- عراقيل دولة الاحتلال في إدخال المساعدات مازالت مستمرة.. ولم تسمح إلا بدخول مُعدات محدودة
- 60 مليون طن حجم الركام فى القطاع و نحتاج إلى 2000 مُعدة ثقيلة لإزالتها خلال عامين
- 350 ألف وحدة سكنية و1000 مسجد و5 كنائس و2000 مصنع و400 مدرسة والمستشفيات تم تدميرهم بالكامل
- نحتاج لإلقاء 60% من الركام فى البحر وإعادة تدوير 40% منه لمواد بناء
- 90% من السكان يعيشون في خيام من النايلون في درجات حرارة تصل إلى 2 درجة مئوية.. ونأمل زيادة أعداد الكرفانات إلى 100 ألف
- لدينا خطة ببناء من 60 إلى 70% من المنشآت بالمباني الحديدية لتسريع الإعمار
فى غزة.. حيث يمتزج الألم بالأمل، وتقف الحياة على أطلال المنازل المهدمة، يحاول الفلسطينيون لملمة ما تبقى من أحلامهم وسط ركام الحرب.. بين شوارع كانت يوما تعج بالحياة، وأحياء تحولت إلى أكوام من الحجارة، يولد السؤال الأكبر: كيف يمكن إعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ وكم من الوقت والموارد يحتاجه الفلسطينيون لاستعادة ما فقدوه؟
في هذا الحوار الخاص، الذى أجراه "اليوم السابع"، مع الدكتور زاهر كحيل، رئيس المجلس الفلسطيني لإعادة إعمار غزة، نناقش سيناريوهات إعادة البناء، والتحديات التي تواجهها، والتكلفة التى تتطلبها هذه المهمة الإنسانية العاجلة.
• نص الحوار:
- ما هو التقييم الأولى لحجم الدمار الذي خلفه العدوان الأخير على غزة؟
نحن في المجلس الفلسطيني لإعادة إعمار غزة قمنا بعمل دراسات مختلفة، بجانب الاستعانة بدراسات أخرى وفرق ميدانية، والتي بينت لنا أن الدمار في قطاع غزة له عدة أركان، الجزء الأول يتعلق بالمبانى والبنية التحتية والمرافق المختلفة في القطاع، الجزء الثانى: عند بداية الإعمار ثانى عقبة موجودة لدينا بعد التمويل، هي: حجم الركام الرهيب الموجود المقدر بحوالي 60 مليون طن من الركام، الناتج عن القذف الصهيوني الغاشم، وبالطبع إزالته يحتاج إلى جهد كبير، والأمر الأخير هو أن نحو 90% من قطاع غزة من السكان الآن يعتبروا مُهجرين داخل القطاع، فكان الرجوع للشمال الفترة السابقة من الجنوب يعد فترة كبيرة، لكن تلك الفرحة لم تكتمل، فكل واحد رجع لبيته لم يجد أي مقومات للحياة، منازل مهدمة، بدون مياه أو كهرباء، بدون طرق ممهدة للوصول إليه، حتى أن الدمار على مستوى البنية التحتية قد يصل إلى 85% على مستوى الوحدات السكنية التي تقارب 350 ألف وحدة من 450 ألف وحدة تم تدميرهم بالكامل.
ذلك بخلاف باقى الخدمات مثل التعليم الذى توقف بالكامل، والصحة حيث أن كل مستشفيات القطاع تم تدميرها بالكامل بشكل ممنهج، وما تبقى هو لا يصلح لإجراء عمليات أو الإصابات، فقد بلغ حجم الشهداء في هذه الحرب الغاشمة حوالى 50 ألف شهيد ثلثيهم من النساء والأطفال، والآن لدينا 110 آلاف مصاب في حاجه إلى فزعة طبية هائلة، وتأهيل نفسى، وأطراف صناعية، وهى أمور ليس لها حلول حتى الآن، والموضوع بمجمله يحتاج إلى "فزعة" ليست فقط من الفلسطينين، بل من الأخوة العرب، مثلما بدأت مصر في اتخاذ الخطوات التي نحسبها في الاتجاه الصحيح.
