أكرم محمد: لغز السيد س.. محاولات جديدة للتكلم

السبت، 06 ديسمبر 2025 05:30 م
أكرم محمد: لغز السيد س.. محاولات جديدة للتكلم غلاف كتاب لغز السيد س

بتحقق فعل الحكاية في افتتاحية الكتاب كفصل أول يبادر البحث عن فعل الحكي والكتابة، تتحقق الكتابة ذاتها، باعتبار الحكاية التصور الأولي للكتابة والفعل البدائي الذي بدأ معه التدوين، فالكتابة جاءت لتسجل حكاية ما؛ رجل عابر، حب متخيل، أو حكاية مدينة بأسرها. لذلك يعيد كتاب "لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال" للكاتب والفنان التشكيلي وليد علاء الدين، والصادر حديثا عن "دار الشروق"، تشكيل مفهوم الكتابة وفعلها، كما يعيد البحث عنها من خلال تجربة أولية تمثل الحكاية في صورتها المبدأية، حيث يفتتح النص وكأنه طفل يكتب للمرة الأولى، يكتشف المعنى، وتولد الكتابة مع بداية الكتاب.

يفتتح المؤلف الفصل الأول، المعنون بـ"الأسعد بن المحظوظ"، بعبارة: "مرحبا، اسمي الأسعد ابن المحظوظ"، وهي عبارة بسيطة تكاد تبدو بدائية، لكنها تمثل انبثاق الكتابة من الصفر. ومن خلال هذا المدخل يقدم وليد علاء الدين تصورا رمزيا للكتابة في مجتمعات مغلقة، حيث الكتابة تمرد على الصمت، وتعبير ومعرفة وثورة، وهي أيضا فعل يترك ندوبا. ففي نهاية الفصل يروي "الأسعد بن المحظوظ" معضلة الكتابة لديه: حين يحكي تفقد الحكاية بريقها، وهنا يكرس الكتاب فكرة أن الكتابة نحت للندوب، وأن الحكاية تفقد توهجها بمجرد خروجها من الخيال إلى اللغة.
من هذه النقطة تحديدا، حيث تتحول الندوب إلى خيال، والخيال إلى منتج إبداعي ملموس، يبدأ الكتاب بتعريف ذاته بوضوح أكبر. فيطرح سؤال الخيال بوصفه النواة الأولى للفن؛ فالخيال يسبق المنتج الإبداعي دائما، ومن هنا جاء العنوان الفرعي: "فن اقتناص الخيال في الكتابة". ويقول المؤلف: "أما لماذا اخترنا مفردة اقتناص من اقتنص على وزن افتعل؛ فذلك لأن هذا الوزن افتعل أو استفعل يدل على الطلب والاستمرارية. والقنص يزيد على الصيد بتضمنه طيف ترقب ومتابعة".
تتوسع الأسئلة استنادا إلى مفهوم الخيال لتفكيك فكرة الكتابة ذاتها، وأنماطها ومدارسها وأدواتها، بل وتفكيك مصطلح "الكتابة الأدبية". ويقدم الكتاب أطروحته في ثلاثة محاور تمثل ما يشبه مخططًا فكريًا للنص: تعريف لغوي، ثم بحث علمي مكثف، ثم محاكاة للفعل الفني عبر نص سردي قريب من شكل القصة القصيرة. وهكذا يقدم الكتاب منهجه عبر ثلاثة مسارات متوازية: المفهوم لغويا، بحثيا، وتطبيقيا عبر النص الموازي.
وفي هذا الجزء التطبيقي يناقش المؤلف علاقة الحواس بالخيال، وكيف يتحول الخيال إلى وسيط مادي قابل للتشارك، ويقول في ختام النص: "أدرك كذلك أن الخيال مثل البصمة، لا تتطابق بين شخصين، وأن تغذية الخيال بوعي أمر ممكن، وأن عليه استخدامه في التعبير عن نفسه بصورة مختلفة ولافتة. ولكن كيف يمكنه تحويل الخيال إلى وسيط صالح للمشاركة مع الآخرين؟".
يستقصي الكتاب، انطلاقا من فكرة "اقتناص الخيال"، مفاهيم متعددة حول الفن والكتابة بوصفهما تمردا أولا على الصمت. فالخيال هنا ندبة، تتشكل من التلقي ومن الذات، ومن الحواس التي تلتقط العالم وتحوله إلى داخل قابل للكتابة. ومن هذه النقطة يفتح الكتاب مساحة لاستكشاف المفاهيم الأدبية، وتقديم شواهد علمية، ومناقشة قضايا تقع في ثنائية العام والخاص: قضايا نقدية وأدبية واسعة، وأخرى مرتبطة بالمجتمع، ومنها مجتمع الصم والبكم، الذي تحضر رمزيته في الفصل الافتتاحي بوصفه مرآة للكتابة ذاتها؛ الكلام عندما يكون عسيرا، واللغة عندما تصبح محاولة للتكلم من جديد.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة