- شهدنا إصابات تؤكد استهداف الكيان الصهيوني للأهالى بأسلحة محرمة دوليا أدت إلى ذوبان الجلد والعظام
- طبيب شاب فقد والديه وزوجته وأطفاله في غارة جوية.. وموظف شهد بعينيه اصطياد نجله من قناص صهيونى
- جميع مستشفيات غزة خارج الخدمة عدا 3 تخدم 1.5 مليون مواطن.. ومحاولات لإعادة تشغيل مستشفى الشفاء
- أحضرنا سرنجات وشاش وبلاستر وشرائح وخيوط جراحية من مصر لوجود نقص شديد بالمستلزمات الطبية
- أعداد كبيرة تعيش بالمخيمات تفتقد للرعاية الأولية تُنذر بتفشى أوبئة
بين أصوات سيارات الإسعاف وصيحات الألم، وبين أنقاض البيوت التي صارت رمادًا، وصل الطبيب المصري "حازم الحداد" إلى غزة، حاملًا معه حقيبته الطبية وكثيرًا من الإنسانية، لم يكن مجرد طبيب يؤدى واجبه، بل كان شاهدا على جروح لم تلتئم، وعيون تروي قصصا لا تنتهي عن الفقد والصمود.
مع أول وفد طبي مصري ضم 13 طبيبا متطوعا، شق "حازم" طريقه عبر المعابر، ليجد نفسه فى قلب معركة أخرى، ليست معركة سلاح، بل معركة حياة، حيث الوقت عدو، والأمل رغم كل شيء لا يزال ينبض، كيف بدت له غزة تحت الركام؟ ما الذي رآه فى عيون المرضى والمصابين؟ وكيف عاش تجربة التطوع فى أرض تصارع للبقاء؟ هذا ما يرويه لنا في هذا الحوار الخاص الذى أجراه معه "اليوم السابع".
• نص الحوار:
- في البداية.. حدثنا عن وضع القطاع الطبي في غزة، وكيف وجدتموه بعد وصولكم للقطاع؟
عند وصول الوفد إلى غزة، لم نجد سوى 3 مستشفيات مازالت تقدم الخدمات الصحية لمواطنى القطاع، وباقى المستشفيات خارجه عن العمل ومتوقفة تماما، من بينهم "الشفاء، المعمدانى، يوسف النجار، الأندونيسى"، وتقريبا كل المستشفيات الكبرى بالقطاع تم تدميرها، ولم يكن هناك سوى 3 مستشفيات تخدم القطاع بالكامل وجميعهم في الجنوب هم" ناصر في خان يونس، غزة الأوروبى برفح، وشهداء الأقصى في دير البلح وهى الأصغر بينهم، وذات إمكانيات محدودة وضعيفة جدا".
ومع بداية عملنا وجدنا أن المستشفيات تفتقد كافة الإمكانيات والمستلزمات اللازمة، وتعانى من نقص شديد في الأدوات والمعدات الطبية، تكاد تكون معدومة، لكننا استعدينا لهذا الأمر، حيث اصطحبنا معنا خلال رحلتنا من مصر إلى غزة كافة الأدوات والمستهلكات من سرنجات وشاش والبلاستر والغيارات على الجروح، والشرائح، والخيوط الجراحية، وكافة الأدوات التي تمكننا من القيام بدورنا، ورغم أن تلك الأدوات البسيطة موجودة من الطبيعى أن تتواجد بأى مكان طبى، لكننا كنا نعلم أنها غير متوفرة بغزة، لذا استعدينا لهذا الوضع لتقديم المساعدات اللازمة لأهالى غزة.
- حدثنا عن الدور الذى يقوم به وفد الأطباء المصرى منذ وصوله لقطاع غزة؟
نحن وفد يضم 13 طبيب وطبيبة وتمريض في تخصصات مختلفة من بينها: جراحات العظام، الكسور، الإصابات التكميلية وفقدان العضلات والأنسجة، الجراحات الميكروسكوبية، وإعادة بناء الأطراف بعد التهتكات أو فقدان العظام والجلد يتم إجراء تدخلات لتطويل الأطراف وإعادتها لطبيعتها.
- ما أصعب الحالات التي أثرت بكم؟
كل الحالات صعبة ومؤثرة جدا، هناك حالات تعانى من وجود بتر في طرفين أو ثلاثة أطراف، وكثيرا من بينهم أصيبوا أثناء النوم واستيقظوا فجأة فوجدوا أنفسهم بهذا الفقد، بعد تعرض منازلهم لقذف من القوات الصهيوينة، وهو أمر مرعب جدا، حيث فقدوا منازلهم وأصبح لديهم إصابات تحتاج إلى تدخلات عديدة ليعودوا إلى وضع قريب من طبيعتهم فقط، وليس لطبيعتهم كما كانوا.
- ما طبيعة الفئة العمرية للمصابين بتلك الإصابات الخطرة؟
الأطفال والسيدات أكثر المصابين، وكأن الأمر مقصود لاستهداف الأطفال والسيدات لخفض أعداد السكان، وهو أمر كافة الأطباء لاحظوا هذا الأمر فور وصولنا وبداية العمل، فأعداد الأطفال والسيدات المصابين كثيرة جدا جدا، وجميعها إصابات بها إجرام واضح تؤدى إلى إعاقات دائمة.
- ما متوسط الأعداد اليومية التي تُجرى لها تدخلات جراحية؟
تقريبا أجرينا أكثر من 200 جراحة في مستشفيين خلال 10 أيام، وأجرينا كشوفات على حوالى 1200 مريض، وقد قسمنا وفد الأطباء المصرى إلى قريقين يعملان بالتناوب في المستشفيين وفقا لاحتياجات كل منهما وتخصص كل عضو بالوفد الطبي المصرى، حيث نُعد قائمة بالجراحات في كل مستشفى، وبشكل يومى كنا نُجرى أعداد تتراوح من 15 إلى 20 جراحة.
- هل شهدتم إصابات تؤكد استخدام الكيان الصهيوني لأسلحة محرمة دوليا؟
نعم، بالطبع، كافة الإصابات بها رصاص مُتفجر وهو محرم دوليا، بالإضافة إلى الفوسفور الأبيض واضح جدا تأثيره على أنسجة الجلد والعضلات، وفقدان الأنسجة، وهو أمر لا يحدث من استخدام المتفجرات العادية، لكنها تنتج عن استخدام أسلحة محرمة دوليا، تؤدى إلى ذوبان الجلد والعظام والأنسجة بشكل كبير، وتحدث إعاقات وتؤدى إلى بتر الأطراف، فالإصابات جميعها التي شهدناها بها وحشية غير مسبوقة، فعلى مستوى كل الإصابات التي شاهدتها خلال مشاركتى فى علاج مصابى نزاعات دول مختلفة، ما شهدته في غزة أمر مختلف تماما.
- الفريق الطبي في غزة، كان من أكثر الفئات المستهدفة من قبل الكيان الصهيوني، فما وضعهم في الوقت الحالي؟ وما أكثر التخصصات الطبية التي يواجهون بها عجزا حقيقيا؟
كافة التخصصات بها عجز في غزة، فقد كان الأطباء بالفعل مستهدفين لذا كثيرا من بينهم استشهدوا، وآخرين رحلوا، والباقون من بينهم أعداد ضعيفة جدا، وأغلبهم من الشباب الصغير الذين لا يمتلكون الخبرات العملية الكافية لإجراء جراحات معقدة وحدهم.
- هل هناك محاولات لإعادة تشغيل مستشفيات بغزة؟
نعم، تشهد غزة في الوقت الحالي جهود لبدء إعادة تشغيل مستشفى الشفاء، وذلك عقب استهدافها من قبل قوات الاحتلال، منذ حوالى 10 أشهر، والذى أسفر عنه حجم تدمير شديد جدا، ودمرت مبانيها بشكل كامل.
- هل هناك رسالة تود توجيهها إلى المجتمع الدولي أو الجهات الصحية لدعم القطاع الصحي في غزة؟
أود أن أقول أن ما شهدته غزة كارثة إنسانية بكل المقاييس، فتدمير القطاع الصحى بهذا الشكل الذى شهدناه وخروج كل المستشفيات عن الخدمة عدا 3 يقدمون خدمات لنحو أكثر من مليون ونص مواطن فلسطيني هي سبقة تاريخية في القطاع الصحى لم نشهدها من قبل في أية حروب، فقد عملت في السابق في مناطق الصراعات والحروب مثل سوريا والصومال والعراق، لم نشهد مثل ما حدث في غزة، لم يحدث من قبل أن تعانى دولة من هذا النقص الشديد بالفرق الطبية، لم يحدث من قبل أن نشهد أزمة نقص مستلزمات طبية بهذا الشكل العنيف، غزة تشهد أزمة غير مسبوقة بشكل عام.
لذا أرى أنه على الجميع وكافة المنظمات الدولية المعنية بالقطاع الصحى أن تتحمل مسؤولياتها تجاه غزة لإعادة إحياء القطاع الطبي لعلاج المواطنين، وإلا سنستيقظ في يوم ما على كوارث طبية كبيرة لو لم تتدخل الجهات الدولية في القطاع الصحى بشكل حاسم في غزة، خاصة أن هناك فئة وأعداد كبيرة من المرضى في غزة موجودين في المخيمات دون رعاية طبية أولية، وهى رعاية عند فقدانها ينتج عنها تفشى أوبئة وأمراض متعددة ومشاكل صحية لعدم توفير تطعيمات للأطفال في المخيمات، وهو ما يؤثر على صحة الأجيال القادمة، لهذا هناك مشكلات كبيرة في القطاع تحتاج إلى تدخل عاجل من كافة الجهات المعنية بالقطاع الطبي بالعالم.
- هل شعرت بالندم على تطوعك بعد ما شهدته من تحديات في غزة؟
لا إطلاقا، فقد كنت أرغب في القيام بدورى الأخلاقى والإنسانى قبل أي شيء، فأهالى غزة هم أهالينا وأشقائنا ونتمنى أن نخدمهم، ووجودهم في أزمة يجعل كل منا لا يتأخر عن تقديم الخدمة لهم طالما كان قادرا على ذلك، فمنذ بداية الحرب على غزة، سارعت بالتسجيل ضمن قوائم المتطوعين لعلاج مصابى غزة فى نقابة الأطباء، ولجنة الأطباء بالقصر العينى، ووزارة الصحة للمشاركة في أي فرصة لمساعدة المصابين.
وبعد دخولى للقطاع، ومشاهدتى للكارثة الإنسانية التي يعانى منها على أرض الواقع وحجم الإصابات الكبيرة، والمشكلة الإنسانية والقصص المأساوية للمرضى، ومن فقد أهله بالكامل، حيث قابلنا طبيب شاب متدرب، في غارة جوية واحدة فقد زوجته، ووالده ووالدته وأبنائه، وأصبح وحيدا فجأة، وموظف بإحدى المستشفيات تم اصطياد نجله أمام عينه من أحد قناصة الكيان الصهيوني، ولم يتمكن من نقله لمكان آخر لدفنه أو مساعدته، وتركه ورحل، والكثير من المآسى الأخرى التي استمعنا لها منذ وصولنا إلى غزة، تجعلنا لا نندم أبدا على مجيئنا، بل نقول "الحمد لله" أننا اتيحت الفرصة لنا لتقديم الخدمات الممكنة لأهالينا بالقطاع.


.jpeg)

.jpeg)

.jpeg)
