أجواء رمضانية تملأ كل زوايا سيناء.. نيران وقهوة وحكايات فى ليالى الشهر الفضيل.. عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال فى المجالس والدواوين.. يستقبلون الضيوف بالترحاب والمحبة والسكينة والشباب يسارعون لخدمتهم.. صور

الإثنين، 10 مارس 2025 06:00 ص
أجواء رمضانية تملأ كل زوايا سيناء.. نيران وقهوة وحكايات فى ليالى الشهر الفضيل.. عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال فى المجالس والدواوين.. يستقبلون الضيوف بالترحاب والمحبة والسكينة والشباب يسارعون لخدمتهم.. صور من الجلسات البدوية البسيطة

شمال سيناء ـ محمد حسين

بمع اقتراب غروب الشمس، حيث يلوح الأفق مزيجًا من الألوان الذهبية والبرتقاليّة، تبدأ فى دواوين ومجالس عائلات بدو سيناء واحدة من أروع التقاليد التى تحمل فى طياتها عبق الماضى وتوارث الأجيال وهى إشعال النيران فى مواقد الدواوين، هذه الطقوس الرمضانية التى لا غنى عنها، تُعدُّ جزءًا من حياة أهل سيناء، تُنير ظلام الليل وتُبعث فى الأجواء روحانية الشهر الفضيل، ويشعر الجميع بأن لحظة الإفطار قد اقتربت قبيل الغروب بساعة تقريبًا، تتحول الساحات المفتوحة أمام المنازل أو فى مجالس الدواوين إلى ساحات دافئة ومضيئة، حيث تشتعل النيران فى الموقد، وتبدأ العائلات فى تحضير المشروبات الساخنة، فى مقدمتها القهوة العربية والشاى، ليكتمل مشهد الإفطار بلمسة من التقاليد التى تمثل جزءًا لا يتجزأ من هوية البدو فى رمضان.

فى كل زاوية من زوايا سيناء، تجد النار قد أُشعلت فى كل ديوان، مهما اختلفت الأسطح من الخيام البسيطة إلى البيوت الحديثة، ويقول أحد أبناء سيناء: "إشعال النار فى رمضان له طعم خاص، وهو ليس مجرد إضاءة، بل هو إعلان عن استعدادنا لاستقبال الضيوف والأصدقاء، وإشارة لمن يمر بالقرب منا أننا هنا، مستعدون لاستقبال أى عابر سبيل"، هذه النار، التى كانت قبل الكهرباء هى الرفيق الأول لأهل سيناء فى لياليهم، كانت بمثابة مصباح يهتدى به الجميع، حتى أولئك الذين لم يعرفوا بعد أين يتوجهون فى الظلام.

وحين تشتعل النيران، يتجمع أفراد العائلة والجيران حول الموقد فى تلك اللحظة، لا يكون الإعداد للمشروبات الساخنة مجرد مهمة، بل طقسًا روحانيًا، حيث يتولى أحد أفراد العائلة، غالبًا ما يكون الشاب، مهمة إشعال النار، وأثناء ذلك يتناغم صوت النار مع الضحكات والأحاديث الودية، وبعد إشعال النار، يتم تحضير القهوة العربية بكل دقة، حيث تأخذ القهوة وقتًا فى غليانها فوق الجمر، مما يضيف لها طعمًا مميزًا لا يُضاهى، إلى جانب الشاى الذى يُحضَّر بنفس الروح والاهتمام.


إنّ ما يميز عادة تحضير المشروبات الساخنة فى رمضان بين أبناء سيناء ليس فقط فى الجودة، بل فى الطقوس التى ترافقها، كما يقول الباحث فى التراث السيناوى حسن سلامة، موضحا أنه فى كل ديوان، يكون الشاب هو المسؤول عن إشعال الحطب، وهو أول من يبتسم أثناء تحضير القهوة، حيث يتنقل من موقد إلى آخر، يراقب النار عن كثب، ويحرص على أن تكون القهوة قد أخذت وقتها فى الطهى، وأحيانًا يُضاف إلى تلك الطقوس احتساء الشاى الذى يرافق القهوة فى تلك اللحظات.

وأضاف أن هذا التقليد يعكس مدى تقديرهم للطعام والمشروبات التى يُعدّها أهل المكان بأيدٍ حريصة، بحيث يتم التأكد من أن كل شيء قد تم تحضيره بكل دقة، ليصبح جاهزًا على المائدة فى اللحظة المحددة، وهى لحظة الإفطار التى يشهدها الجميع.

إذا كانت النار قد أضاءت ليالى رمضان فى سيناء لعقود من الزمن، فإن ذلك يعود إلى أن هذا التقليد يعدُّ جزءًا من هوية المنطقة، ولا يزال أبناء سيناء يعكفون على نقل هذا التقليد عبر الأجيال، حيث يُشرف كل جيل على توريث هذا الطقس للأجيال القادمة.

ويقول سليمان حميد أحد أبناء سيناء: "نحن نحرص على أن يتولى الشبان مهمة إشعال النار وتجهيز المشروبات، نحن نعلمهم هذه العادات منذ الصغر، فهم يقومون بتوريثها لأبنائهم وأحفادهم فيما بعد، وبالتالى، تبقى روح رمضان كما هى، باقية فى قلوب الجميع، لا تتغير مع مرور الزمن".

وأضاف أن هذه العادة الرمضانية تصبح أكثر جاذبية عندما يتقاسمها الجميع، حيث يجتمع الأهل والجيران حول الموقد ويشربون القهوة والشاى معًا، ومع بداية شهر رمضان، يُصبح الشغل الشاغل لدى أبناء سيناء هو تحضير الحطب لإشعال النار، حيث يُعتبر الحطب من أجود أنواع الخشب فى المنطقة مثل حطب شجرة الزيتون والرتم، اللذان يبعثان رائحة طيبة من النار التى تتصاعد فى الأفق.

وفى اللحظات التى تسبق إفطار رمضان، يجتمع الجميع حول مائدة واحدة، يوزعون الطعام والمشروبات، ويجلسون بالقرب من النار، يُشعرهم ذلك بالدفء ويجمعهم فى لحظة لا تُنسى هنا، يُصبح الإفطار ليس مجرد تناول للطعام، بل لحظة اجتماعية وروحانية تحمل فى طياتها معانى التعاون والمشاركة، وتتوزع الأطباق على المائدة، ويشارك الجميع الطعام مع ضيوفهم وعابرى السبيل.

وفى هذه اللحظات، يُشعر الجميع بالراحة، حيث يصبح الطعام والمشروبات وسيلة للتواصل الاجتماعى، ويُعتبر اللقاء الرمضانى وقتًا لتبادل الأحاديث الطيبة، بعيدًا عن متاعب الحياة اليومية، ولا يقتصر الأمر على الأسرة فقط، بل يشمل الأصدقاء والجيران، حيث يكون التلاقى حول المائدة مفتوحًا للجميع، ويُعتبر هذا الاندماج الاجتماعى حجر الزاوية فى تقاليد رمضان البدوية فى سيناء.

ولا تقتصر تقاليد إشعال النار على المجالس فقط، بل تمتد لتشمل أوقات الإفطار فى الأماكن الطبيعية، مثل الشواطئ، ففى بعض الأحيان، يختار الشباب الهروب من ضغوط الحياة بالذهاب إلى الشاطئ فى جماعات، حيث يجتمعون معًا لتحضير إفطارهم فى الهواء الطلق، مُحمّلين بالحطب لإشعال النار فى مكانهم المخصص.

ويقول أحد الشباب: "فى هذا الجو الرمضانى المميز، نذهب إلى البحر مع الأصدقاء ونشعل النار على الشاطئ، حيث نُحضر القهوة والشاى، وتكون لحظة الإفطار على الجمر هى الأمتع، ونعيش فى تلك اللحظات ببساطة، متجددين مع الطبيعة، ونشعر أن رمضان فى سيناء له طابع خاص لا يُمكن أن نجده فى مكان آخر".

وأضاف: طقوس رمضان فى سيناء، مع النار وقهوتها، لم تكن مجرد عادة، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان وهويته الثقافية، التى تتوارثها الأجيال، تظل هذه العادات جزءًا أساسيًا من الروحانية الرمضانية التى يعيشها أهل سيناء فى كل عام، متحدين معًا حول الموقد، فى انتظار لحظة الإفطار، التى تحمل معها أملًا جديدًا فى التواصل والمحبة والسكينة.

 

مشهد من مجالس بدو سيناء
مشهد من مجالس بدو سيناء

 

من الجلسات البدوية البسيطة
من الجلسات البدوية البسيطة

 

من الجلسات لبسيطة
من الجلسات لبسيطة

 

يشعل النار وينتظر  الضيف
يشعل النار وينتظر الضيف

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة