- من "لا نفقة للانتقام" إلى "لا خلع دون تنازل" و "لا مسكن حضانة للترف".. أحكام تاريخية وضعت حدًا للمكايدات الزوجية
لم تعد محكمة النقض مجرد جهة تفصل في الطعون، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة البوصلة التي تعيد التوازن داخل محاكم الأسرة، بعدما أرست مجموعة من الأحكام الحاسمة التي غيرت مفاهيم راسخة، وضبطت معايير الإنصاف بين الزوجين، وحمت الأسرة من الانحراف في استخدام القانون كأداة انتقام أو ضغط، وضبط معايير النفقة والخلع والحضانة..هذه الأحكام الصادرة في كثير من القضايا شكلت منعطفًا مهمًا في تفسير قانون الأحوال الشخصية، ورسخت مبادئ باتت مرجعا في نزاعات النفقة، الحضانة، الخلع، ومسكن الزوجية.
محكمة النقض تعيد رسم خريطة العدالة الأسرية
تحولت النقض إلى حارسٍ للعلاقات الإنسانية قبل أن تكون قاضيا للفصل في المنازعات، لتثبت أن القانون حين يطبق بعدل، يمكن أن يعيد السلام إلى البيوت قبل أن يصدر الأحكام وخلال السطور التالية نرصد مجموعة من الأحكام التاريخية التي أعادت الانضباط والاتزان إلى منظومة العلاقات الزوجية، وأغلقت أبواب التحايل والمكايدات، ورسخت مبادئ صارمة تضع حدًا لاستخدام القانون كوسيلة انتقام بين الأزواج، لتصبح أحكامها مرجعًا قانونيًا وإنسانيًا داخل محاكم الأسرة، وتعيد الاعتبار لمفهوم العدالة كضمانة للحياة الزوجية لا كسلاح يهددها.
من «النفقة ليست عقابًا» إلى «الخلع لا يتم بالتحايل»
في واحدة من أبرز القضايا، أكدت محكمة النقض أن النفقة لا تفرض إلا لسبب موجب ومع قيام الزوجية الصحيحة، مشددة على أن الغرض منها هو تحقيق الكفاية لا العقوبة، وأن الزوجة لا يجوز أن تجعل منها وسيلة للانتقام أو الضغط على الزوج، لتغلق الباب أمام دعاوى الكيد والمبالغة في المطالب.
كما وضعت مبدأ آخر لا يقل أهمية، حين أكدت أنه «لا خلع دون تنازل حقيقي»، وأنه لا يصح إلا برد ما حصلت عليه الزوجة من مهر ومقدم صداق حقيقي، وليس صوريًا أو شكليًا، محذرة من التحايل في الاتفاقات التي تفرغ الخلع من مضمونه الشرعي والقانوني.
مسكن الحضانة للطفل لا لترف الأم
وفي أحكام أخرى، أوضحت النقض أن الزوج ملزم بتوفير مسكن حضانة يتناسب مع يساره المالي لا مع رفاهية مطلقته، فالمعيار هو استقرار الطفل لا مستوى المعيشة الذي تطمح إليه الأم، مؤكدة أن «مسكن الحضانة» ليس أداة للترف بل وسيلة لحماية الصغير.
كما رسخت المحكمة قاعدة ذهبية مفادها أن الحضانة حق للصغير وليست غنيمة للأبوين، فمصلحة الطفل النفسية والاجتماعية هي الأساس، وليس رغبة أي من الأبوين في السيطرة أو الانتقام.
النفقة لا تقاس بالمظاهر.. ولا حبس إلا عن امتناع حقيقي
وشددت المحكمة على أن النفقة تقدر بناءً على الدخل الفعلي للزوج لا المظاهر الاجتماعية أو الممتلكات الشكلية، في خطوة تحد من المبالغات التي تشعل الصراعات الزوجية.
كما أكدت أنه لا يجوز الحبس في دعاوى النفقة إلا بثبوت الامتناع الحقيقي عن السداد رغم القدرة المالية، لأن الغاية من الحبس هي الردع لا الانتقام، وأن العجز المادي الصادق يسقط العقوبة.
«رد الشبكة» و«الطلاق الغيابي» و«يسار الزوج».. تفاصيل أحكام فاصلة
أنهت محكمة النقض الجدل الأزلي حول الشبكة، معتبرةً أنها هبة لا تُسترد إلا إذا أنهت المخطوبة الخطبة دون مبرر، ما لم يُتفق صراحة على كونها جزءًا من المهر، لتضع حدًا لمئات النزاعات المتكررة أمام محاكم الأسرة.
وفيما يتعلق بالطلاق الغيابي، أكدت المحكمة أن الطلاق يقع صحيحًا إذا استوفى شروطه، لكن للزوجة حق التعويض إذا ثبت سوء نية الزوج، تحقيقًا للتوازن بين سلطة الزوج ومسؤوليته الأخلاقية.
كما أصدرت حكمًا فريدًا اعتبر أن زواج الرجل بأخرى ليس دليل عسر بل دليل يسار غير منظور، ورفضت المحكمة تخفيض النفقات استنادًا إلى الزواج الثاني، معتبرة أن من يقدر على فتح بيت جديد، يملك القدرة على الوفاء بالتزاماته تجاه أسرته الأولى.
التعليم والعلاج التزام أبوي لا يسقط
أكدت المحكمة أن نفقة التعليم والعلاج جزء من التزامات الأب الأساسية تجاه أبنائه، وأنها لا تُعد منةً أو فضلًا بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يسقط إلا بالعجز الكامل، ليبقى التعليم والرعاية الصحية حقًا أصيلًا للطفل.
الطلاق لا يثبت برسائل أو تسجيلات
وفي حكم يواكب التطور التقني، حسمت محكمة النقض الجدل حول الرسائل والمكالمات الإلكترونية، مؤكدة أن الطلاق لا يثبت إلا بإشهاد رسمي أو إقرار صريح أمام المحكمة، وأن المحادثات الهاتفية أو رسائل «واتساب» لا تعد دليلًا شرعيًا كافيًا على وقوع الطلاق.
العدالة التي تصلح البيوت قبل أن تصدر الأحكام
بهذه المبادئ، أعادت محكمة النقض رسم خريطة العدالة الأسرية، ورسخت مفهومًا جديدًا للقانون باعتباره درعًا لحماية الأسرة لا سيفًا للانتقام، وأن تطبيق القانون بعدل وإنصاف يمكن أن يعيد السلام إلى البيوت، ويمنح صوت العقل مساحته داخل الخلافات الزوجية، قبل أن تتحول ساحات المحاكم إلى ساحة صراع.