحاورة ساعات اللقاء، فإن هذه المراسلة تنبئك أن المجالس التى كانت تعقد بين هذين الوزيرين الخطيرين لم تكن مضمار علم وأدب فقط، بل كانت ممتعة بالنظر فى الشئون السياسية الداخلية والخارجية، فقد أتى ابن الخطيب فى بعض هذه الرسائل على تفاصيلَ من أحوال الدولة بغرناطة، وألمَّ فيها بأنباء عن دولة الإسبان فى إشبيلية. وكذلك تجد ابن خلدون تعرَّض فى الجواب عن تلك الكتب لحوادث دول شتى، فنسق فيها قسطًا من الحديث عن شئون دول تونس والجزائر والمغرب الأقصى والحجاز ومصر. ولو أن علماء الإسلام أخذوا فى هذا السبيل أينما كانوا، ومدوا جانبًا من عنايتهم إلى الاطِّلاع على تصاريف الدول ومجارى سياستها لبلغوا منتهى السؤدد، وبرءوا من تبعة وقوع الشعوب الإسلامية فى هذا البلاء المبين.
مساعيه السياسية وهو فى بسكرة
أقام ابن خلدون فى بسكرة مقبلًا على دراسة العلم، ولم ينكث يده مع ذلك من التدخل فى شئون الدولة، فكان يشايع أبا حمو صاحب تلمسان حين نهض يجلب بخيله ورجله على بجاية، فكان وسيلة إلى توثيق عرى الصلة بينه وبين السلطان أبى إسحاق صاحب تونس، وحمل بعض القبائل على مناصرته حتى سار إليه بطائفة من قبيل الذواودة، والتقى به فى البطحاء، ثم قفل معه راجعًا إلى تلمسان؛ إذ بلغ أبا حمو أن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى يتحفز للوثوب على تلمسان، ولما اقتربت ساعة استيلائه عليها وأخذ أبو حمو فى أهبة الانجلاء عنها إلى الصحراء اعتزم ابن خلدون على الارتحال إلى الأندلس، وحمَّله أبو حمو رسالة إلى ابن الأحمر صاحب غرناطة فاتصل نبأ سفره بالسلطان عبد العزيز، ونمى إليه أنه يحمل وديعة إلى ابن الأحمر فأنفذ إليه سرية اعترضت سبيله فلم تلقَ عنده ما يحقق هذه التهمة، وانقلبت به إلى السلطان فلقيه حوالى تلمسان فقضى ليلته فى اعتقال، وفى الغد أطلق سبيله فانصرف إلى رباط الشيخ أبى مدين، ونزل بجواره على قصد التفرغ للعلم ونثر درره الشائقة بين يدى طلابه.
استدعاؤه إلى فاس
ولم يزل متمتعًا بحياة علمية خالصة حتى استدعاه السلطان عبد العزيز، وأوعز إليه فى الخروج إلى بلاد رياح ليجمعهم على طاعته ومناصرته، فانبعث يعمل فى هذا السبيل بكلمة نافذة ودعاية ناجحة إلى أن قضى المأرب وبلغ الغاية المنشودة، وكان يسعى إلى هذه المهمة السياسية وهو مقيم ببسكرة فى جوار أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى الذى هو صاحب زمام رياح، وما راع ابن خلدون إلا أن أخذ حساده ينفثون سموم الوشاية فى أذن أحمد بن مزنى فهاجوا غيرته وأوغروا صدره حتى تنفَّس بالشكوى منه إلى صاحب شورى السلطان وترمار بن عريف ورفع صاحب الشورى هذه الشكوى إلى السلطان، فما كان من نظره إلا أن استدعى ابن خلدون إلى حاضرة فاس، فخرج بأهله وولده. ولقيه فى الطريق نعى السلطان وتولية ابنه الصبى أبى بكر السعيد فى كفالة الوزير أبى بكر بن غازي، فدخل فاس، وكان له مع الوزير سابق صحبة فَأَدَرَّ عليه من معصرات بره وكرامته فوق ما يحتسب، وظل عاكفًا على التدريس صارفًا همته إلى الوجهة العلمية إلى أن ظهر السلطان أحمد بن أبى سالم على الوزير أبى بكر بن غازى واجتذب مقاليد الأمر من يده، ولم يستقر به الحال حتى قام وزيره محمد بن عثمان يُدخل عليه الريبة من جانب ابن خلدون ويغريه بالقبض عليه. وما هذا الوزير بأوَّل من ازدهت به الرياسة وتطوحت به فى غرور حتى عمى عليه أن لأعاظم الرجال كابن خلدون تاريخًا باقيًا، وصحائفَ لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من مجاملة أهل عصره له، أو إساءتهم إلا أحصتها.
عودته إلى الأندلس سنة 773
قبض عليه السلطان ابن أبى سالم، وسرعان ما نهض إلى خلاصه الأمير عبد الرحمن الذى شارك السلطان فى حرب الوزير أبى غازي، واتفق معه على أن يستقل بولاية مراكش وأعمالها، ولم يطمئن به المقام بعد أن رأى من تَنَكُّرِ السلطان وسوء طوية وزيره ما رأى، فابتغى الوسيلة إلى إذن السلطان له بالانصراف إلى الأندلس؛ ليتفرغ للعلم ومدارسته فى ظل دولة ابن الأحمر الذى أولاه فى رحلته الأولى سابغ الكرامة والإنعام، ولم يظفر بالجواز إلا بعد تسويف وعلى رغم من وزيره ورجال دولته.
دخل الأندلس سنة 776 فجرى السلطان على عادته من بسط يد الإكرام، وإنزاله منزلة الاحتفاء والرعاية إلى أن وفد على غرناطة مسعود بن ماسى من حاضرة فاس وأبلغ السلطان بإغراء من رجال دولتها أن ابن خلدون كان يبذل مساعيه وجاهه فى خلاص لسان الدين بن الخطيب، فانقلب عطف السلطان عليه جفاء، وأنسه به وحشة، وأجلاه إلى العدوة من بلاد المغرب الأقصى.
وموضع العبرة فى هذه الواقعة أنك تقارن بين عودتيه من الأندلس؛ فتجده فى المرة الأولى قفل من غرناطةَ والسلطان يبسط له يد المجاملة ويودعه بقلب يأسف لفراقه، ثم هو متوجه نحو بجاية والدولة متأهبة لاستقباله بأجمل ما يتصور من مظاهر الاحتفاء. وتراه فى هذه المرة انصرف عنها والسلطان يكره إقامته ويطوى عنه بساط أنسه، خرج وهو لا يدرى أين يلقى عصا التسيار؛ هذه دولة الأندلس تنفيه من أرضها، وتلك دولة المغرب الأقصى تلحظه بعين الحنق وترمى من ورائه بسهام الكيد والأذى، وهذا أبو حمو صاحب تلمسان لم يزل ينقم عليه مشايعته للسلطان عبد العزيز وسعيه فى صرف وجوه العرب عنه يوم كان طريدًا فى الصحراء. بيد أن أبا حمو كان على رَوِيَّةٍ لا يفوتها أن الأخذ فى معاملة رجل خطير كابن خلدون بالرفق والأناة إنما توضع فى حساب الحسنات التى ينوه بها التاريخ ويرتقى بها شأن دولته، فسمح له بدخول تلمسان فجاءها وقد ذاق من صروف السياسة عذاب الهون، فما كان إلا أن تجرد للقراءة، ولم يشغل وقته بسوى المذاكرة فى العلم ودراسته.
وقد يكون انحرافُ الدولةِ عن النابغة أو اضطهادها له أشدَّ داعية إلى بذله كل ما يملك من الجد والألمعية فى توسيع دائرة معارفه أو الحذق فى صناعة التأليف أو الاستنباط، فإن الكدر الذى قد يثيره تغابيها عن مكانه أو بخسها من قيمته إنما يكشفه ارتياح النفس وتمتعها باستطلاع حقائق العلوم التى هى أصفى لذة وأبقى سؤددًا من نيل الحظوة والقرب من مجالس الأمراء.
تصنيف ابن خلدون تاريخه ومقدمته
ما برح ابن خلدون منقطعًا لِبَثِّ العلمِ حتى بدا لأبى حمو أن يبعثه سفيرًا إلى الذواودة؛ ليراوضهم إلى طاعته ويجمعهم على ولائه. فلبى طلبه فى الظاهر، وخرج وهو يسر فى نفسه أن لا يعمل لهذا السبيل بعلة أنه أصبح يعز عليه بذل شيء من أوقاته فى غير الوجهة العلمية. ولعله سئم التدخل فى السياسة التى قد تلتوى به مع أهواء الأمراء، وتحمله على أن يسعى فى استنجاد القبيلة لمن كان يغريها عليه.
ولما وصل إلى البطحاء ولَّى وجهه عن ناحية الذواودة جانبًا وثنى عنانه إلى أولاد عريف، فأنزلوه بقلعة أولاد سلامة، وأقام بينهم أربع سنين فى جو هادئ، وبيئة لا تجيش فيها مراجلُ الحسد، ولا تنفث فيها الوشاية سمًّا ناقعًا. وفى هذه السنين — التى كانت مهبط السكينة وصفاء الفكر وارتياح الضمير — شرع فى تأليف تاريخه الفائق، ولذلك الحين أتم مقدمته على نسجها الحكيم، وتحقيقها البديع.
عودته إلى وطنه
سلَّ يده من كل شاغل، وألقم فكره ثدى الاستنتاج والتفقه فى المقاصد العلمية والشئون العمرانية حتى بلغ فى مجالها شأوًا لا يشق غباره، فتاقت نفسه إلى زيادة التوغُّل فى أسرار العلم والاستفادة من كتب لا تنالها الأيدى إلا فى الحواضر، فراسل صاحب تونس أبا العباس بالعودة إلى تونس التى هى مسقط رأسه ومسحب ذيل شبابه ومجرى جياد أنسه، فما تريَّث أن طلع عليه جواب السلطان يأذن له بالقدوم ويحثه عليه، فانبرى يطوى الفيافى حتى أوى إلى ظل عنايته، وأنزله منزلة المغتبط بسابغات عزه، ومظاهر كرامته.
ظن ابن خلدون — مُذْ حط رحله بين قومه، وسحب رداء العز فى وطنه — أن الزمان صافحه بيد المصافاة، وأن الحوادث أصبحت تُهاب أن تغشى ساحته، فإذا تقريب السلطان له واستخلاصه جليسًا يضرم فى قلوب فريق من الناس نار الغيرة والحسد، فلم يتمالكوا أن باتوا ينصبون له حبائل الوشاية، ويهمسون فى أذن السلطان بما يوغر صدره عليه. ومما تعلقوا به فى أسباب الكيد به تخليه عن صوغ الشعر فى مديح السلطان، وزعموا لديه أنه لم يُعْنَ بمديحه كما عنى بمديح سلاطين المغرب والأندلس؛ استخفاقًا بمقامه، وكفرانًا لنعمته.
وقد ضل هؤلاء عن سواء السبيل؛ فإن العالم الأديب قد يهفو به نزق الشباب أو ينساق بحكم الضرورة إلى مديح بعض الرؤساء، حتى إذا بلغ فى العلم أشُده، وخلع عليه التقدم فى السن حلة السكينة والوقار؛ عافت نفسه ذلك الفن المزرى من الشعر، وجمدت قريحته دون أن تنطف فيه بقطرة. فيجب على صاحب الدولة الرشيدة أن يكون على همة أسمى من أن تتشوف إلى سفاسف الأمور، وأطهر من أن ترضى للذين أوتوا الحكمة أن يلقوا بأنفسهم فى حضيض الملق والاستعطاف، بل الأمجد لذكره، والأدعى لحمده أن يكون إكرام العلماء فى نظره حقًّا تقتضيه فضيلةُ العلم بنفسها.
تقديم تاريخه إلى صاحب تونس
فاجأه صديق له — كان أحد بطانة أولئك السعاة — بما يكيدونه به تحت ستار، وكان قد اعتزم على أن يقدم للسلطان نسخة مما كمل من تاريخه. فانتهز الفرصة وأنشده ساعة إهدائه الكتاب قصيدة أمتعها بذكر سيره وفتوحاته، ونسج فى ذيلها الاعتذار عن انتحال الشعر بأسلوب بليغ، ويقول فى هذا الاعتذار:
وإليكها منى على خجل بها عذراء قد حليت بكل نفيس
لولا عنايتك التى أوليتنى ما كنت أُعْنَى بعدها بطروس
واللهِ ما أبقت ممارسة النوى منى سوى رسم أمرِّ دريس
أخنى الزمان على فى الأدب الذى دارسته بمجامع ودروس
فسطا على فرعى وروَّع مأمنى واجتث من دوح النشاط غروسي
ورضاك رحمتى التى أعتدُّها تحيى مُنى نفسى وتذهب بوسي