في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، ومع انطلاق العمليات العسكرية ضد مصر فيما عرف لاحقًا بـ العدوان الثلاثي، ارتكبت القوات الإسرائيلية سلسلة من المجازر المروعة بحق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي قطاع غزة، تزامنًا مع الغزو الإسرائيلي لسيناء، ضمن خطة منسقة مع بريطانيا وفرنسا لإسقاط نظام الرئيس جمال عبد الناصر بعد قراره التاريخى بتأميم قناة السويس.
ففي محاولة من إسرائيل لمنع انضمام المقاتلين الفلسطينيين والأردنيين من الضفة الغربية إلى جبهة القتال، فرضت حظر تجول مشددًا على سبع قرى فلسطينية تقع في المنطقة الحدودية المعروفة باسم المثلث، من أبرزها قرية كفر قاسم، ليبدأ الحظر من الساعة الخامسة مساءً يوم 29 أكتوبر.
غير أن سكان القرى، الذين لم يتلقوا أي إشعار مسبق بموعد بدء الحظر، كانوا حينها في أعمالهم اليومية، وحين عادوا إلى منازلهم بعد الموعد المحدد، فتحت قوات "الشرطة الإسرائيلية" النار عليهم مباشرة دون إنذار، وأسفرت المجزرة عن استشهاد 48 فلسطينيًا، بينهم 6 نساء و23 طفلًا، في واحدة من أبشع الجرائم ضد المدنيين في التاريخ الحديث لفلسطين.
مجازر إسرائيلية ضد الفلسطينين في وقت العدوان الثلاثي
ووفقا لـ"الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية" لم تتوقف المجازر عند هذا الحد، إذ ارتكبت القوات الإسرائيلية في الثالث من نوفمبر 1956 مجزرة جديدة في مدينة خان يونس بقطاع غزة، راح ضحيتها 275 فلسطينيًا، معظمهم من المدنيين، وذلك تحت غطاء الحرب ضد مصر، وبعد انتهاء المعارك، نفذت القوات الإسرائيلية مجزرة أخرى في مدينة رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، أدت إلى استشهاد 110 فلسطينيين إضافيين.
وأثناء انسحابها من شبه جزيرة سيناء عمدت إسرائيل إلى تدمير البنية التحتية في المناطق التي سيطرت عليها، بما في ذلك الطرق والمنشآت المدنية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية التي تحظر تدمير ممتلكات المدنيين أثناء النزاعات.
ورغم نجاح العدوان الثلاثي عسكريًا في بدايته، فإن القوى المعتدية – بريطانيا وفرنسا وإسرائيل – تكبدت هزيمة سياسية ودبلوماسية قاسية مع نهاية الأزمة. فقد رأى المجتمع الدولي أن ما حدث يمثل رمزًا لانهيار النظام الاستعماري القديم، وبداية نظام عالمي جديد فرضته الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في 5 يناير 1957 خطابًا خاصًا إلى الكونجرس أعلن فيه استعداد بلاده للدفاع عن الشرق الأوسط ضد أي تهديد صادر عن "الشيوعية الدولية"، فيما عُرف لاحقًا بـ مبدأ أيزنهاور، الذي منح واشنطن صلاحيات واسعة للتدخل في شؤون المنطقة، وأعاد رسم خريطة النفوذ الدولي فيها.
أما مصر بقيادة جمال عبد الناصر، فقد خرجت من الأزمة وقد تعززت مكانتها السياسية والعسكرية عربيًا ودوليًا، لتصبح قائدة لحركة عدم الانحياز ورمزًا للمقاومة القومية ضد الاستعمار والصهيونية. وألهم هذا الموقف دول العالم الثالث التي كانت تسعى إلى التحرر من النفوذ الغربي، كما أعاد الثقة إلى الشارع العربي الذي رأى في ناصر زعيمًا يقف في وجه القوى الاستعمارية.
وفي فلسطين، كانت تداعيات العدوان أكثر عمقًا؛ إذ شكّلت تلك المجازر نقطة تحول في تاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني. فبينما اعتقد كثير من الفلسطينيين أن الأنظمة العربية ستقودهم نحو التحرير، بدأت حركات المقاومة المحلية – المعروفة باسم الفدائيين – تنظم صفوفها بشكل أكثر استقلالية.
وفي أعقاب العدوان مباشرة، وتحديدًا عام 1957، شهدت الساحة الفلسطينية التأسيس غير الرسمي لحركة فتح، التي سرعان ما أصبحت أبرز حركات المقاومة الفلسطينية في العقود التالية، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال المنظم ضد الاحتلال.
وهكذا، تبقى أحداث أكتوبر ونوفمبر 1956 علامة فارقة في التاريخ العربي الحديث؛ إذ كشفت عن وحشية العدوان الإسرائيلي، وسرّعت في الوقت نفسه من نهاية النفوذ الاستعماري التقليدي، وولادة روح المقاومة الفلسطينية الحديثة التي ما زالت تمتد آثارها حتى اليوم.