أصدر الملك فاروق مرسومه بتعديل وزارى فى حكومة النقراشى باشا خاليا من اسم الشيخ الأستاذ على عبدالرازق، المرشح وزيرا للأوقاف، فأثار بعض أقطاب حزب الأحرار الدستوريين عاصفة غضب، حسبما تذكر مجلة «آخر ساعة» فى تقرير بعنوان «كاد الأحرار الدستوريين يخرجون من الوزارة»، عدد 644، فى 26 فبراير 1947.
كانت أزمة كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، الذى ألفه عبدالرازق، سببا فى قرار الملك فاروق، وكانت وزارة «النقراشى باشا» المؤلفة فى 9 ديسمبر 1946 مكونة من 6 وزراء من «السعديين»، و6 من «الأحرار الدستوريين»، وفقا لعبدالرحمن الرافعى فى الجزء الثالث من كتابه «فى أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919»، وتذكر «آخر ساعة» أن الوزارة خلا منها منصب وزير الأوقاف باستقالة محمد على علوبة باشا، كما خلا منصب وزير المالية بتعيين وزيرها إبراهيم عبدالهادى باشا، رئيسا للديوان الملكى، خلفا لأحمد حسنين باشا، الذى لقى مصرعه فى فبراير 1946.
تضيف «آخر ساعة»: إن النقراشى رأى أن يملأ المنصبين الشاغرين «المالية» و«الأوقاف»، وأخذ الخلاف يدب بين صفوف «الأحرار الدستوريين» حول الأسماء المرشحة، وفجأة حدثت وفاة الشيخ الدكتور مصطفى عبدالرازق، شيخ الأزهر، يوم 15 فبراير 1947، فحسم النقراشى أمره بأن رشح أخيه على عبدالرازق وزيرا للأوقاف إلى جانب عبدالمجيد بدر باشا وزيرا للمالية، وممدوح رياض وزيرا للتجارة، ورفع مذكرة بذلك إلى الملك فاروق.
لم يأت ترشيح على عبدالرازق من فراغ، فهو ينتمى إلى «آل عبدالرازق» بقرية «أبوجرج» بمحافظة المنيا، وهم من أكبر العائلات الثرية بصعيد مصر، وكانت هذه العائلة من أقطاب حزب «الأحرار الدستوريين» منذ نشأته فى أكتوبر 1922، وتذكر «آخر ساعة» أنه حين علم أقطاب الحزب بترشيح على عبدالرازق للوزارة، أبدوا ارتياحهم بالإجماع حتى من كان منهم معارضا قبل ذلك، غير أن الجميع فوجئ بعدم وجود اسمه فى المرسوم الملكى، وتبين أن السبب فى ذلك هو أزمة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» التى حدثت عام 1925.. فماذا جرى فيها؟
تفجرت هذه الأزمة بعد أن أصدر على عبدالرازق كتابه الذى أثار عاصفة غضب هائلة ضده، وعقدت هيئة كبار العلماء جلسة لها يوم 12 أغسطس 1925، برئاسة شيخ الأزهر محمد أبوالفضل، لمناقشة على عبدالرازق فى آرائه، وفقا لأحمد شفيق باشا فى «الحولية الثانية 1925» من موسوعته «حوليات مصر السياسية»، مضيفا، أنه فى الساعة الثانية عشر والنصف من ظهر 12 أغسطس 1925 نطقت «هيئة كبار العلماء» حكمها، وكان نصه: «حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر وبإجماع آراء أربعة وعشرين عالما معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ على عبدالرازق، أحد علماء الجامع الأزهر والقاضى الشرعى بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية، ومؤلف كتاب «الإسلام وأصول الحكم» من زمرة العلماء».
يرى الدكتور محمد عمارة فى كتابه «معركة الإسلام وأصول الحكم»، خطورة حكم هيئة كبار العلماء فى أنها قالت فى حيثياته «إن الحكومة الدينية جزء لا يتجزأ من شريعة الإسلام»، وقضى «عبدالرازق» سنواته بعد صدور هذا الحكم بعيدا عن أية مناصب بعد أن فصل من عمله قاضيا بمحكمة المنصورة الشرعية فى 17 سبتمبر 1925، وبعدها سافر إلى لندن دارسا، وشمال أفريقيا سائحا، ومن هناك كتب عددا من المقالات التى نشرتها مجلة «السياسة» التى يصدرها حزب الأحرار الدستوريين.
هكذا كان الحال بعلى عبدالرازق، حين رشحه النقراشى باشا وزيرا للأوقاف، فماذا كان رد الفعل على رفض الملك لهذا الترشيح؟ تجيب «آخر ساعة» بأن أقطاب «الأحرار الدستوريين» ألقوا بالمسؤولية على النقراشى بالذات، وقالوا إنه كان واجبا عليه التأكد من أنه ليس هناك أى عقبات، غير أن النقراشى طمأنهم بأن العقبات توشك أن تذلل.
وتكشف «آخر ساعة» أنه تمت استشارة مشيخة الأزهر، فيما إذا كان الحكم الذى صدر من هيئة كبار العلماء يتعقب صاحبه إلى الأبد، فاجتمعت المشيخة فى 25 فبراير، مثل هذا اليوم، 1947، بحضور 19 من هيئة كبار العلماء وبعض أعضاء مجلس الأزهر الأعلى، وعرض عليهم وكيل الأزهر أن يلتمسوا من جلالة الملك العفو عن الأثر المترتب على الحكم، الذى أصدرته جماعة كبار العلماء ضد الأستاذ على عبدالرازق، ووافق الحاضرون من غير أعضاء الهيئة على الالتماس بالإجماع، أما أعضاء الهيئة فوافق منهم تسعة، بينهم الشيخ عبدالمجيد سليم المفتى السابق، والشيخ مأمون الشناوى وكيل الأزهر السابق، والشيخ إبراهيم حمروش شيخ كلية اللغة العربية السابق، وكان لهم موقف ضد تعيين الشيخ مصطفى عبدالرازق شيخا للأزهر، واستقالوا من مناصبهم بسبب ذلك.
تذكر «آخر ساعة» أنه بذلك سويت مسألة الأستاذ على عبدالرازق كوزير، وأعيد له الاعتبار.