- ما رأيك في الطرح الأمريكي بضرورة تهجير أهالى غزة لإعادة الإعمار؟
طرح التهجير، طرح "خزعبلات" صدرت من ترامب لسببين، الأول: إنه هناك موقف حديدي من الناس بتمسكهم بأرضهم، حتى أنهم عاشوا 15 شهر تحت القصف ولم يخرجوا منها، والثاني: هو الموقف الحديدي الذي يقدر من الحكومة المصرية والرئيس السيسي، فقد كان للرئيس السيسى موقف راقي وقوي ضد التهجير، وهو ما أدى إلى تراجع ترامب الآن عن تلك الفكرة ويقول أنه كان طرحا، ونحن عندنا تجربة سابقة سيئة في 1948 قالوا لنا اخرجوا من بلادنا وتحديدا من "يافا"، قالوا لنا بس أسبوعين وبعدين هانرجعكم بعد تعمير البلد، وحتى الآن وبعد 36 سنة لم يرجع أحد إلى يافا.
والآن لدينا عنصريين قويين إلى الان والعنصر القرار المصري العظيم والقرار الفلسطيني من اهلنا في غزة في عدمه، أما التهجير فكان الرد المباشر من الفلسطينيين وأيضا من مصر هو الإنطلاق نحو الإعمار حتى لا نستمر تحت وطأة أن "غزة" منطقة لا تصلح للسكن، ولا تصلح للاعمار، وأرى أن وجود مصر الآن في الجسم التخطيطي بنقابة المهندسين والذي نقدره عاليا، وفي الجسم التنفيذي في الشركات المختلفة والحكومة وتوجهها، اعتقد انه هذا حل وهذا رد مباشر على أنه لا تهجير، ولن نقبل لا كحكومة ولا كشعب ولا كمؤسسات.
- هل لديكم رؤية هندسية لتنفيذ إعادة الإعمار دون تهجير الأهالى؟
لدينا رؤية هندسية تخطيطية، بحيث يتم تنفيذ والتنفيذ على ثلاث مراحل، المرحلة العاجلة تتضمن توفير المأوى والغذاء والدواء والصحة وهى أمور لا بد منها، وذلك خلال 6 أشهر، والمقصود بالمأوى هنا هو مأوى مؤقت، فهناك أحاديث عن إدخال 60 كرفان، نأمل زيادتهم إلى 100 ألف كرفان لحل مشكلة أسر أكثر، وأرى أن يتم وضعها في مكان من "المحررات" أو المستعمرات الإسرائيلية السابقة، وهى مساحات فارغة من الأراضى خرجت منها قوات الاحتلال فى 2005 يمكن تسكين المواطنين عليها لحين الإنتهاء من الإعمار في منطقة تلو الأخرى، وبالتالي يمكن وضع الكرفانات في تلك الأماكن مع توفير بنية "فوقية" لتوفير الأساسيات للحياة للناس من كهرباء وماء لحين الإعمار، أما المرحلة الثانية، فهى تستغرق من 6 أشهر إلى 3 سنوات وهى مرحلة للبناء السريع، والمرحلة الثالثة ستكون من خلال بناء المنازل والمجمعات كما كانت قبل الهدم، وذلك خلال فترة تصل إلى 5 سنوات، والمرحلة الأخيرة تستهدف تحقيق التنمية وتوفير فرص عمل لمواطنى غزة.
- أيهما أكثر عملية من وجهة نظرك.. تدوير الركام أم ردم جزء من البحر به؟
الركام يعد مُعضلة في قضية إعادة الإعمار في الحقيقة، نقترح أن يتم بشكل فورى إلقاء نحو 60% من الركام في البحر، و40% منه تدخل كسارات لتحويله إلى ظلط ورمل، وتسحب الحديد منه، نعلم أنه أمر غاية في التعقيد، إلا أن ردم جزء من البحر بالركام يسهم في إضافة جزء جديد لقطاع غزة قد يصل إلى 25 كيلو متر مربع، خاصة أن القطاع مساحته صغيرة لا تتعد الـ350 كيلو متر مربع، فضلا عن إعادة تدوير باقى الركام، خاصة أنه من المتوقع أن يصدر من الركام نحو 3 مليون طن حديد وهو رقم مهول، فضلا عن مواد بناء مهولة تساعد، ونأمل أن هذا يتم بتخطيط ودون تدخل من الاحتلال وبالتعاون مع مصر.
- هل لديكم سيناريوهات للتغلب على التكلفة الباهظة لإعادة الإعمار؟
رغم أننا اعتدنا تعهد المجتمع الدولى من الدول العربية والأجنبية في الحروب والأحداث السابقة المشابهة لما تعرضت له غزة بدعم عمليات إعادة الإعمار، حتى الآن لم نجد أي تعهد من أي جهة، وقد يرجع ذلك إلى أن الجميع يبحث عن قيادة إدارية لغزة بعيدة عن الفصائل، والأمر الثانى هو عدم وجود وضوح في الرؤية، خاصة أن قطاع غزة يحتاج إلى إعادة بناءه من جديد، وهو أمر يحتاج إلى نحو 53 مليار دولار وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، وفى المجلس الفلسطيني لإعادة الإعمار قدرنا تكلفة عمليات الإعمار بحوالي 70 مليار دولار، وحتى الآن سبل التمويل غير واضحة.
- في ظل التطورات التكنولوجية السريعة التي يشهدها العالم.. هل هناك أساليب حديثة يمكن أن تسرع من عمليات الإعمار؟
بالطبع، خاصة أن الأوضاع بالقطاع لا تمكننا من البناء بالطرق التقليدية، نريد بناء من 60 إلى 70% من المباني "سابقة الصب" أو المباني الحديدية مع عناصر من الخرسانة، وهى آلية تُمكن من بناء طوابق متعددة في مناطق صحراوية حتى يتم اكتمال المبنى بالكامل ثم يتم نقله على السيارات إلى غزة، ومصر بارعة في ذلك، وهو أمر يسهم في حل أزمة نقص الموارد اللازمة للبناء في القطاع، كما أنه يطمئن المواطنين بحل أزمتهم سريعا، وذلك بخلاف دخول الكرفانات، وجزء أخر يتم بناءه بالشكل التقليدي.
وهناك مؤسسات السرعة في إنشائها ضرورة، مثلا المدارس والتي يُفضل الاعتماد في بنائها على المباني الحديدية، فقد تم إبادة 400 مدرسة بالكامل، و450 آخرين مُضرة جزئيا، فقد ضربنا الاحتلال في مقتل، عامين دون تعليم.
- هل تم حصر المبانى المهدمة جزئيا أو كليا؟
80% من المباني مُدمرة وهو كان هدف إسرائيلى وحققه، وما تبقى الـ20% هناك جزء يمكن يتم البناء عليه، وجزء أخر لابد من أن يتم بناءه من أول وجديد.
- كيف ترى بدء دخول المعدات الثقيلة المصرية إلى غزة؟
للأسف مازالت الإعاقة الإسرائيلية لدخول المساعدات مازالت قائمة، فهى لم تلتزم بالاتفاقية الخاصة بالهدنة، فالمرحلة الأولى كانت شقين، الأول خاص بتبادل الأسرى، والثانى: الاتفاقية الإنسانية وهى التي لم تطبقها إسرائيل هذه الاتفاقيه، فقد طالبنا بدخول آلاف المعدات، وهى لم تسمح إلا بالعشرات منهم، ونحن نتحدث عن 400 ألف منزل يحتاجون إلى الإزالة، و1000 مسجد تم تدميره، و5 كنائس، ومنشأت تعليمية وصحية، فعلى الأقل نحن نحتاج إلى 2000 مُعدة ثقيلة، وللأسف جزء من تلك المعدات ستدخل لنُخرج شهدائنا من تحت الأنقاض، فهناك شهداء من عام ونصف لم نتمكن من إزالة الركام من فوقه.
نأمل أن تشهد الفترة القليلة المقبلة إنفراجة تقودها مصر، ونستطيع أن نُعمر بالشكل المطلوب، لأن إعمار غزة هو نصر لها، وتثبيت للناس، وإزالة لفكرة تهجير 2.5 مليون مواطن، يحدثوا ربكه سياسية ودولية، والمزاح "الغبى" بشأن بيع غزة، وتجاهل مُلاك هذه الأرض، لكننا مطمئنين لموقف مصر الراسخ الذى أوقف هذه المهزلة.
- كيف تتعاملون مع احتياجات نحو مليون ونصف مواطن فقدوا منازلهم وتعيش في ظروف صعبة حاليًا؟
للأسف يعيشون في خيام مصنوعة من النايلون، فى البرد الشديد، والمطر الشديد فقد تصل درجات الحرارة فى الليلة الواحدة إلى 2 أو 3 درجات، وهو عذاب للناس، ونتمنى أن ترفع هذه الغمة سريعا لعدم وجود بديل، فلا وجود للموارد في غزة، لا يوجد كيس أسمنت واحد، وإن وجد فهو مصنع منذ الحرب وأصبح غير صالح، لكن بالعزيمة كل شيء يسير.
- هل لديكم الأيدى العاملة اللازمة لإعادة الإعمار؟
كنت في عام 2000 مشرفا على الخطة الخمسية لتسيير الدولة الفلسطينية، وقد اقترحنا وقتها أن نحضر 500 ألف فلسطيني للبلد، فكان الرد أننا ليس لدينا القدرة الإنجازية، فالحد الأقصى لقدرتنا على البناء 20 ألف شقة في العام، ونحن الآن بحاجه إلى 400 ألف وحدة سكنية غير المدارس وغيره، لذلك نحن بحاجه ماسة إلى عمال وصناع، ومهندسين ومعدات، وخبرة، وكل ذلك ليس له مكان إلا مصر، وإلا فأننا لن ننجز، فنحن لدينا 14 ألف مهندس، وفى نقابة المهندسين المصرية يوجد 850 ألف مهندس، وبالتالي سنقترض 20 إلى 30 ألف مهندس، ومعهم 100 ألف فنى من الصناع المهرة لنستكمل المسيرة، وإلا فلن ننجز حتى إذا فتحت لنا كل الحدود.
- ما الإجراءات التي يمكن اتخاذها لضمان الاستدامة في مشاريع الإعمار؟
أول شيء هو تكوين أو إعداد خطة لإعادة الإعمار خلال شهر من الألف إلى الياء، سواء كان التخطيط، التنفيذ، أولويات، مشاريع، تمويل، والأيدى العاملة المطلوبة، ويتم اعتماد هذه الخطة كدليل ومرجع للاعمار ولا يُسمح لأحد أن يتخطاه، ونرى أنه يمكن للشركات المصرية أن يساهم القطاع الخاص المصرى بما لديه من قدرات وخبرات بنحو 30 مليار دولار من الـ70 مليار دولار المطلوبين لإعادة الإعمار، فمصر لديها قدرات "جبارة" في المقاولات، وقد وضعنا بالفعل بالتعاون مع أحد الشركات العاملة في سيناء تصور بشأن الكهرباء في غزة وتمديد الشبكات الكبرى والصغرى.
- ما رسالتكم للمجتمع الدولي بشأن أهمية دعم إعادة إعمار غزة؟
أرى أن مصر بالتعاون مع المجلس الفلسطيني للإعمار، وبعض الدول الخليجية تقود مؤتمر كبير لاستجلال الدعم وتحديده، على أن يتم بناءه على الخطة التي ستصيغها مصر لإعادة الإعمار، ويتم تمويلها بناءا على عناصر الخطة المختلفة، والتي في حال وجودها على أرض الواقع ستحقق 3 أمور هي: إغاثة عاجلة، إغاثة سكن، تنمية، لإعادة إحياء 2000 مصنع تم تدميرهم بالكامل، يعمل بهم نحو 100 ألف عامل، وغيرها من عناصر ضرورية للإعمار.
وفى النهاية، أود أن أشكر الحكومة المصرية على وقفتها الحديدية ضد التهجير، وردها بتشكيل لجان إعادة الإعمار والتوجه للإعمار، ونأمل أن يسفر ذلك عن أمور تخفف عن أهلنا في غزة بعد الفترة الصعبة التي عاشوا بها وفقدانهم لأفراد من أسرتهم ومنازلهم.