أجساد تنتظر الحياة.. وجوه لا تفهم الحرب وقلوب لا تحتملها.. ذوو الإعاقات الذهنية فى غزة جوعى للحياة والرحمة.. يصارعون الحرب بلا إدراك ولا دواء.. النزوح وعدم توافر الكراسى المتحركة والتأهيل مصاعب تواجه أسرهم

الجمعة، 07 نوفمبر 2025 06:00 م
أجساد تنتظر الحياة.. وجوه لا تفهم الحرب وقلوب لا تحتملها.. ذوو الإعاقات الذهنية فى غزة جوعى للحياة والرحمة.. يصارعون الحرب بلا إدراك ولا دواء.. النزوح وعدم توافر الكراسى المتحركة والتأهيل مصاعب تواجه أسرهم ذوي الإعاقة الذهنية

كتب: أحمد عرفة - جرافيك: أحمد جمال مرسى


<< والد طفلين مصابين بالشلل الدماغي: أشعر أن طفلى تركا ليموتا ببطء
<< الاحتلال يقتل مصابي متلازمة داون بالرصاص والكلاب البوليسية
<< والدة أيهم: ابنى لا يدرك معنى الحرب وأتحمل المسئولية لوحدي لأن والده أصم
<< مدير التأهيل في الإغاثة الطبية الفلسطينية: الاحتلال دمر المستشفيات المعالجة لذوي الإعاقة الذهنية
>> طفلة من ذوي الإعاقة لوالدتها: "خلص يا ماما اتركوني هنا واهربوا أنتم"
<< باحثة بالمرصد الأورومتوسطي: استهداف هذه الفئة انتهاك صارخ وجريمة ضد الإنسانية
<< أم لثلاثة أبناء مصابون بالشلل الدماغى: نزحت 8 مرات ولا أجد كراسي متحركة أو طعام مناسب لهم
<<  المادة 11 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تلزم الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان حمايتهم في أوقات النزاع
<< الإغاثة الفلسطينية: بعض ذوي الإعاقة الذهنية ظهر عليهم علامات اضطراب سلوكي
<< أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة قفزت بنحو 35% خلال الحرب

 

ذوو الإعاقات الذهنية غالبا لا يفهمون معنى "الحرب" أو "الحصار"، كل ما يعرفونه هو الجوع، فهم يطلبون الطعام بشكل مستمر، لأن قدراتهم المعرفية تجعلهم عاجزين عن الصبر أو التراكم الذهني حتى الوجبة التالية، ذوو الإعاقات الذهنية في غزة هم من بين أكثر الفئات تضرراً جرّاء الحروب، الحصار، وتردي البنية التحتية الصحية والاجتماعية.

الإعاقة الذهنية تشمل أولئك الذين يعانون من ضعف في القدرات المعرفية، الإدراكية، أو تطور ذهني غير كامل، وقد ترافقها إعاقات جسدية أو صحية أخرى، أما الأهالي فهم يتحملون عبئا مضاعفا يوميا في محاولة لتوفير الرعاية الأساسية: الأكل، العلاج، المسكن، والحماية، وقبل كل ذلك كيف يشرحون لأبنائهم أنهم في خطر وهم لا يدركون .

اقرأ أيضا:
 

القاهرة الإخبارية: واشنطن مصمّمة على ضمان تنفيذ وقف إطلاق النار فى غزة

 

معاناة رهف وفارس.. الأب يضطر لحملهما خلال النزوح

في خيمة مهترئة داخل أحد مخيمات النزوح قرب دوار 17 شمال غرب مدينة غزة، تعيش رهف التي تبلغ من العمر 16 عامًا وشقيقها فارس يبلغ من العمر 14 عامًا، مأساة يومية صامتة وسط ركام الحرب والحصار، خاصة أن الطفلان يعانيان من الشلل الدماغي منذ الولادة، ويعتمدان بشكل كامل على والدهما إبراهيم الزعيم.

يضطر الأب أن يقوم على رعاية أبنائه من إطعامهم وحملهم بشكل مستمر خلال النزوح أو التحرك من مكان لأخر، حيث يتحدث "الزعيم"، عن معاناة أولاده قائلا:  لا أفارقهما لحظة منذ تهدم منزلنا ولجوئنا إلى المخيم بعد العدوان الإسرائيلي، فرهف وفارس لا يستطيعان الجلوس أو الحركة أو الكلام، أنا أُطعمهم بيدي، وأُبدل لهم الحفاظات، وأحملهم على كتفي عند الحاجة، نعيش هنا في هذه الخيمة دون كهرباء أو ماء، لا حمام ولا خصوصية، ولا أي مؤسسة تقدم لنا يد العون".

عجز الأب عن شراء الدواء لنجله فارس في ظل انهيار المنظومة الصحية، حيث يضيف الزعيم: "في الأيام الأولى من النزوح لم يكن لدينا طعام كاف، والحليب الذي يعتمد عليه فارس غير متوفر، والأدوية توقفت منذ شهور، وحاولت التواصل مع جمعيات ومؤسسات، لكن الجميع إما مدمر أو عاجز، وأشعر أن أطفالي يتركون ليموتوا ببطء، بصمت وبدون أن يسمعهم أحد".

عجز كبير في الأدوات المساعدة لذوي الإعاقة الذهنية وهو ما يتطرق له الأب، قائلا :"أخاف كثيرا من الشتاء القادم فالطفلان لا يحتملان الحرّ ولا البرد، ولا نستطيع نقلهم أو حمايتهم، ولا أملك كرسي متحرك، ولا جهاز طبي واحد يساعدهم على التنفس أو النوم أو التغذية. نعيش من صدقات الناس، وإذا مرض أحدهما، لا أجد حتى مواصلات لأخذه إلى مكان ما".

ويتابع :"الواقع الذي تعيشه هذه الأسرة ليس استثناء، بل جزء من كارثة ممتدة طالت مئات الأطفال المصابين بالشلل الدماغي في غزة، والذين فقدوا في زحمة القصف والنزوح والانهيار التام في الخدمات الطبية والتعليمية والاجتماعية"..

وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية، أن الجمعية تقدم خدماتها لأصحاب الإعاقة الذهنية في غزة  بمدينة الأمل في خان يونس ورفح وجباليا، وذلك ما بين سن 6 حتى سن 16 عاما،  وما بعد عمر 16 عاماً يتم إدراجهم في برنامج التأهيل ما قبل  المهني، الذي يعتبر جزءا مهما من عملية التأهيل.

وأضاف في بيان لها، أن برنامج التأهيل يهدف الى تطوير وتنمية القدرات الجسمية والعقلية والاجتماعية والمهنية، وتعزيز الطاقات في العمل، وأيضا يساهم في عملية دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، وتمكينهم  من الصمود واعتمادهم على الذات في كافة المجالات.

الحرب تدمر حياة ذوي الإعاقة في غزة
الحرب تدمر حياة ذوي الإعاقة في غزة

 

 

أيهم جسد يتألم تحت وطأة القصف والجوع

أما والدة أيهم أبو ناصر، فمعاناتها تفوق معاناة إبراهيم الزعيم، خاصة أن لديها زوج أصم وابن من ذوي الإعاقة الذهنية، وهو ما من تلك السيدة الفلسطينية الموازنة بين رعاية الزوج الذي لا يستطيع التحدث، والابن الذي لا يتمكن من الحركة، وأو قضاء حاجاته.

أيهم طفل يبلغ من العمر 14 عاما، يعيش في مركز للإيواء في دير البلح وسط  القطاع مع والده الأصم ووالدته وأخوته الصغار، لا يدرك معنى الحرب ولكن جسده يتألم تحت وطأة القصف والجوع والبرد ويعاني من إنهاك نفسي جسدي.

وتكشف والدة أيهم رحلة النزوح المستمرة ومعاناة الحرب خلال 733 يوما من العدوان، قائلة: "قبل الحرب كنا نعيش في منزلنا في مخيم جباليا، ولكن مع اشتداد الحرب على غزة خاصة في الشمال اضطررنا للنزوح للوسط وكان أيهم وقتها ليس معتادا على السير مسافات طويلة، وكان المشي أولى الصعوبات وليس أخرها".

وتضيف :" بعد الحرب نقص وزن أيهم، لا يوجد طعام يكفيه، ولا دواء ولا مكملات غذائية تعوض جسده الهزيل ما يحتاجه، حتى الحفاظات الخاصة به غير متوفرة وإن توفرت فسعرها مرتفع للغاية يفوق 100 دولار للكيس الواحد".

أصبحت والدة أيهم تتحمل مسئولية ابنها بمفردها، خاصة أن والده أصم ولا يتفاعل أو يتعامل مع ما تمر به من مشكلات، كما أن أخوته أصغر منه ولا يمكن الاعتماد عليهم دائما، حيث تقول :"ابنى يصرخ كل ليلة من الخوف، ولا املك شيئًا لتخفيف ألمه سوى أن احتضنه وأبكي".

معاناة ذوي الإعاقة في غزة
معاناة ذوي الإعاقة في غزة

 

 

مأساه أم لثلاثة أبناء مصابون بالشلل الدماغى

معاناة الأسرتين السابقتين لا يساوى شيئا أمام مأساه أسرة "أم محمد محرم" التي تبلغ من العمر 57 عامًا، وتعيش في خيمة في دير البلح، حيث ترعى ثلاثة من أبنائها من ذوي الإعاقة بمفردها بعد أن هجرها زوجها منذ 20 عاما، مما زاد الأعباء عليها كثيرا، حيث توضح تلك الحياة الصعبة التي تعيشها: أكبر أبنائي محمد 34 عاما، وفضل 31 عاما، وفاطمة 29 عاما، وتكفلت وحدي بتربية أبنائي ورعايتهم، إضافة إلى خمس فتيات أخريات يتمتعن بصحة جيدة وتزوجن، ثلاثة من أبنائي وهم محمد وفضل وفاطمة يعانون من شلل دماغي مصاحب لإعاقة عقلية وحركية، ويُعانون كذلك من أمراض جلدية كالصدفية نتيجة قلة الحركة وسوء الظروف المعيشية".

رحلة نزوح صعبة تكررت ثماني مرات خلال الحر، من جباليا حتى وصلت في خيمة  دير البلح لا تليق بالبشر، قائلة: "معاناتي لم تقتصر على نقص الطعام والدواء، بل شملت قيامي بكل ما يحتاجه أبنائي بنفسي فكنت الأم والأب والممرضة والطبيبة والمُعيلة، وأقوم بكل شيء رغم معاناتها من الضغط والسكر ومرض الأعصاب".

المعاناة لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن الخرب تسببت في تلف الكراسي المتحركة الخاصة لأبنائها، مما جعلها تضطر حمليهم، حيث لا كراسي متحركة لهم ولا فرشات طبية ولا طعام أو أدوية تعينهم على تحمل مرارة الحرب، قائلة :"أعيش مع أبنائي الثلاث في خيمة تفتقر إلى الخصوصية والنظافة والرعاية، وتعبت ما في أحد يساعدني، حلمي أن أجد مكانا آمنا أعيش فيه أنا وولادي بكرامة".

ذوي الإعاقة في غزة
ذوي الإعاقة في غزة

 

كلاب جنود إسرائيل ينهشون جسد محمد بهار

واقعة استشهاد الطفل محمد صلاح بهار، من أصحاب الإعاقة الذهنية "متلازمة داون" في يوليو 2024، حي الشجاعية كانت مثال صارخ على حجم الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال ضد تلك الفئة، خاصة بعدما وجه جنود إسرائيليين كلابه نحو الطفل الفلسطيني خلال اقتحام منزل أسرته، لتنهش تلك الكلاب المتوحشة جسده.
ورفض الجنود علاجه ورغم تواصل الصليب الأحمر مع قوات الاحتلال المتواجدة في حي الشجاعية إلا أن إسرائيل ظلت على موقفها رافضة تقديم أي علاج للطفل المصاب حتى اكتشفت أسرة محمد استشهاده في 10 يوليو، وترتقى روحه إلى السماء تصرخ ظلم احتلال لم يرحم هذا الجسد الصغير.

وتؤكد ميرنا عمار الباحث بالمركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن واقعة استهداف الاحتلال للطفل محمد بهار من ذوي الإعاقة الذهنية تعد أبرز دليل على جرائم إسرائيل التي تخالف القانون الدولي، خاصة أن الطفل كان يعاني من متلازمة داون وتوحد وأطلق جنود تل أبيب الكلاب عليه خلال حصارهم منزل عائلته في حي الشجاعية .

محمد بهار
محمد بهار

 

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أسرة محمد بهار وجدوا جثته في المنزل بعد أن نهش الكلاب جسده وهو ما يؤكد أن الاحتلال لا يرحم أصحاب الإعاقة الذهنية ويستهدف كل أصحاب الإعاقات، لافتة إلى أن تمزيق جسد هذا الطفل من ذوي الإعاقة الذهنية انتهاك صارخ وجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب وفقا لنظام روما الأساسي.

وتوضح الباحث بالمركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن من أصعب ما يواجهه أصحاب ذوي الإعاقة النزوح المستمر وعدم وجود طعام وسوء التغذية ، لافتة إلى أن أصحاب الإعاقة الذهنية عانوا في تلك الحرب أصعب من أصحاب الإعاقة الجسدية لأنهم لا يفهمون ماذا يحدث حولهم ولا يتأقلمون مع الوضع الجديد.

الاحتلال يقتل "العبادلة"

الشاب الفلسطيني أحمد سعيد العبادلة، وهو أيضا من أصحاب " متلازمة داون"، لحق بقرينه محمد صلاح البهار، في ذات الشهر الذي استشهد فيه، بعدما قتلته قوات الاحتلال في خان يونس، وعثرت أسرته على جثته بعد انسحاب جيش الاحتلال من خان يونس.

أحمد العبادلة
أحمد العبادلة

 

بحسب ما يذكره صحفيون فلسطينيون، فأحمد سعيد العبادلة كان بالقرب من منزله قبل أيام في بلدة القرارة، قبل أن تلاحقه طائرات "كواد كابتر" وتطلق النار صوبه، وبعدها ظل مفقودا وسط مناشدات للبحث عنه حتى تمكن أقاربه بعد انسحاب جيش الاحتلال من العثور عليه شهيدا في شارع العبارة ببلدة القرارة شمال شرق خان يونس جنوب قطاع غزة .

ويؤكد الدكتور مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل في الإغاثة الطبية الفلسطينية، أن تلك الفئة التي تحتاج إلى رعاية طبية وتأهيلية مستمرة، تعرض لمحنة إنسانية غير مسبوقة نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي استمر لعامين، مشيرا إلى أن انهيار النظام الصحي بشكل كامل أدى إلى توقف معظم المراكز الطبية والتأهيلية التي تقدم خدمات لأطفال الشلل الدماغي.

ويضيف لـ"اليوم السابع"، أن المصحات التي كانت توفر جلسات العلاج الطبيعي، النطق، التأهيل الحركي والسلوكي أغلقت أبوابها بسبب القصف أو فقدان الكوادر الطبية، موضحا أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء والمياه مما يفاقم معاناة هذه الفئة، حيث تحتاج تلك الفئة إلى غذاء خاص، أدوية للتحكم بالعضلات، وأجهزة طبية مساعدة، كلها شبه منعدمة.

ويشير مدير برنامج التأهيل في الإغاثة الطبية الفلسطينية، إلى أن الكثير من ذوي الإعاقة الذهنية يعانون سوء التغذية، جفاف الحلق، ونوبات تشنج مستمرة، ما يتطلب تدخلاً طبياً عاجلا، لكنه مفقود تماما، وهناك فقدان لعدد من الأخصائيين الطبيين نتيجة القصف، وهروب آخرين بسبب الأوضاع الأمنية، مما يفاقم العجز في تقديم العلاج والرعاية.

القانون الدولي وذوي الإعاقة

وتنص المادة 11 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على أن تتعهد الدول الأطراف، وفقا لمسؤولياتها الواردة في القانون الدولي، بما فيها القانون الإنساني الدولي، باتخاذ كافة التدابير الممكنة لضمان حماية وسلامة تلك الفئة التي تتواجد في حالات تتسم بالخطورة، بما في ذلك حالات النزاع المسلح والطوارئ الإنسانية والكوارث الطبيعية.
كما تنص المادة 11 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على التزام الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان حمايتهم وسلامتهم في حالات النزاع والطوارئ الإنسانية، بينما تؤكد المادة 10 على أن لكل إنسان الحق الأصيل في الحياة، وعلى الدول اتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتع تلك الفئة بهذا الحق أسوة بغيرهم.
فيما تلزم الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في مادتها 26، الدول الموقعة باتخاذ تدابير فعالة لضمان حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى أقصى قدر من الاستقلالية، وتلزم المادة 11 منها بتوفير الحماية والدعم اللازمين في حالات الطوارئ.

اتفاقية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة تحميهم خلال أوقات الحرب
اتفاقية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة تحميهم خلال أوقات الحرب

 

وتنص المادة 9 على ضرورة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى البيئة المادية، والمعلومات، والخدمات العامة، بما في ذلك أماكن الإيواء، وكذلك تؤكد المادة 28 على الحق في مستوى معيشي لائق يشمل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.

ويوضح الدكتور مصطفى عابد، عائلات ذوي الإعاقة الذهنية تقف وحيدة في مواجهة أعباء هذه المسؤولية، خاصة مع انعدام الدعم الحكومي والمؤسساتي، وفقدان مصادر الدخل والموارد، مشيرا إلى أن هذه الفئة تحتاج إلى توفير الرعاية الطبية والتأهيلية المستمرة، وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وتوفير الغذاء المناسب للأطفال ذوي الشلل الدماغي، ودعم نفسي واجتماعي للأسر، وإنشاء مراكز تأهيل متنقلة وآمنة، وتأمين مياه نظيفة وكهرباء مستمرة تُمكن من تشغيل الأجهزة الطبية.

ويؤكد أن الحرب وما تبعها من دمار ونزوح متكرر أثرت بشكل مباشر على البيئة النفسية لذوي الإعاقة الذهنية، فبعضهم بات يظهر علامات اضطراب سلوكي، واضطراب في النوم، وقلق دائم، وهناك قصور شديد في التعامل الإعلامي والمؤسساتي مع هذه الفئة، فهم غير مرئيين، واحتياجاتهم لا تدرج ضمن أولويات التدخلات الإنسانية رغم هشاشة أوضاعهم، وهو ما يتطلب بضرورة إدراجهم ضمن الخطط الإنسانية والإغاثية العاجلة، وتوفير حماية خاصة لهم بموجب القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بحقوق تلك الفئة.

منسيون خلف ركام البيوت

ويظل أطفال الشلل الدماغي في غزة منسيين خلف ركام البيوت والخيام المتهالكة، حيث الصمت الدولي يجهز على ما تبقى من صراخهم، وفي ظل هذه الظروف الصعبة، وتظل تلك الفئة أسرى مأساة الحرب والصمت الدولي، يواجهون مصيرا مجهولًا وسط غياب الحلول الإنسانية والحقوقية.

وأعلنت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، خلال بيان في 27 مايو 2024 ، أن هذه الفئة تعيش بغزة في حالة من الكرب الشديد ويتوقعون أن يكونوا أول أو لربما ثاني من يُقتل بسبب محدودية فرص الفرار أو المشاركة في عمليات الإخلاء نتيجة عاهاتهم، موضحة أن غياب الإنذار المسبق بصيغ ميسرة، إلى جانب تدمير شبكات الاتصالات، جعل عملية الإخلاء مستحيلة بالنسبة إلى الفلسطينيين ذوي الإعاقة.
وأضافت أن الدمار الهائل الذي لحق بالمساكن والبنية التحتية المدنية وما نتج عنه من أنقاض قد قلّص من إمكانية التنقل الضرورية للفرار والإخلاء وطلب الحماية، محذرة من أن الأطفال ذوي الإعاقة معرضون لخطر الفصل عن الأسرة أكثر من غيرهم، وأن معاناتهم لا تحتمل.

تقرير الأمم المتحدة عن ذوي الإعاقة في غزة
تقرير الأمم المتحدة عن ذوي الإعاقة في غزة

 

حالة فتاة مصابة بشلل دماغي

وأعلنت اللجنة الأممية صدمتها برواية فتاة تبلغ من العمر 14 عاما مصابة بشلل دماغي، وهي لاجئة من شرق رفح، فقدت خلال الهجمات العسكرية أجهزة المساعدة الخاصة بها، بما في ذلك كرسيها المتحرك، فاضطر أهلها إلى حملها أثناء فرارهم من شمال غزة إلى جنوبها.

وبكت الفتاة المنهكة والمعرضة للخطر وصرخت يائسة: "خلص يا ماما، اتركوني هنا واهربوا أنتم، بينما لا يزال الخوف ينتابها نتيجة التحذيرات من العمليات العسكرية في رفح كما أنها لا تزال معرضة لخطر النزوح من جديد من دون الأجهزة التي تساعدها على الحركة، ليكشف وضع الفتاة البالغة من العمر 14 عامًا التوتر النفسي والصدمة المستمرة اللذين يعاني منهما الأطفال ذوو الإعاقة.

وأعربت اللجنة الأممية عن استيائها من أن الأطفال في المخيمات والخيام المكتظة باللاجئين فقدوا فرصتهم في التعليم والتأهيل، ومن بينهم مثلًا أمير، وهو طفل يعاني من إعاقة ذهنية فر مع والدته وشقيقه من خان يونس. وقد تدهورت حالة أمير وأمسى متوترًا للغاية منذ انتقاله إلى الخيمة.

وقبل 7 أكتوبر 2023، أبلغت 21 % من الأسر في غزة عن ضمها فردا واحدا على الأقل من ذوي الإعاقة، وتم تحديد 58,000 شخص من ذوي الإعاقة في قاعدة البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بينما منذ بداية الحرب، ارتفعت تلك الأرقام بشكل حاد وتصعيد الأعمال العدائية، ولا يزال من الصعب جمع بيانات ومعلومات موثوقة بشأن تلك الفئة.

 

تأثير تدمير المستشفيات على ذوي الإعاقة الذهنية
 

وأكدت اللجنة الأممية قلقها البالغ حيال الآثار غير المتناسبة على الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب تدمير المستشفيات وانقطاع الخدمات الأساسية والقيود المفروضة وعدم القدرة على الوصول إلى أي مساعدات إنسانية، بجانب عدم حصولهم على الرعاية الطبية والأدوية اللازمة لعلاج الأمراض المزمنة، والدعم النفسي والاجتماعي، بجانب تزايد مخاطر تعرضهم للموت أثناء عمليات تفتيش المستشفيات وقصفها، وتعرضهم للفوسفور الأبيض والتسمم الذي يسبب مخاطر جسيمة للإصابة بمزيد من العاهات.

وقالت اللجنة الأممية، إن الحصار الإسرائيلي تسبب في أزمة غذائية، ما أدى إلى تفاقم الوضع بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يواجهون حواجز مادية تعيق الوصول إلى نقاط التوزيع، كما أنّهم لا يستطيعون الحصول على أجهزة مساعدة أو دعم.

ويعيش الأطفال والبالغون من ذوي الإعاقة الذهنية في غزة مأساة مزدوجة، حيث لا يملكون أدوات الفهم الكامل لما يدور من حولهم، ولا يحظون في الوقت ذاته بالرعاية التي يحتاجونها لمواجهة آثار العدوان الإسرائيلي، ويعيشون في عزلة قسرية.

وفاة حالات بعد تدهور حالتهم الطبية وعدم توافر العلاج

ويواصل مصطفى عابد، تأكيده أن خدمات التأهيل والرعاية توقفت تماما بعد تدمير معظم المراكز الصحية والمؤسسات المختصة، كما لم تخصص أي خطة طارئة لرعايتهم في ظل النزوح والحرب وحتى قبل الحرب، حيث كان هناك قصور كبير في الخدمات، لكن اليوم نحن أمام حالة من الإهمال الكامل، فالعائلات لا تستطيع تأمين أدويتهم، وبعضهم فقد حياته نتيجة تدهور حالته دون تدخل طبي.

ويوضح أن الاحتلال لم يكتفِ بمحاصرة القطاع وحرمان سكانه من أبسط حقوقهم، بل دمر بشكل مباشر وغير مباشر المؤسسات التي كانت تقدم الدعم لذوي الإعاقة الذهنية، وخلال الحرب تعرضت العديد من المراكز التي كانت تقدم خدمات التأهيل والرعاية النفسية والطبية للقصف، ما أدى إلى توقفها الكامل، بعض هذه المراكز تحوّل إلى مراكز إيواء، وبعضها الآخر لم يعد يصلح للعمل بسبب الأضرار الهيكلية.

ويؤكد أن الاحتلال يستهدف المنظومة الصحية والاجتماعية بشكل ممنهج، وكأن المطلوب هو محو هذه الفئة من الوجود، أو على الأقل تركهم يواجهون مصيرهم دون أدنى دعم أو حماية، كما تعيش الأسر التي تضم أفرادًا من ذوي الإعاقة الذهنية تحت ضغط نفسي هائل، حيث تضطر للتعامل مع انهيار الرعاية وتفاقم الأعراض دون أي مساندة.

ويتابع مدير برنامج التأهيل في الإغاثة الطبية الفلسطينية، :"تأتينا اتصالات يومية من عائلات فقدت السيطرة على أطفالها المصابين بإعاقات ذهنية، بسبب الخوف أو الجوع أو انقطاع العلاج، وبعض الأطفال يصرخون لساعات دون توقف، وبعض الأمهات ينهارون نفسيا، وللأسف لا يوجد أي تدخل رسمي أو دولي يراعي خصوصية هذه الفئة، ولا حتى مبادرات مجتمعية تضمن لهم الحماية".

ويشير إلى أن هذه الحرب ستترك أثرا طويل الأمد على ذوي الإعاقة الذهنية في غزة، ويؤدي غياب العلاج والتأهيل إلى تدهور قدراتهم الإدراكية والنفسية بشكل خطير، وما يحدث الآن هو قتل بطيء، هؤلاء لا يصرخون بصوت عال، لكن مأساتهم أكبر من أن تحتمل، لا يمكننا الحديث عن تعاف مجتمعي دون أن نضع هذه الفئة في صلب خطط الإغاثة وإعادة الإعمار.

ارتفاع نسب ذوي الإعاقة خلال الحرب

وفي 17 أغسطس 2025، أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة قفزت بنحو 35% خلال الحرب، كنتيجة مباشرة للجرائم الإسرائيلية المستمرة، وعلى رأسها الهجمات شديدة التدمير الموجهة عمدا ضد المدنيين، والحصار الشامل، والتدمير المنهجي للمنظومة الصحية، والحرمان المتعمد من العلاج والخدمات الأساسية، ما أسفر عن وقوع عشرات الآلاف من الإعاقات الدائمة والمؤقتة ومعاناة جسدية ونفسية جسيمة، في إطار سياسة تدميرية منهجية تشكل جزءا أصيلا من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة.

 

وأضاف المرصد الأورومتوسطي، في تقرير له عبر موقعه الرسمي، أنه قبل الحرب قدر عدد ذوي الإعاقة في القطاع بنحو 58 ألف شخص، فيما تم تسجيل 21 ألف إصابة جديدة بالإعاقة الدائمة والمؤقتة خلال أقل من 23 شهرًا رفع نسبة ذوي الإعاقة الدائمة والمؤقتة إلى نحو 3.4% من إجمالي السكان، بفعل الجرائم الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة.

ولفت إلى أن العدد الأساسي البالغ 58 ألفا قبل أكتوبر 2023 لم يكن رقما طبيعيا أو مرتبطًا فقط بأسباب صحية أو وراثية، بل نتج في معظمه عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع عبر السنوات، بما في ذلك الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة، والهجمات العسكرية المتلاحقة التي خلفت آلاف الإصابات الدائمة، ما يؤكد أن إسرائيل انتهجت أساليب منظمة لإيقاع أكبر عدد ممكن من ذوي الإعاقة في غزة، بصورة مقصودة ومستمرة، حتى قبل العدوان الحالي.

وصف المرصد الأورومتوسطي ممارسات الاحتلال ضد ذوي الإعاقة تحت وقع النزاع بأنها انتهاكات ممنهجة ترقى لجريمة إبادة جماعية، مشيرا إلى أن إسرائيل لم تكتفِ بتدمير المنظومة الصحية في غزة، بل استهدفت كذلك المرافق والمؤسسات الحيوية التي تقدّم خدمات مباشرة للأشخاص ذوي الإعاقة.

تقرير المرصد الأورومتوسطي عن ذوي الإعاقة في غزة
تقرير المرصد الأورومتوسطي عن ذوي الإعاقة في غزة

 

وأكد أن جميع المراكز والجمعيات المتخصصة دمرت أو تعرضت لضرر بالغ، حيث طالت عمليات التدمير نحو 80% منها بشكل كامل، بما في ذلك جمعية السلامة الخيرية، وجمعية بيتنا للتأهيل، وجمعية جباليا للتأهيل، والاتحاد العام للمعاقين، وجمعية أطفالنا للصم، واستراحة الشاطئ المهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، ونادي السلام الرياضي للأشخاص ذوي الإعاقة، وجمعية رابطة الخريجين للمعاقين بصريا، وجمعية الحق في الحياة، ومركز الإعاقة والدمج في الجامعة الإسلامية، وعيادة اضطراب التخاطب في الكلية الجامعية، وجمعية الأمل لتأهيل المعاقين في رفح، وجمعية الأصدقاء لتأهيل المعاقين في رفح، وجمعية المعاقين حركيًا في رفح، مؤكدا أن هذا التدمير الواسع لمؤسسات الإعاقة يهدف إلى محو البنية المؤسسية التي كانت تضمن لهذه الفئة خدمات الدعم والتأهيل، بما يعمق آثار الإعاقة ويحرم المصابين من أبسط حقوقهم.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة