كيف محت الحرب ملامح القطاع؟.. غزة الجديدة مدينة تبحث عن نفسها.. خرائط مفقودة ومدينة بلا عنوان.. البلديات تحصى الخسائر وتحاول أن تبقى المدينة حية.. وغزيون: سنعود حتى ولو لم يبقى سوى الرماد.. صور وفيديو

الخميس، 06 نوفمبر 2025 08:00 ص
كيف محت الحرب ملامح القطاع؟.. غزة الجديدة مدينة تبحث عن نفسها.. خرائط مفقودة ومدينة بلا عنوان.. البلديات تحصى الخسائر وتحاول أن تبقى المدينة حية.. وغزيون: سنعود حتى ولو لم يبقى سوى الرماد.. صور وفيديو غزة المدمرة

كتب رامى محيى الدين – أحمد عرفة

"مات قهرًا... لأن القلب في غزة لم يعد يحتمل"

– يافا أبو عكر تصف كيف تحول الحزن اليومي إلى موتٍ صامت يكتب الأطباء سببه "سكتة قلبية"

"الركام مكان الأحلام"رجل يعود إلى بيته ليجد جدران طفولته رمادًا وذاكرته تئن تحت الأنقاض

"لم نمنح حق العودة بعد!" بسمة أبو شهلا: وقف إطلاق النار "وهمي"... والرصاص ما زال فينا

"البيت ما عاد بيت... والمدينة ما عادت مدينة" شهادة إنسانية تختصر مأساة النازحين العالقين بين الرماد والحنين.

"نعيش في انتظارٍ معلّق... لا موتٌ يريح ولا حياةٌ تعود" صدى يوميات الغزيين بعد عامين من حربٍ أحرقت كل شيء

"الوضع يُرثى له... الناس تائهون ولا أحد يعرف من أين يبدأ"بسمة توصف الواقع النفسي والاجتماعي بعد الهدنة: اكتئاب – تيه - خوف من المجهول

"حتى البلديات لم تسلم من الحرب" دير البلح تُحصي خسائرها: مبانٍ مهدّمة، مياه ملوثة ونفايات تغطي الشوارع
 

حين عاد الناجون إلى مدينتهم بعد شهور من النزوح، لم يجدوا الطريق إلى بيوتهم، لأن البيوت نفسها لم تعد موجودة، الخرائط التي رسموها في ذاكرتهم لم تعد تطابق الأرض، واللافتات التي كانت تدل على الأحياء اختفت تحت الركام، في غزة اليوم، لا عناوين تشير إلى أحد، ولا بيوت تحفظ أسماء أصحابها، فقط أحياء تحوّلت إلى أطلال، وطرق ضائعة لا تنتهي إلا عند الحجارة.

العودة لم تكن إلى مدينة كما كانت، بل إلى أطلال بلا ملامح، حيث يبحث الناس عن أنفسهم بين أنقاض الذاكرة والجدران المنهارة. من حي الشجاعية إلى تل الهوى، تتشابه المشاهد وتتوحد الأصوات، وجوه تائهة، وخرائط لا تقود إلى شيء، ووطن صغير يعيش بلا عنوان.

 

في غزة... حتى القلوب تموت قهرًا

في وصفٍ موجعٍ يعكس الواقع القاسي الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة، أدلت الصحفية الفلسطينية يافا أبو عكر بتصريحٍ إنساني مؤثّر قالت فيه: "في غزة، يعود الرجل إلى بيته فيجد الركام مكان الأحلام، يمسك حجرًا كان جزءًا من جدارٍ يحتضن ضحكة أطفاله، ويصمت، ينحني، يبكي، ثم يعود إلى خيمته، وفي اليوم التالي يرحل دون وداع. يكتب الأطباء: سكتة قلبية، لكننا نعرف الحقيقة، مات قهرًا، لأن القلب في غزة لم يعد يحتمل هذا الكمّ من الفقد والظلم."

وتابعت يافا أبو عكر: "في غزة، تتعدد أشكال الموت؛ قذيفة، جوع، برد، قهر، وقلبٌ توقف من وجعٍ لا يُحتمل"، حيث يأتي هذا التصريح ليؤكد أن ما يحدث في غزة ليس دمارًا ماديًا فحسب، بل تدمير بطيء للروح والكرامة والقدرة على الاحتمال، فالموت في القطاع لا يشبه الموت في أي مكان آخر ، إنه حكاية وجع مستمر، وانكسار يومي لا يُدون في التقارير الطبية.

وفي 2 نوفمبر، أعلنت بلدية غزة، أن 260 ألف طن من النفايات متكدسة في شوارع ومكبات غزة الفرعية، و85% من المعدات والآليات الخاصة بجمع النفايات دمرها الاحتلال.

لم نُمنح حقّ العودة بعد... لكننا ما زلنا ننتظر
 

وكذلك في تصريحٍ مؤثر بثته اليوتيوبر الفلسطينية بسمة أبو شهلا من داخل قطاع غزة، عبرت فيه عن وجع العودة المؤجّلة والانتظار الذي لا ينتهي، قائلة: لم نُمنح حقّ العودة بعد، وقفُ إطلاقِ نارٍ وهميّ، فقد حشروا بيتنا ضمن المنطقة الصفراء، وربع البيت ما زال على حاله هناك، يشيخ وحيدًا مثلنا، وقف إطلاق النار ساري، لكن الرصاص ما زال فينا، في تفاصيلنا، في هذا الانتظار المتجمّد الذي لا ينتهي.

بسمة أبو شهلا داخل منزل أسرتها المدمر
بسمة أبو شهلا داخل منزل أسرتها المدمر

 

ونشرت صورتين لمنزل أسرتها المدمر، وعلّقت قائلة: "بين الصورتين سبعة أشهر، سبعة أعمارٍ من الانتظار المعلّق على خيطٍ رفيع بين الرجاء والمنع، بينهما مسافة من حنين يتعفّن في الصدر، لا يزول ولا يهدأ، فقط يتحول إلى غصة تعرف طريقها جيدًا نحو القلب.

"إحدى الصورتين كانت لحظة التقاط الأنفاس بعد خنقٍ طويل على يد غول لا يرحم، كنا نحاول أن نقنع أنفسنا أن الدمار يمكن أن يكون بداية، أن الجدران المهدّمة قادرة على احتضاننا ولو مؤقتًا، أن نزرع في التراب ذاكرة جديدة تُنبت طمأنينة ولو بحجم كف، كنا نلم شتاتنا كمن يجمع فتات قلبه بعد الخذلان، ونبتسم كي لا ننهار أمام فكرة الفقد المتكرر"، هكذا تصف بسمة أبو شهلا الوضع بعد وقف إطلاق النار.

وتابعت: "ثم جاءت الصورة الثانية كصفعةٍ باردةٍ من واقعٍ لا يمل من إيلامنا، لم يعد في البيت بيت، ولا في الجدران ظل دفء، أجلس على الشباك بلا إطار، والهواء بلا رائحة سوى الرماد، أقف عند الحافة، أنظر نحو المدينة التي لم تعد مدينة، وأتساءل: هل تُرى النجاة نوعٌ آخر من التيه؟ أن تصبح الأرض التي وُلدتَ عليها مسرحًا للصدف لا للسكن؟ إلى لقاءٍ آخر يا بيتنا، إن قُدّر للخطى أن تعود، وإن بقي في القلب متّسعٌ آخر للحياة بعد كل هذا الرماد، سنعود."

بسمة ابو شهلا داخل منزلها المدمر
بسمة ابو شهلا داخل منزلها المدمر

 

يأتي تصريح بسمة أبو شهلا ليُجسد بصوتٍ إنسانيّ حيّ ما تعيشه آلاف العائلات الفلسطينية التي حُرمت من العودة إلى بيوتها، وليؤكد أن "النجاة في غزة" لم تعد تعني الحياة فقط، بل القدرة على البقاء وسط الرماد بكرامةٍ وذاكرةٍ لا تموت.

"الواقع ما زال قاسيًا ومجهولًا"
 

وسعت أيضا إلى بث الأمل في نفوس أهل غزة، رغم ما وصفته بالواقع المظلم والمأساوي الذي يعيشه النازحون، قائلة: "بغض النظر عن بكرة، سنبدأ من اليوم سلسلة خفيفة لطيفة تبث فينا الأمل. صراحةً، أنا في هذه المرحلة أتمنى من يُبث الأمل في قلبي، فالوضع كارثي جدًا.

وأكدت أن إعلان وقف إطلاق النار لم ينعكس فعليًا على أرض الواقع، موضحة: "تم وقف إطلاق النار على القنوات الإخبارية فقط، واقعيًا الوضع مختلف جدًا. كنت أظن أنه بمجرد الإعلان سأعود إلى بيتي، لكني ما زلت حتى الآن نازحة، وغير قادرة على العودة.

وكشفت أن عودتها لمنزلها لم تكن ممكنة إلا مرة واحدة وبمخاطرة كبيرة، قبل أن تُفرض حدود جديدة تُعرف بـ الخط الأصفر، والذي أصبح منزل عائلتها ضمن نطاقه، مما يعني أنه بات في منطقة عازلة تستحوذ على ما يقارب 50% من مساحة القطاع.

وتصف "بسمة"، المشهد العام بقولها: "الوضع يُرثى له، الناس تائهون، لا أحد يعرف من أين يبدأ أو كيف يستعيد حياته، الحرب النفسية والآثار المتراكمة بدأت تظهر في شكل اكتئاب مقيد."

واختتمت رسالتها بتطلّعٍ حذر للمستقبل، قائلة:"أتمنى أن تتحسن الأوضاع في الأيام القادمة، ونقدر نرجع لبيوتنا على الأقل، والله المستعان."

بلدية دير البلح: خسائر وأضرار جسيمة خلال عامين من الحرب على غزة
 

من جانبها نشرت بلدية دير البلح تقريرًا مبدئيًا كشفت خلاله عن خسائرها الكبيرة في معظم القطاعات العاملة نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.

دمار ببلدية دير البلح
دمار ببلدية دير البلح


وأشار التقرير إلى أن العدوان أدى إلى دمارٍ كبير في البنية التحتية والمرافق الحيوية في المدينة، حيث بلغ طول شبكات المياه المدمرة والمتضررة 27 ألف متر طولي، إلى جانب 19 ألف متر من شبكات الصرف الصحي المدمرة والمتضررة، و1300 متر من شبكات مياه الأمطار، و50 ألف متر من شبكات الطرق المعبدة في المدينة، إضافة إلى تدمير 75 ألف متر طولي من الأرصفة.

وأكد التقرير أن أكثر من تسعة آبار مياه رئيسية دُمّرت بالكامل، إلى جانب ثلاث محطات تحلية مياه وخزان مياه رئيسي، كما تضررت أربعة آبار رئيسية أخرى ومحطتا تحلية مياه ومضختان للصرف الصحي جزئيًا.

حجم الدمار في بلديات قطاع غزة بسبب الحرب
حجم الدمار في بلديات قطاع غزة بسبب الحرب

 

وأوضح التقرير أن إجمالي عدد المباني والمقرات المدمّرة كليًا والتي تملكها البلدية بلغ ستة مبانٍ، من بينها المبنى الرئيسي للبلدية، إضافةً إلى مخزنين رئيسيين تم تدميرهما بما يحتويانه من قطع غيار ومعدات ومواد. كما لحِق الضرر بثلاثة مبانٍ وثلاثة منتزهات وحدائق عامة، في حين دُمّرت ثلاثة منتزهات وحديقتان وملعبان معشبان بالكامل.

