فى عام 743م، بنى هشام بن عبد الملك قصرًا منيفًا فى بادية الشام، ويقع موقعه اليوم فى أريحا الفلسطينية، وقد اكتمل بناؤه فى عهد ابنه الوليد الثاني، ليكون مقرًا شتويًا للخليفة، الذى سكن طابقه العلوي، بينما خُصص الطابق الأول للخدم والحشم والحرس والاستقبال والخدمات، لكن القدر لم يُمهل الخلفاء الأمويين وقتًا كافيًا ليصنعوا ذكريات داخل هذا القصر، تليق بحكايا "ألف ليلة وليلة"، إذ تهدم بفعل زلزال مُدمّر ضرب فلسطين عام 749م. وما تبقّى منه اليوم أطلال تشى بعظمة مبنى عمره العرب؛ وربما كانت أرضياته الفسيفسائية هى أجمل ما بقى منه، بما تحمله من ألوان زاهية وتدرجات مدهشة، غير أن أجمل لوحاتها تلك التى تصوِّر شجرة برتقال ضخمة، يقف على أحد جانبيها غزالتان، وعلى الجانب الآخر غزالة ينقضّ عليها أسد.
لهذه اللوحة تفسيرات عديدة؛ فبعضها يرى أنها تجسيد للحياة بشقّيها: السلام والحرب، فيما يفسرها آخرون بأنها رمز لقدرة الأمويين على التعايش فى سلام، وعلى خوض الحرب إن استدعى الأمر. وهناك قراءات متشعبة لهذا المشهد، غير أن أكثرها إثارة هو تفسير الشجرة الضخمة باعتبارها "شجرة الحياة"؛ أحد أهم الرموز الإنسانية العابرة للأزمان والقارات والثقافات.
جذور الشجرة التى تفرّعت أغصانها فى العالم
شجرة الحياة رمز إنسانى ضارب فى القِدم، يجسّد المصدر الأول للوجود، والقوة الكونية التى تشدّ أواصر الكائنات جميعًا. وهى الممثل الأبدى لدورة الميلاد والموت. وقد تخيّل الإنسان وجود هذه الشجرة فى محور العالم، داخل حديقة مقدسة تكتنفها الأسرار، وتحرس ثمارها كائنات ذات قوى خارقة، لتظلّ غاية الوصول إلى الخلود طموحًا محفوفًا بالمخاطر.
تعود جذور هذا الرمز إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، حين تفتقت فكرته فى الشرق الأدنى القديم، حيث الوفرة والخصوبة. ففى شبه القارة الهندية واليابان، لا تزال أشجار التين والساكاكى تحتل مكانة روحية رفيعة. كما ظهرت إشارات لشجرة الحياة، أو لنباتات مشابهة، فى أدبيات الشرق الأوسط، ومنها "ملحمة جلجامش"، حين يغوص البطل فى أعماق البحر لاستعادة "زهرة الشباب الأبدي". ويرى بعض الباحثين أن هذا النبات كان يُعتقد أنه يأتى من منطقة دلمون (الكويت حاليًا)، التى ربطتها شعوب بلاد الرافدين بالجنة. وبالمثل تذكر الأساطير المصرية، وفق "كتاب الموتى"، أن أشجارًا بعينها تمنح المتوفّى الحياة الأبدية.
وفى آشور اكتسبت الشجرة دلالات سياسية عميقة، فغدت رمزًا للنظام الإلهى المتجسد فى شخص الملك. وفى بداياتها ارتبطت الشجرة بالآلهة الأنثوية مثل عشتار وعشيرة، قبل أن تتحوّل فى العصر الحديدى إلى رمز ذى دلالة ذكورية وسياسية، حين ربطتها الممالك بآلهتها مثل يهوه وكموش، بما يعكس قدرة هذا الرمز على التكيّف مع تحولات السلطة.
الظل الممتد من وإلى السماء
فى الديانات الإبراهيمية، اكتسبت الشجرة مسارًا جديدًا باعتبارها شاهدًا على المصير الإنساني. ففى جنة عدن، شكلت شجرتا الحياة والمعرفة قطبين بين نعمة الخلود وشقوة الوعي. وتواصلت هذه الدلالات فى المسيحية حين ارتبطت الشجرة بالصليب بوصفه "شجرة حياة" جديدة تجدد العهد، كما صارت الشجرة منهلًا للوحى والبركة، كما فى شجرة العليقة التى تجلى الله فيها لموسى.
أما فى التقليد القبطي، فقد صُوّرت "شجرة مريم" كملجأ مقدّس للحماية، ومخزن للبركات والمعجزات.
وفى المخيال الإسلامي، تحوّلت الشجرة إلى رمز يفصل بين المعلوم والمطلق. فهى ليست مجرد وفرة أرضية، بل علامة على حدود المعرفة البشرية. ويتجلى ذلك فى "سدرة المنتهى"، الشجرة النبقية الهائلة التى ورد ذكرها فى سورة النجم، وقد فسّر اسمها بأنها تمثل الحدّ الذى ينتهى إليه علم الخلائق، وما وراءه غيب لا يعلمه إلا الله. إنها رمز لليقين بأن هناك دائمًا حجابًا مقدسًا خارج القدرة الإنسانية.
ولم يقتصر حضور الشجرة على عالم الغيب، بل تجلى فى التجربة الإنسانية أيضًا، كما فى "شجرة الرضوان" التى بايع تحتها المسلمون النبى محمد ﷺ، فتحولت إلى رمز للعهد والسكينة الإلهية، واكتسبت قدسية نصية فى القرآن الكريم.
وفى الثقافة الفارسية، مثّلت "شجرة العالم" أصل كل شيء حيّ، ومركز الكون، وحاملة للبذور الأولى. وقد نُسج حولها تراث غزير، من حماية الإله أهورامزدا لها من شرور أهريمان، إلى حضورها البهى فى منمنمات الفن الفارسى كشجرة سرو، رمز الحكمة والقوة والبقاء.
الأشجار كمعبر للخلود الأبدى فى الوجدان المصري
فى مصر القديمة، شكّلت الأشجار جزءًا من المخيال الدينى والجنائزي. ومن أبرزها شجرة السنط، التى أصبحت رمزًا مقدسًا مرتبطًا بالإله أوزير، إله البعث. فقد صُنع تابوته من أخشابها، وعندما حملته الأمواج إلى جبيل، نمت شجرة السنط حوله بطريقة أسطورية، فنال لقب "المنفرد فى السنط". ومن هذا المشهد تجسد الرابط بين الفناء والبعث، وظهرت الشجرة شامخة فوق ضريح أوزير فى معبد دندرة، رمزًا للحماية والولادة الإلهية.
كما عُدّت السنط شجرة ذات خصائص جنائزية عميقة؛ استخدمت أخشابها فى الأثاث الجنائزي، وصمغها فى التحنيط، وجسد اسمها المصرى القديم (SnDt) رمزية دائرية وأبدية تعكس معنى الخلود.
إلى جانب السنط، كان للجميز مكانته المقدسة أيضًا. فقد ظهر منذ فجر التاريخ تحت اسم (nH.t)، ولم ينبع تقديسه من منافعه المادية فحسب، بل من اندماجه فى نسيج المعتقدات. وقد ارتبطت الشجرة بالإلهة حتحور، "سيدة الجميز"، التى عُدّت حضورًا مباركًا على الأرض.
وجسدت شجرة الجميز يدًا إلهية حانية فى رحلة العبور إلى العالم الآخر؛ إذ انتشرت رسومها فى مقابر طيبة على الضفة الغربية، كأنها بوابة نحو الآخرة. واستُخدم خشب الجميز فى صناعة التوابيت، ليكون الإطار الذى يحمى الجسد فى رحلة البعث. كما جاءت ثمار الجميز ضمن موائد القرابين وعُثر على بقاياها فى مواقع أثرية منذ عصور ما قبل التاريخ، لتؤكد أنها كانت جزءًا حيًا من حياة المصرى القديم ومماته.
وهكذا تحولت الشجرة فى مصر القديمة من كائن نباتى إلى رمز حضارى وديني، يجسد العلاقة بين الحب الإلهي، وخصوبة الحياة، ووعد الخلود.