مدرب المنتخبات يجب أن يكون ابن مدرسة ضغوط الأندية الكبرى
خطة إنقاذ الكرة المصرية تحتاج 10 سنوات و7 محاور للإصلاح الكروي
من يصفني بالمدرب البراجماتي غير مُنصف ويحتاج أن يكون مثقف كرويا
أحلم بالعودة للدوري المصري.. ومشاعر جماهير أهلي طرابلس أجلت قراري
في سجلات الكرة المصرية، لا يمكن للذاكرة أن تتجاوز اسم حسام البدري إلا وتتوقف عند محطات مليئة بالصخب، حيث الحب لا يعرف إلا الحقيقة، والنقد لا يرتدي ثوب المجاملة، كيف لا وهو المهندس الذي عانق القمة لاعباً، ثم عاد إليها مدرباً ليحمل على كتفيه ثقل تاريخ نادٍ بحجم الأهلي، ووطن بحجم منتخب مصر.
ولم تكن مسيرة البدري يوماً طريقاً مفروشاً بالورود، بل كانت درباً يتقاطع فيه العناد الإيجابي مع صرامة القرار، تجده على مقاعد البدلاء يتقلب على الجمر، يخفي خلف ملامحه الهادئة عاصفة من التكتيك، يخرج منها فائزاً بدرع أو كأس، أو يعود منها مثقلاً بهمّ الهزيمة، لكنه في كلتا الحالتين يظل وفياً لفلسفته التدريبية ولمدرسته الكروية.
اليوم، وبينما يرسم فصولاً جديدة لقصته في ليبيا، مرتدياً عباءة المدير الفني لفريق أهلي طرابلس، يظل البدري شخصية محورية في الوجدان الكروي، وهو القائد الذي يستدعي اسمه مزيجاً فريداً من الشغف الجارف للانتصارات والجدل المستمر حول الأداء، رجلٌ حكمته النتائج، وناقشته الألسن، لكنه أبداً لم يتنازل عن محاولته لترك بصمة، شاهداً على أن كرة القدم ليست مجرد خطط وأرقام، بل هي حكايات من دم ودموع وكبرياء لا ينتهي.
على صعيد البطولات ستجدون اسم حسام البدري محفوراً بأحرف من ذهب، فهو ليس مجرد مدرب، بل هو مهندس تتويج، جمع في جعبته أكثر من عشر بطولات، تسعة منها كنز غالٍ في خزائن النادي الأهلي، وبطولة كغيمة ماطرة في سماء المريخ السوداني، ومثلها مع أهلي طرابلس، نعم، لقد رسم البدري ثلاثية الدوري المصري ببراعة مع الأهلي، واعتلى قمة القارة بـ نجمة دوري أبطال أفريقيا وكأس السوبر القاري، إلى جانب سيادته المطلقة محلياً بثلاثة ألقاب للسوبر وكأس مصر، إنه حصاد غني يترجم فصولاً من الإصرار والنجاح المتراكم.
لكن مسيرة القادة الكبار لا تسير دائماً في خط مستقيم، ففي عام 2013، استدعي البدري لإنقاذ حلم جيل، ليقود المنتخب الأولمبي نحو شواطئ أولمبياد ريو 2016، ورغم أنه عبر بالمنتخب إلى المحطة الأخيرة (كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة)، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن، فتبخر حلم الأولمبياد بوداع مؤلم من الدور الأول، وفي عام 2019، جاء النداء الأعظم ليحمل البدري على عاتقه راية المنتخب الأول، وقتها قاد "الفراعنة" في عشر مباريات، كانت كالرقصة القصيرة، سَجَّل فيها المنتخب 14 هدفاً واهتزت شباكه أربع مرات فقط، محققاً سجلّاً خالياً من الهزائم بستة انتصارات وأربعة تعادلات، ورغم هذه العزيمة التي لم تُكسر، ورغم أن سجله ظل ناصعاً بلا خسارة، كانت النهاية ظالمة وقاسية، حينما قرر اتحاد الكرة توجيه "شكر الوداع" المفاجئ، لتنتهي مسيرة قصيرة، لم أنصفتها النتائج بقدر ما أنصفتها الأرقام.
رحل البدري بلا هزيمة، لكنه رحل مخلفاً وراءه سؤالاً معلقاً، هل كانت كرة القدم المصرية عادلة مع مهندس الألقاب، أم أن الضغوط أعلى صوتاً من حقيقة الإنجاز؟ وإلى نص الحوار الذى يجيب فيه البدري على كل التساؤلات بصراحته المعهودة.

في البداية، كيف تقيّم تجربتك الحالية مع أهلي طرابلس الليبي؟ وما هي أبرز التحديات التي واجهتك في الدوري الليبي مقارنة بتجاربك السابقة؟
** تجربتي الحالية في ليبيا هي فصل ذهبي يُسطر بأحرف من نور، لقد كانت مسيرة مثمرة، تكللت بتحقيق ما يُعتبر، بشهادة الجماهير الوفية وإدارة النادي والإعلاميين، أفضل بطولة دوري في تاريخ نادي أهلي طرابلس العريق، هذا الإنجاز لم يكن مجرد لقب، بل هو تأكيد على بصمة واضحة تُوّجت باختياري أفضل مدرب في ليبيا لموسم 2024/2025، الحمد لله على هذا النجاح الذي يمثل فخراً واعتزازاً، وخطوة مشرقة في سجل عطائي.
بالنظر إلى الوراء، ما هو أهم درس تعلمته خلال فترة تدريبك لمنتخب مصر الوطني، وهل تشعر أنك نلت الوقت الكافي لتحقيق رؤيتك الكاملة للفريق؟
** لقد كانت تجربتي مع المنتخب الوطني المصري فصلاً من أصعب فصول مسيرتي، فقد واجهت تحدياً استثنائياً تمثل في التعامل مع تباين الرؤى بين مجلسي إدارة متعاقبين، ولأنني لست ممن يميلون إلى إظهار السلبيات أو الإساءة للآخرين، أكتفي بالقول إن الوسط الرياضي بأكمله يدرك جيداً أنني لم أحظَ بالدعم الكافي خلال فترة إدارتي الفنية للمنتخب، ورغم هذا التجاهل وقلة الإسناد، فقد كنت مخلصاً لمبادئي، وهي تحقيق الأهداف والانتصار للوطن.
نجحت في عبور سفينة المنتخب إلى كأس الأمم الأفريقية، وحققت بداية قوية في تصفيات كأس العالم، فخرجت من مباراتي التصفيات بنجاح، حيث كان رصيدنا فوزاً وتعادلاً، وهو سجل ناصع تفوق على أداء المدير الفني الأجنبي الذي جاء خلفاً لي ليكمل المشوار، لكنه أخفق في تحقيق الهدف المنشود.

ما رأيك في أداء منتخب مصر الحالي تحت قيادة حسام حسن، وما هي نصيحتك للجهاز الفني الحالي في ظل الاستحقاقات القادمة؟
** منتخب مصر يملك بين صفوفه مواهب وعناصر كروية ثرية، مصر تملك الإمكانيات الكافية لرفع الكأس، لكن الحظوظ تتوقف على إشعال تلك الرغبة الجامحة في نفوس اللاعبين.
كيف ترى حظوظ منتخب مصر في أمم أفريقيا بالنظر إلى تطور مستويات المنتخبات الإفريقية في الفترة الأخيرة؟
** طريق منتخب مصر نحو منصات التتويج في كأس الأمم الأفريقية ليس طريقاً محفوفاً بالصعاب التكتيكية وحدها، بل هو رهين حالتين جوهريتين، الحالة الفنية والبدنية للاعبين، وشغفهم الجارف لتحقيق الانتصار في كل مواجهة، وتحويل إمكانياتهم الكبيرة إلى أداء قتالي يعكس قوة 'الفراعنة' وقدرتهم على حصد اللقب القاري.

بصفتك من المدربين الذين حققوا نجاحات كبيرة مع النادي الأهلي، وأكثر مدرب مصري فاز بالدوري (3 مرات).. ما هو سر تفوقك في التعامل مع ضغط القيادة الفنية لنادٍ بحجم الأهلي وتحقيق الألقاب محليًا وقاريًا؟
** بكل تواضع وامتنان لفضل الله، أود أن أصحح معلومة تاريخية طالما أثارت دهشتي لعدم تداولها إعلامياً بما تستحق، الأمر لا يتعلق فقط بكوني أحد أكثر المدربين المصريين فوزاً ببطولة الدوري، بل إن الحقيقة الساطعة هي أنني، وبحمد الله، أتربع على عرش المدربين المصريين على مر التاريخ من حيث العدد الإجمالي للبطولات المحققة، سواء داخل الأراضي المصرية أو في الملاعب الخارجية، وهو سجل شامل ومتكامل، يتجاوز حدود لقب بعينه، ليؤكد مكانة لم تقتصر على النجاح المحلي بل امتدت لتشمل القارة بأكملها".
يصنفك البعض بأنك مدرب "براجماتي".. هل تقبل بهذا الوصف؟ وهل تعتقد أن كرة القدم الحديثة تتطلب مرونة تكتيكية أكبر، وهل تغيرت أو ستتغير فلسفتك التدريبية بمرور الوقت لمواكبة التطور العالمي؟
** وصف مسيرتي بـ'البراجماتية' هو حكم لم يأتِ من محلل منصف، فبفضل الله وشهادة الأغلبية، من جماهير وإعلاميين في الداخل والخارج، فإن سجلاتي تتحدث عن نفسها، أنا مدرب يجمع بين الأداء الممتع والنتائج المبهرة، فإحصائيات التاريخ تنصفني كـ أكثر مدرب مصري تحقيقاً للبطولات محلياً وخارجياً على مر العصور.
ولمن يراجع الدفاتر، فليتأمل ولايتي الأخيرة مع النادي الأهلي، حيث حققنا أفضل معدلات الفوز وأنهينا الموسم بأعلى مجموع نقاط في تاريخ النادي، مؤكدين بذلك سيطرتنا المطلقة، أما عن فنيات الأداء، فذروتها تتجلى في نهائي أفريقيا 2012 ضد الترجي في تونس، تلك المباراة التي انتزعنا فيها اللقب بفوز تاريخي (2-1) بأقدام جدو ووليد سليمان، والتي تُعد بالإجماع، الأفضل أداءً في سجل بطولات النادي القارية، فإن ما قدمناه هو فن الانتصار والإقناع معاً، وليس مجرد حسابات جافة!

كيف تتعامل مع عملية تطوير اللاعبين الشباب في فرقك، وهل ترى أن هناك لاعبًا شابًا معينًا اكتشفته أو أسهمت في صقل موهبته وتتوقع له مستقبلًا كبيرًا؟
** بالنسبة لي، فإن مقعد القيادة الفنية هو مصدر متعة وتحدٍ لا ينتهي، أنا مدرب يتعامل مع الضغوط بشغف، وأستلهم منها وقوداً للعمل اليومي، سواء في حماسة التدريبات أو في دقة اتخاذ القرار خلال المباريات.
منهجي يقوم على التقييم الذاتي الدائم والسعي المستمر للتطوير، عبر مشاهدة ومتابعة المستويات الكبرى للمنافسات الكروية داخل مصر وخارجها، لتبقى مسيرة التعلم مفتوحة، ولتأكيد هذا الالتزام بالريادة المهنية، يشرفني أن أكون أول مدرب مصري يحصل على شهادة "البرو" من الاتحاد الآسيوي، وهي شهادة تعكس إيماني بأن التطور الأكاديمي والفني هو مفتاح النجاح المستدام.
هل لا تزال لديك طموحات للعودة إلى قيادة أحد الأندية الكبرى في مصر، وما هي المعايير التي تحدد قرارك عند اختيار وجهتك التدريبية القادمة؟
** تملكني في الماضي القريب شوق عارم ورغبة عميقة في العودة مجدداً إلى مصر، لتولي زمام قيادة أحد الفرق التي تمنحني الفرصة لإضافة انتصار جديد وبصمة مؤثرة إلى سجلي التدريبي الحافل، ولقد كانت نيتي تتجه نحو تحقيق هذا الهدف فور إتمام مهمتي بالفوز بلقب الدوري مع أهلي طرابلس، لكن دفء الجماهير الوفية في ليبيا وإلحاح إدارة النادي على استمراري كان له وقع السحر على قراري، لذا، وفي استجابة لندائهم، تم تأجيل قرار العودة لوقت لاحق، على أن تبقى العيون دوماً شاخصة نحو إمكانية تحقيق الإضافة في الساحة المصرية.

ما الفرق الجوهري بين تدريب الأندية التي تشارك في بطولات طويلة الأمد وتدريب المنتخبات الوطنية التي تعتمد على التجمعات القصيرة؟
** الفارق بين قيادة المنتخبات الوطنية والعمل داخل الأندية شاسع وواضح، لكنني أؤكد حقيقة ثابتة، هي المدرب الذي لم يُصقل تجربته لفترات كافية في رحاب الأندية الكبرى، ولم يتعامل مع دوامة الضغوط الهائلة والمتغيرات السريعة التي تحيط بها، لن يكون مؤهلاً لحمل مسؤولية منتخب وطني يضع تحقيق الألقاب والبطولات هدفاً لا محيد عنه، فالأندية الكبرى هي بمثابة مدرسة قاسية تُعلم المدرب كيف يدير الأزمات، ويستجيب للتحولات اللحظية، وهي الخبرة التي لا غنى عنها لمن يطمح في اعتلاء عرش القيادة الكروية على المستوى الوطني.
بصفتك أحد خبراء الكرة المصرية، ما هي أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الكرة المصرية حاليًا (مستوى التحكيم، الملاعب، الاحترافية)، وما هو الحل من وجهة نظرك؟
** في الحقيقة مسيرة الكرة المصرية نحو آفاق أرحب تواجه تحديات جسام تتطلب منا وقفة تأمل وعمل جاد، لا يكفي علاج الأعراض، بل يجب وضع استراتيجية طويلة الأجل وشاملة تكون بمثابة خارطة طريق متكاملة، هذه الاستراتيجية يجب أن تلامس كل ركن من أركان اللعبة، بدءاً من تطوير قطاعات الناشئين في الأندية لتكون مصانع للمواهب، مروراً بإصلاح البنية التحتية للملاعب والمنشآت، وتنظيم المسابقات المحلية لرفع مستوى المنافسة.
كما يجب أن تمتد هذه الرؤية لتشمل تطوير كل عناصر المنظومة البشرية من مدربين، إداريين، محللين، وكشافين، مع ضرورة تأمين الاحتكاك الخارجي اللازم لصقل الخبرات، والأهم من ذلك كله، هو تأسيس آلية للمراقبة والتقييم الدوري لتلك العناصر، مع المحاسبة والوقوف على السلبيات والإيجابيات بشكل مستمر، هذا المشروع الضخم يستدعي تضافر جهود الكوادر العلمية المتخصصة وأصحاب الخبرات العملية معاً لمتابعته.
وفي الختام، يجب أن نتعلم من تجارب من سبقونا، ونقوم بـ دراسة التجارب الناجحة واختيار ما يتناسب مع قدراتنا وإمكانياتنا الواقعية، لنبني صرحاً كروياً قوياً يستند إلى أسس راسخة لا تهزها رياح التغيير.
