اعتبر محمود درويش ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" محاولة حالمة بنيت فى الأساس على الشكوى الرومانسية والتعبير الحالم، وهو ما تطور بعدها إلى محاولات أكثر نضجا، تقدم شعر الرفض بمعناه الحقيقى الذى تتضح فيه علامات التحدى والقوة والرغبة الحقيقية في المقاومة وخوض المعركة وانتزاع الحق والمصير انتزاعا، ولهذا السبب لم يكن يحب الحديث عن ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" بل كان يحب دوما البدء من ديوان "أوراق الزيتون" الذى اعتز دوما بقصائده.
صدر ديوان "عصافير بلا أجنحة" للشاعر الفلسطينى محمود درويش سنة 1960 وكان عمره وقتها 19 سنة، ونبذ درويش هذا الديوان، إذ تجاهله تماماً وأغفله، ومن الملفت للنظر أن الصفحة الأولى من الديوان (صفحة العنوان) عرفت محمود درويش بأنه شاعر المقاومة مع أن الديوان كان الأول له، كما جاء تحت العنوان عبارة "ديوان الشاعر الأول" وكأن دار النشر توثق نشرها لديوان شاعر شاب سينال الشهرة بعد ذلك، والديوان نشرته دار العودة البيروتية، وصمم غلافه مكرم حنين وتنوعت قصائده من ناحية النظم ما بين الشعر العمودى والتفعيلة وإن غلبت عليه قصائد الشعر العمودى.
وقد قال محمود درويش عن الديوان فى حوار مع الناقد اللبنانى محمد دكروب لمجلة الطريق "أول ديوان مطبوع لى، لا يستحق الوقوف عنده، كنت فى سنتى الدراسية الأخيرة عمرى لم يكن تجاوز 18 سنة عندما كتبت قصائده، وكان تعبيرا عن محاولات غير متبلورة".
وأضاف: أما الديوان الثانى "أوراق الزيتون" الصادر عام 1964 فأعتبره البداية الجادة فى الطريق الذى أواصل السير عليه، الطابع العام المميز لقصائده هو التعبير الجديد، بالنسبة لشعرنا، عن الانتقال من مرحلة الحزن والشكوى الى مرحلة الغضب والتحدى، والتحام القضية الذاتية بالقضية العامة، متنقلا من سمة "الثوري الحالم" الى الثوري الأكثر وعيا. وتشيع في جو الديوان رائحة الريف، وآلام الناس، والتغنى بالأرض والوطن والكفاح، والإصرار على رفض الأمر الواقع، وحنين المشردين الى بلادهم، ومحاولة العثور على مبرر لصمود الانسان أمام مثل هذا العذاب.