وأكدت البلدية أن ممارسات الاحتلال غير الأخلاقية ضد المؤسسات المدنية المحمية بموجب القانون الدولي أدت إلى تدمير أربع آليات وثمانية أنظمة طاقة شمسية وسبعة مولدات كهربائية خرجت عن الخدمة كليًا، فيما بلغ عدد المولدات المتضررة جزئيًا خمسة مولدات. كما وصل طول شبكات إنارة الشوارع المدمّرة كليًا إلى 120 ألف متر طولي، فيما بلغ عدد أعمدة الإنارة وفوانيسها المدمرة 1000 وحدة.

وأشارت إلى أن كمية النفايات الصلبة المتراكمة داخل المدينة تجاوزت 500 ألف طن، في حين بلغ عدد حاويات النفايات المدمّرة 400 حاوية بمختلف الأحجام، مؤكدة الحاجة الماسة إلى آليات ثقيلة ومتوسطة لفتح الشوارع وإزالة الركام.

 

وعقدت البلدية اجتماعًا موسعًا بعد وقف الحرب مع مديري الدوائر لبحث خطة التعافي، ووضع آلياتٍ عمليةٍ للاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للسكان رغم التحديات، حيث أكد المجتمعون أن طواقم البلدية واصلت عملها على مدار الساعة خلال فترة الحرب، رغم المخاطر الجسيمة ونقص الإمكانات، لضمان الحد الأدنى من الخدمات الحيوية كالمياه والصرف الصحي وإزالة الركام.

وشدد رئيس البلدية نزار عياش على أهمية تعزيز التنسيق بين الدوائر المختلفة وتحديد الأولويات وفق احتياجات المواطنين، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب جهودًا استثنائية لمواصلة العمل في ظل الظروف الراهنة.
وأعربت البلدية عن أملها في أن تُثمر هذه الجهود في التخفيف من معاناة المواطنين وتعزيز صمودهم، مؤكدة التزامها بمسؤولياتها تجاه أبناء المدينة رغم صعوبة المرحلة.

وفي 24 أكتوبر، أصدر الدفاع المدني في غزة بيانًا أكد فيه أن الكارثة الإنسانية في القطاع ما زالت على حالها منذ وقف إطلاق النار، وأن ما دخل من مساعدات وشاحنات لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان. وأوضح البيان أن المنازل ما زالت مدمرة، والجثامين ما زالت تحت الأنقاض، والطرق مغلقة بالركام، فيما تعمل الطواقم بإمكانات شبه معدومة وسط دمار هائل يغطّي كل مكان.

حجم الدمار في دير البلح
حجم الدمار في دير البلح

 

ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى التحرك الفوري لإعادة إعمار غزة، وإزالة الركام الناتج عن الدمار الواسع، وإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لفتح الطرق وانتشال الجثامين، مؤكدًا أن استمرار منع إدخال المعدات يفاقم الكارثة ويعيق عمل الطواقم الميدانية.

وأشار البيان إلى أن كوادر الدفاع المدني تعمل في ظروف معيشية وصحية قاسية للغاية، وسط دمار شامل للبنية التحتية والمناطق السكنية، ما يجعل التدخل الدولي العاجل ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل.

واختتم الدفاع المدني دعوته بالمطالبة بـ تأمين ممرات إنسانية آمنة لعمل فرق الإنقاذ والطواقم الطبية، وتوفير دعم لوجستي وتمويلي عاجل لعمليات إزالة الركام وإعادة تأهيل البنى التحتية، وضمان الحماية القانونية والإنسانية لجميع العاملين في الميدان.

من جانبه وفي تصريح مؤثر، قال الصحفي الفلسطيني يحيى يعقوبي: "سأعود إلى غزة لأن ارتباطي بها ليس بالحجارة، بل بالروح. في الوقت الذي كنت أستعد فيه للعودة إلى مدينة غزة، وصلني فيديو يُظهر تدمير شقتي بالكامل في عمارة سكنية، ورغم قسوة الابتلاء في هذه الظروف العصيبة، إلا أننا نطلب العوض من الله في الدنيا والآخرة."

فيديو ليحيى يعقوبى

وأضاف: "سأعود إلى غزة من النزوح، لأن ارتباطي بها ليس في الحجارة، بل هو ارتباط روحي، وارتباط بأرضٍ يمكن دائمًا إعادة إعمارها. وُلدت بلا مأوى كوني لاجئًا، وكبرت في واقعٍ صعب وسط ارتفاع كبير في أسعار الشقق، عشت تسع سنوات في الإيجار، واشتريت شقة العمر قبل عامين من الحرب، بعد كفاح طويل وتعبٍ مستمر، ولم نتمكن حتى من سداد جميع أقساطها بعد، وكانت شقة الحلم، شقة الأمان."

منزل يحيى يعقوبى المدمر
منزل يحيى يعقوبى المدمر

 

وتابع: "ذهب ما هو أغلى من الحجارة، لكننا نسأل الله أن يعوضنا خيرًا مما فقدنا، وأنا مؤمن بأن الله سيبدلنا ما هو أفضل. الحمد لله على كل حال، في السراء والضراء، وقلوبنا تبقى معلقة دومًا في غزة الحبيبة."

ويعكس هذا التصريح وجع الفلسطينيين الذين لا يملكون ترف الرفاه، بل يعيشون على حافة الفقد الدائم، ويُثبت أن الانتماء لغزة لا يتزعزع رغم الخسارة؛ فالغربة مؤقتة، أما العودة إليها فهي قدر لا بد أن يتحقق.

وواصل يحيى يعقوبي حديثه عن منزله قائلاً: "هذا بيتنا، وهذا هو شقاء العمر. هذه العمارة السكنية التي كنت أعيش فيها تحولت إلى مكان غير صالح للسكن بعد أن دمّرها الاحتلال، كانت تضم أكثر من ثلاثين عائلة. اشتريت فيها شقة بعد سنوات طويلة من المعاناة، قضيت أغلبها متنقلا بين بيوت الإيجار، وقبلها عشت لاجئا بلا مأوى منذ ولادتي، وحين كبرت وعملت في حقل الصحافة، تمكنت أخيرًا من شراء هذه الشقة بمبلغ كبير في ظل ارتفاع أسعار العقارات في مدينة غزة، اشتريتها قبل الحرب بعامين فقط، وكانت حلم العمر، ثم جاءت الحرب."

وتابع: "نزحنا خمسة عشر شهرًا إلى جنوب القطاع، وعدنا بعد ذلك إلى البيت فوجدناه ما زال صالحًا للسكن، فأوانا لثمانية أشهر، لكننا اضطررنا للنزوح مجددًا قبل شهر، وعدنا اليوم لنجد هذا الدمار الهائل الذي أصاب البيت ومحيطه بأكمله. المنطقة السكنية التي نعيش فيها، المعروفة بمحيط مفترق الغفري في شارع الجلاء، دُمرت بالكامل، وهذه بيوت الجيران الذين عرفناهم وجمعتنا بهم ذكريات طويلة، تحولت إلى أكوام من الركام، ولم تعد هناك مقومات للحياة، فأينما تتجول لا ترى سوى الخراب والدمار الكبير."

الشقة السكنية المدمرة ليحيى يعقوبى
الشقة السكنية المدمرة ليحيى يعقوبى

 

وقال يحيى يعقوبي: "الاحتلال يريد أن يضع الناس أمام خيارات صفرية: إما الهجرة، أو القبول بالعيش في خيمة. لكن هذا هو منطق الاحتلال، أما نحن فلدينا منطق آخر. نحن لم نرتبط بالحجارة مطلقًا، ارتباطنا بالأرض، وبالهواء، نحن نتنفس عشق غزة ونحب ترابها. سنعيش فوق الركام، في أي مكان، في خيمة أو بين الأنقاض، المهم أن نبقى على هذه الأرض، وأن نبقى في غزة. لن نهاجر كما يتوهم الاحتلال، نعم، نبكي ألمًا من الداخل، نعتصر وجعًا، لكننا لن نذرف دمعة واحدة تفرح العدو. وسنبكي فقط دموع الانتصار، دموع الفرح، عندما نعيد بناء بيوتنا ونعمر بلادنا من جديد."

 

بلدية خان يونس: جهود متواصلة وسط الدمار وشُحّ الإمكانات

وفي محاولة لإزالة بعض من الدمار الذي خلفته الحرب، انطلق في 21 أكتوبر مشروع صيانة بئر السطر (2) شمال غرب مدينة خان يونس، بالتعاون مع مصلحة مياه بلديات الساحل، وبدعم من مؤسسة أوكسفام. وتشمل الأعمال إعادة تأهيل حفرة البئر بشكل كامل، وتأهيل منظومة الضخ، وتنفيذ الأعمال الكهروميكانيكية، إضافة إلى تجهيز غرفة التحكم. وتبلغ القدرة الإنتاجية للبئر نحو 65 مترًا مكعبًا في الساعة.

مشروع صيانة بئر السطر (2) بخان يونس
مشروع صيانة بئر السطر (2) بخان يونس

وفي 20 أكتوبر بدأت أعمال صيانة الخط الناقل لبركة تجميع مياه الأمطار الواقعة شمالي حي الأمل غرب مدينة خان يونس، بتكلفة 43 ألف دولار، بتمويل من مؤسسة أوكسفام، وبإشراف بلدية خان يونس ومصلحة مياه بلديات الساحل وجمعية أصدقاء البيئة، من خلال إحدى شركات المقاولات المحلية، ويجري حاليًا تجهيز وتركيب المولد الكهربائي للمساهمة في خفض منسوب المياه داخل حوض التجميع الرئيسي في البركة، بعدما بلغ مستوى خطرًا يهدد خيام النازحين القاطنين في المنطقة المحيطة.

صيانة الخط الناقل لبركة تجميع مياه الأمطار بخان يونس
صيانة الخط الناقل لبركة تجميع مياه الأمطار بخان يونس

وفي 18 أكتوبر عقدت بلدية خان يونس اجتماعًا مع رؤساء لجان الأحياء، لمناقشة خطة تقديم الخدمات في المناطق التي انسحب منها الاحتلال مؤخرًا، وتنسيق آلية العمل وفق الأولويات المتاحة، لتسهيل عودة المواطنين والنازحين إلى ما تبقّى من منازلهم.

مظاهر الدمار في خان يونس
مظاهر الدمار في خان يونس

 

وتعمل البلدية على فتح الشوارع وإزالة الركام لتأمين انسيابية حركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني، في ظل تراكم نحو 400 ألف طن من الركام في شوارع المدينة فقط، نتيجة الاستهدافات المتكررة. وتعاني البلدية من صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الكم من الدمار في ظل شُح الموارد والمعدات.

أرقام عن مظاهر الدمار في خان يونس
أرقام عن مظاهر الدمار في خان يونس

 

كما أعلنت البلدية عن إطلاق خدمة الاستعلام عن بيانات الوحدات والمباني، لتسهيل الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة المتعلقة بكافة العقارات داخل المدينة، بهدف تمكين أصحاب الملكيات من الاطلاع على بياناتهم بسهولة.

ووجه رئيس بلدية خان يونس الدكتور علاء الدين البطة الشكر لكافة الوسطاء والداعمين، موضحًا أن 80% من مساحة محافظة خان يونس مدمرة بالكامل، وأن كمية الركام في الشوارع تتجاوز 400 ألف طن، فيما تتراكم مئات الآلاف من الأطنان الأخرى في الأحياء جراء تدمير المنازل والمشروعات الاقتصادية.

وقال الدكتور البطة: "أطلقنا تسع فرق ميدانية لفتح الشوارع، لكننا بحاجة إلى معدات وآليات ضخمة نظرًا لكمية الركام الهائلة التي تغلق الطرق"، مطالبا المجتمع الدولي والمنظمات العالمية بضرورة إمداد بلديات القطاع بالآليات والمعدات اللازمة، لاسيما في قطاعات المياه والصرف الصحي والنظافة، والتدخل العاجل لإدخال الجرافات والآليات الثقيلة لرفع الركام وفتح الطرق، إضافة إلى توفير الوقود لتشغيل المرافق الخدمية لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية.

ولفت إلى أن الاحتلال دمر نحو 206 آلاف متر طولي من شبكة الطرق، أي بنسبة 82% من إجمالي الشبكة، إضافة إلى 296 ألف متر طولي من شبكة المياه تضررت كليًا أو جزئيًا بنسبة 86%، كما خرجت 36 بئر مياه عن الخدمة بالكامل، ودُمّرت 3 خزانات مياه مركزية.

وأشار إلى تضرر 130 ألف متر طولي من شبكة الصرف الصحي (68%)، و13 ألف متر طولي من شبكة تصريف مياه الأمطار (62%)، فضلًا عن تدمير 1900 مصيدة أمطار من أصل 2100 بنسبة بلغت 90%.

 

وتعرضت محطتان مركزيتان للصرف الصحي للتدمير الكامل، فيما تضررت 3 محطات أخرى جزئيًا، كما توقفت منظومة جمع النفايات عن العمل بعد خروج المكب المركزي شرق المدينة عن الخدمة، ما اضطر البلدية لاستخدام مكبات مؤقتة وسط الأحياء المأهولة بالنازحين غرب خان يونس.


ووفق بيانات البلدية، تراكمت نحو 350 ألف طن من النفايات في هذه المكبات المؤقتة ومناطق الإيواء، وتضرر 90% من الحاويات سعة (1 و4) طن، فيما خرجت 11 آلية جمع نفايات عن الخدمة. كما تم تدمير 136 متنزهًا وحديقة وساحة عامة، فضلًا عن تدمير أو تجريف 66 مرفقًا بلديًا بشكل كلي.

مظاهر الدمار في خان يونس
مظاهر الدمار في خان يونس

 

أما على صعيد الإنارة، فتضررت 200 ألف متر طولي من شبكة إنارة الطرق، وقرابة 7400 فانوس إنارة، و7200 عمود إنارة، ما أدى إلى انقطاع الإنارة عن الطرق بنسبة 100%.

الدمار في خان يونس
الدمار في خان يونس

 

"لا بيت كالوطن… ولا وطن كالبيت"
 

وفي شهادة حية تنقل حجم الخسارة وعمق التعلّق بالوطن، أدلى الصحفي الفلسطيني يوسف فارس بتصريح مؤثر قال فيه:"وصلت إلى البيت، أو ما تبقّى منه، بعدما بشّرني الجيران سلفًا بأنه الوحيد الذي لا يزال قائمًا على أعمدته وسط غابةٍ كبرى من الخراب."

وأضاف يوسف فارس: "في الهدنة الأولى، في شهر يناير الماضي، أنفقتُ ما تبقّى لديّ لإعادة تأهيله، بعدما تعمّد جنود الاحتلال الذين أقاموا فيه طويلاً حرقه وقصف جزء منه عقب انسحابهم. عشت فيه شهرين من الأنس، رغم قسوة الظروف وبدائية الحياة... سبعين يومًا قبل أن تعود الحرب، وأغادره مع عائلتي في اللحظة الأخيرة، الفاصلة بين الحياة والموت. لم يتبقَّ من المنزل اليوم سوى السقوف والأعمدة."

وتابع: "في الماضي كنت سعيدًا لأن النافورة الدمشقية والبلاط الأندلسي اللذين اخترتهما بعناية نجيا، أما اليوم فلم ينجُ شيء، ولم يبقَ سوى هيكل المنزل وشجرة الخوخ الرؤوم. والآن لا خيارات لديّ سوى العودة مجددًا، على أمل أن تدخل مواد البناء لإعادة استصلاح ولو غرفة واحدة، نستعيد فيها أنسًا وراحة لا يمنحهما مكان في العالم سواهما. لا بيت كالوطن، ولا وطن كالبيت."

منزل يوسف فارس داخل منزله
منزل يوسف فارس داخل منزله

 

ينقل هذا التصريح بوضوح كيف أن العودة إلى البيت في غزة، حتى وهو مدمّر، ليست مجرد حاجة مادية، بل فعل بقاء وتمسّك بالهوية، وإيمان بأن الحياة لا تبنى إلا فوق تراب الوطن، ولو كانت البداية من سقفٍ بلا جدران.

منزل يوسف فارس
منزل يوسف فارس

75 ألف نازح يحتمون في أكثر من 100 مبنى للأونروا

وأكدت وكالة الأونروا في بيان لها في 4 نوفمبر، أن نحو 75 ألف نازح يحتمون في أكثر من 100 مبنى للوكالة في غزة معظمها متضرر ومكتظ، متابعة :"فرقنا تعمل بلا كلل لضمان ظروف معيشية آمنة وكريمة في الملاجئ بغزة".

 

"بلدية غزة تواجه دمارًا غير مسبوق ومعاناة المواطنين ستستمر"
 

وفي سياق متصل قال المهندس عاصم النبيه، المتحدث باسم بلدية غزة، إن المدينة تعيش حالة دمار غير مسبوق نتيجة استخدام الاحتلال في الأسابيع الأخيرة أنواعًا جديدة من الأسلحة، بينها المدرعات المفخخة، التي بات يُعرف بعضها في غزة بـ"الروبوت".

وأوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" أن هذا النوع من السلاح تسبب بدمار هائل لم يقتصر على المنازل والمساكن، بل طال البنى التحتية الحيوية من طرق وشوارع، وآبار مياه، ومضخات الصرف الصحي، وشبكات تصريف الأمطار، وغيرها من المرافق الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

وأشار إلى أن حجم الدمار ضخم للغاية، كما أن نوعيته مختلفة وجديدة، ما يزيد من تعقيد عمليات الترميم والتأهيل، متابعًا أن كل ذلك يحدث في وقتٍ تعاني فيه بلديات القطاع من انهيار قدراتها، حيث تعرضت لأضرار جسيمة خلال العامين الماضيين.

وأضاف أن أكثر من 85% من الآليات الثقيلة والمتوسطة التابعة للبلديات خرجت عن الخدمة، وتضررت معظم مقرات البلديات ومخازنها ومواردها ومعدات الصيانة التابعة لها، لافتًا إلى أن بلدية غزة باتت أمام تحدٍّ كبير للاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية.

وتابع: "قمنا بإعداد قائمة مفصلة من الاحتياجات العاجلة وسلّمناها إلى المؤسسات الدولية والمنظمات الأممية المختلفة. وتشمل هذه القائمة تفاصيل فنية وهندسية دقيقة، تتضمن الآليات الثقيلة، وكميات كافية من الوقود، ومعدات ومواد صيانة، وقطع غيار، ومولدات، ومحولات، وأنابيب وخطوط مياه."

وأكد المهندس عاصم النبيه أن هناك خطة متكاملة للتعامل مع الركام والدمار الهائل، تنقسم إلى ثلاث مراحل: الاستمرار في حالة الطوارئ، ثم الانتقال إلى مرحلة التعافي المبكر، وأخيرًا التحضير لمرحلة إعادة الإعمار.

وحذّر من أن استمرار تجاهل هذه الاحتياجات سيُبقي معاناة المواطنين قائمة رغم إعلان وقف إطلاق النار، قائلًا:"نحن واضحون وصريحون، بدون إدخال هذه الاحتياجات بشكل عاجل، لن تتمكن البلدية من تخفيف معاناة المواطنين، والمعاناة مستمرة منذ أكثر من 733 يومًا، وقد تستمر لفترة أطول ما لم يحدث تدخل فعلي."

وفي ختام تصريحه، أوضح المهندس عاصم النبيه أن طواقم البلدية بدأت بالفعل بمحاولات فتح الشوارع المغلقة بفعل القصف، قائلًا:"بدأنا من الطرق الرئيسية لتسهيل وصول السكان إلى مناطقهم، أو ما تبقّى منها. لكن الإمكانيات محدودة للغاية، وما نمتلكه الآن من آليات ثقيلة عددٌ قليل جدًا، ومعظمها مهترئ وقديم. جهودنا مستمرة، لكننا بحاجة إلى تدخلات عاجلة، حقيقية وطارئة، لتمكيننا من الاستمرار في تقديم الخدمات وتخفيف معاناة المواطنين الذين صمدوا طيلة عامين في ظروف استثنائية."

"رفح دُمّرت بنسبة 98%… ونخطط لبناء مدينة جديدة على أسس حديثة"
 

من جانبه قال الدكتور أحمد الصوفي، رئيس بلدية رفح الفلسطينية، إن المدينة تعرّضت لدمار شبه كامل نتيجة العدوان، مشيرًا إلى أن نسبة الدمار في رفح بلغت نحو 98%، ما يجعل إعادة إعمارها أشبه ببناء مدينة جديدة بالكامل من الصفر.

وأوضح رئيس بلدية رفح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع":"نحن بحاجة إلى إعادة تخطيط المدينة من جديد، بما يحقق أهداف الحياة الكريمة والهادئة لسكانها، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية المستدامة، سواء على الصعيد الزراعي أو الصناعي أو التجاري."

وأضاف:"نسعى لبناء مدينة حديثة وذكية، على أحدث طراز عمراني وتخطيطي، تتضمن إعادة بناء المعابر الحدودية ومطار رفح الدولي، إلى جانب تطوير الواجهة البحرية للمدينة، كي تكون واجهة حضارية وإنسانية واقتصادية لغزة وفلسطين."

وأشار رئيس البلدية إلى أنه في ظل هذا الوضع الكارثي، ستكون هناك مرحلة انتقالية تشمل إقامة مدينة مؤقتة من البيوت المتنقلة الجاهزة لإيواء الأهالي إلى حين إعادة الإعمار الكامل.

"أحياء بأكملها اختفت… والأرض الحدودية تُرى بالعين المجردة"

من على سطح إحدى العمارات المتبقية في منطقة الغفري بشارع الجلاء وسط مدينة غزة، أدلى نازح فلسطيني بتصريح يصف فيه حجم الكارثة بعد انتهاء العدوان الأخير، قائلاً:"من هنا يتكشف أمامنا حجم الدمار الهائل، المشهد لا يُصدَّق، والنصف الشمالي من مدينة غزة بات شبه مدمّر بالكامل، ويمكننا اليوم، ولأول مرة، رؤية الأراضي الحدودية بالعين المجردة من وسط المدينة، بعد أن سُوّيت أحياء كاملة بالأرض على مدّ البصر."

وأضاف:"هذه البيوت التي كانت تنبض بالحياة أصبحت شاهدة على إبادة جماعية طالت الحجر، وهدمت الحضارة، وألغت كل مظهرٍ للحياة. في هذه المناطق وحدها، تم تفجير 200 عربة مفخخة، تحمل كل واحدة منها خمسة أطنان من المتفجرات، وكانت التفجيرات تُسمع كأنها زلازل. واليوم لا نرى سوى الركام وبقعٍ من الخراب وبيوتٍ لا يسكنها أحد سوى الذكريات."

فيما كشفت وسائل إعلام عبرية عن خريطة الدمار في غزة، حيث ركزت على المباني التي دُمّرت بالكامل تقريبًا خلال الحرب، بينما هناك مبانٍ أخرى لم تُصنف على أنها مدمّرة بالكامل، لكنها غير صالحة للسكن إطلاقًا، ودُمرت حوالي 62% من إجمالي المباني في القطاع تدميرًا كليًا، بينما عند إضافة المباني غير الصالحة للسكن تزداد النسبة بنحو 10% إضافية.

حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية

 

ونشرت الخريطة نسبة الدمار الشديد حسب الحدود البلدية، فكانت:بيت حانون 99%، بيت لاهيا 89%، قرية أم النصر 100%، جباليا (بما فيها المخيم) 76.5%، مدينة غزة 46%، جحر الديك 100%، المغراقة 100%، الزهراء 98%، النصيرات 8%، البريج 29%، المغازي 16%، الزوايدة 1%، المصدر 33%، دير البلح 8%، وادي السلقا 68%، القرارة 79%، خان يونس 60%، بني سهيلا 49%، عبسان الصغيرة 69%، عبسان الكبيرة 61%، خزاعة 100%، الفخاري 96%، النصر 100%، شوكة الصوفي 93%، ومدينة رفح 95%.

نسب الدمار في بلدات غزة
نسب الدمار في بلدات غزة

 

وأكدت وكالة الأونروا، في بيان لها بتاريخ 23 أكتوبر، أن أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض تغطي غزة، وأن أحياء بأكملها تمّ محوها، وأوضحت أن المساعدات التي تقدمها الوكالة متوقفة، وأن العائلات في غزة تبحث بين الأنقاض عن الماء والمأوى.

الدفاع المدني يهيب بالمواطنين تجنّب النزوح إلى المباني الخطرة
 

في 24 أكتوبر، طالبت المديرية العامة للدفاع المدني المواطنين النازحين بعدم السكن أو النزوح إلى المباني التي تعرضت للقصف الإسرائيلي، لا سيما المباني الخطرة والآيلة للسقوط، حيث نجا مواطنون كانوا قد نزحوا إلى منزلٍ تعرض للقصف خلال الحرب، وانهار فجأة دون سابق إنذار في شارع الصناعة بتل الهوى جنوبي مدينة غزة.

وحذّرت المديرية، في بيانٍ لها، من الخطورة الكبيرة الناتجة عن انهيار المباني الآيلة للسقوط وتأثيرها على حياة النازحين، خاصة مع حلول فصل الشتاء، وهطول الأمطار، وانجراف التربة، وتصدّع الجدران والأعمدة التي تعرضت للقصف.

وفي هذا السياق، دعت المديرية الفلسطينيين النازحين، خاصة في مراكز الإيواء والخيام، إلى تحصين خيامهم والتأكد من تثبيتها جيدًا، وتدعيم الحبال والأوتاد، لا سيما القريبة من شاطئ البحر.

كما دعت النازحين إلى وضع أغطية بلاستيكية (نايلون) فوق خيامهم لمنع تسرب مياه الأمطار، وإنشاء قنواتٍ حول الخيام لتصريف المياه وتجنب تدفقها داخلها، مطالبة الأهالي بتحصين سلامة الأطفال بارتداء الملابس الشتوية، وتجنّب إشعال النيران داخل الخيام المغلقة، وإبعاد مصادر النار عن محيطها.

كثير من الأسر تعيش في منازل مدمرة

بينما أكد أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية في غزة،  في الأول من نوفمبر أن الوضع الإنساني في القطاع لا يزال مأساويا، خاصة أن كثير من الأسر تعيش في منازل مدمرة وفي هذا خطر كبير عليها، داعيا إلى الضغط على الاحتلال لإدخال لوازم الإيواء الشتوية، في ظل أن نظام التسجيل الذي فرضته إسرائيل يعوق عمل المنظمات الإنسانية.

مدير برنامج غزة للصحة النفسية يحذر من غياب صوت القانون والمجتمع
 

وفي ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها قطاع غزة نتيجة الحرب المستمرة والحصار المتواصل، حذّر الدكتور عبد الكريم عاشور، مدير برنامج غزة للصحة النفسية والمدير السابق للإغاثة الزراعية الفلسطينية، من تراجع القيم المجتمعية وصمت المؤسسات أمام انتهاكات تمس العمل الإنساني، بعد أن تعرّض مقر البرنامج في مدينة غزة لعملية اقتحام من قبل مجموعةٍ مسلحة.

وقال:"في بلادٍ أنهكتها الحروبُ والحصار، لم يَعُد الدمار وحده هو الخطر الأكبر، بل ذلك السكوت العام، حين يصبح الصمت لغةَ الخائفين، والمجاملةُ ستارَ العاجزين، وحين لا يعود للحقّ من صوتٍ، ولا للباطل من رادع."

وأوضح عاشور أن مجموعةً مسلّحة اقتحمت قبل نحو أسبوعين مقر البرنامج، وطردت الحراس والموظفين والمرضى تحت تهديد السلاح، بذريعة فقدان منازلهم ورغبتهم في إسكان أسرهم داخل المبنى.

وأضاف:"قد يكون مبرّرهم مؤلمًا من حيث الشكل، لكنه لا يبرر التعدي على مؤسسةٍ إنسانيةٍ تقدم خدماتها لكل الناس دون تمييز. تصرّفوا وكأنهم وحدهم الذين دُمّرت بيوتهم، مع أن نحو 70% من مباني مدينة غزة قد دُمّرت بالكامل، وأن عشرات الآلاف من العائلات باتت بلا مأوى، وأنا واحدٌ منهم."

وأشار عاشور إلى أنه رغم فقدانه منزله ولجوئه إلى خيمة صغيرة في هذا العمر المتقدم، لم يفكر يومًا في اقتحام بيت أحدٍ أو التعدي على ممتلكات عامة أو خاصة، مؤكدًا أن المأساة مهما اشتدّت لا تبرر فقدان القيم.

وتابع أن برنامج غزة للصحة النفسية استنفد منذ اللحظة الأولى جميع الإجراءات القانونية والإدارية، حيث قُدمت شكاوى وبلاغات رسمية إلى الجهات المختصة، إلى جانب مناشداتٍ لإخلاء المبنى وتمكين المؤسسة من استئناف خدماتها، التي يعتمد عليها مئات المرضى ممن يعانون من اضطراباتٍ نفسية مزمنة وخطرة، ومع ذلك لم تُسفر الجهود عن أي تحرك فعلي أو استجابةٍ رسمية.

وأضاف عاشور أن إدارة البرنامج لجأت إلى الوجهاء والمخاتير في محاولةٍ لحل الأزمة، لكن دون جدوى، مما اضطرهم إلى توجيه بيانٍ مفتوح للرأي العام وأصحاب الضمير والإنسانية عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وأوضح أن الهدف من البيان كان حشد التضامن الشعبي دفاعًا عن المؤسسة التي تُعتبر الجهة الرئيسية، وربما الوحيدة، التي تقدّم خدمات الصحة النفسية المجانية للفقراء والمحتاجين في غزة.

خطر الموت حاضرًا في كل شارع

من جانبه أكد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، في 25 أكتوبر، أنه رغم توقف الحرب على القطاع، فإن خطر الموت ما زال حاضرًا في كل شارع وبيت وركن من هذه الأرض المنكوبة، لافتًا إلى أن مخلفات الاحتلال من ألغام وذخائر غير منفجرة ومتفجرات مدفونة تحت الركام باتت تشكّل تهديدًا حقيقيًا وخطيرًا لحياة المدنيين، خاصة الأطفال الذين يلهون قرب منازلهم المدمّرة.

وحذّر في بيانٍ له من هذا الخطر القاتل، مؤكدًا أن الحرب لم تنتهِ بعد، بل ما زالت تلاحق الناس بأدواتها الصامتة، مطالبًا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المختصة بالتحرك العاجل لإزالة هذه المخلفات قبل أن تحصد أرواحًا جديدة، قائلاً إن "غزة لم تعد تحتمل المزيد من الفقد."

وأكد الدفاع المدني في خان يونس، في اليوم ذاته، أن أكثر من 10 آلاف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، وأن الطواقم تواجه صعوباتٍ جمّة في استخراجهم بسبب عدم توفر المعدات والآليات، موضحًا أن حجم الدمار هائل، وأن هناك حاجة لفرقٍ متخصصة ومعداتٍ غير متاحة حاليًا لاستخراج جثامين الشهداء.

وأضاف في بيانٍ له أن 60% من مقدرات الدفاع المدني في غزة مدمّرة بالكامل، كما أن أغلب الطرق مدمّرة ولا يمكن الوصول إلى مواقع الاستهدافات.

الاحتلال يلقي كميات كبيرة من النفايات

كشفت صحيفة هآرتس العبرية أن الجيش الإسرائيلي ألقى كميات كبيرة من النفايات والقمامة من منطقة غلاف غزة، وخاصة نفايات البناء، داخل القطاع. وأكدت أنه في عدة مقاطع فيديو صُوّرت مؤخرًا، تظهر شاحنات تخرج من منطقة الغلاف وتدخل إلى داخل غزة محمّلة بنفايات بناء، تسير لمسافة تتراوح بين 200 إلى 300 متر بعد السياج بالقرب من معبر كيسوفيم، وتفرغ حمولتها على جانبي الطرق، وليس في مواقع مخصصة، قبل أن تعود فارغة إلى داخل إسرائيل.

وأوضحت الصحيفة أن هذه كميات ضخمة من نفايات البناء والقمامة التي خلّفها الجيش خلال الحرب، نتيجة إنشاء عشرات القواعد والمقرات التي استخدمتها القوات كنقاط تمركز قرب الحدود، حيث أُجريت فيها أعمال بنية تحتية وتجريف مبانٍ وبناء أسوار وطرق وحواجز إسمنتية.

وقال ضباطٌ إسرائيليون للصحيفة إن قادة ميدانيين هم من اتخذوا قرار نقل النفايات إلى داخل القطاع، وذكر أحدهم أنه صدرت تعليمات بالسماح بدخول شاحنات مملوكة لشركات خاصة إلى غزة، والسماح لها بإلقاء محتويات النفايات في أي مكان تراه مناسبًا.

غزة ساحة من الركام

وأكدت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية، أن غزة أصبحت ساحة من الركام، وأن الغذاء والمياه والكهرباء شبه منعدمة، لافتة إلى أنه منذ أكثر من عامين بدأت إسرائيل أكبر موجة من التطهير العرقي منذ عام 1967 في الضفة الغربية والقدس.

فيما أكدت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" أن مواد الإيواء ولوازم الشتاء المخصصة للنازحين في غزة موجودة في مستودعاتها، لكنها لا تزال ممنوعة من دخول القطاع. وأشارت إلى أنه مع اقتراب فصل الشتاء تزداد حاجة الناس إلى المأوى والدفء.

وشددت الوكالة، في بيانها الصادر في 25 أكتوبر، على ضرورة السماح للأونروا باستئناف إدخال المساعدات الإنسانية إلى داخل القطاع، خاصة مع بدء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة