"التاريخ يكتبه المنتصرون"... هل هذه الجملة دقيقة؟

الأحد، 30 نوفمبر 2025 06:00 م
"التاريخ يكتبه المنتصرون"... هل هذه الجملة دقيقة؟ غزة

أحمد إبراهيم الشريف

تتردد جملة "التاريخ يكتبه المنتصرون" بوصفها حقيقة نهائية، حتى صارت عند كثيرين قاعدة لا نقاش فيها، لكنها، عند التدقيق، ليست سوى "جملة مريحة" تبرر جهلنا بالتاريخ أكثر مما تشرحه، فالتجربة الإنسانية تزخر بنماذج لتواريخ كتبها المنهزمون، والمهمشون، وضحايا الحروب والاحتلالات، بل إن جانبًا مهمًا من تطور الدراسات التاريخية الحديثة قام أصلًا على "مراجعة رواية المنتصر".

من الأمثلة الكلاسيكية المبكرة ما فعله المؤرخ الإغريقي ثيوسيديديس في "تاريخ الحرب البيلوبونيزية". أثينا، التي انتمى إليها، خرجت مهزومة في صراعها الطويل مع إسبرطة، ومع ذلك قدم نصًّا أصبح مرجعًا رئيسيًا لفهم الحرب، وتحليل القوة والإمبراطورية والدعاية، وظل أثره ممتدًا في دراسات العلاقات الدولية حتى اليوم، هنا لا نرى "صوت المنتصر" بقدر ما نرى محاولة عقلانية من الطرف الخاسر لتفسير ما حدث، وفهم أسباب السقوط.

الأمر نفسه يتكرر في كثير من المذكرات واليوميات التي كتبها جنود ومثقفون من دول انهزمت في حروب كبرى، من ألمانيا بعد الحربين العالميتين، إلى اليابان بعد هيروشيما وناجازاكي، مرورًا بشهادات الجنود الأمريكيين الرافضين لحرب فيتنام، هذه النصوص لم تُمح من الذاكرة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قراءة التاريخ، وأحيانًا أكثر تأثيرًا من الوثائق الرسمية المنتصرة.

في التاريخ العربي المعاصر، يبرز المثال الفلسطيني بوضوح، فالرواية الرسمية للدول المنتصرة عسكريًا لم تنجح في إلغاء السردية الفلسطينية التي صاغها مؤرخون وباحثون وكتاب يوميات ولاجئون، وجرى تدوينها في كتب تتناول النكبة والتهجير والقرى المدمَّرة وخرائط الوجود الفلسطيني قبل 1948.
هذه الكتابات، التي تمثل في ظاهرها "تاريخ المهزوم"، أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من مراجع الجامعات ومراكز الأبحاث، وتدخل في قلب النقاش العالمي حول العدالة والذاكرة والحق في الأرض.

ومنذ منتصف القرن العشرين، ظهر تيار واسع في الدرس التاريخي يُعرف بـ"التاريخ من أسفل ، يهتم بأصوات لم تكن حاضرة في سرديات الدول والجيوش: الفلاحون، العمال، النساء، الأقليات، ضحايا الرق والاستعمار. هذا النوع من الكتابة التاريخية قام، في جوهره، على نقد مقولة "التاريخ يكتبه المنتصرون"، والبحث في الوثائق والرسائل والمحاكم والسجلات اليومية عمّا يخالف السردية الرسمية أو يكملها ويعيد توازنها.
بهذا المعنى، فإن جزءًا كبيرًا مما نقرؤه اليوم عن تاريخ الإمبراطوريات الاستعمارية – البريطانية والفرنسية وغيرها – لا يأتي من أرشيف القوة وحدها، بل من كتابات مناهضي الاستعمار في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن شهادات من اعتُبروا يومًا "الطرف الأضعف"، فإذا بهم يشكّلون رواية لا يمكن تجاوزها.

لا ينكر المؤرخون أن المنتصر يملك، في لحظة ما، أدوات أقوى للكتابة والتوثيق والتحكم في الأرشيف والتعليم والإعلام، لكن هذا لا يعني أن صوته الوحيد الباقي، فالتاريخ، في صورته المعاصرة، مساحة صراع وتأويل ومراجعة مستمرة، تتجاور فيها روايات متعددة، بعضها صادر بالفعل عن المنتصر، وبعضها من إنتاج المنهزم أو المهمش، ومع تراكم الدراسات والأجيال تصبح الجملة الحاسمة "التاريخ يكتبه المنتصرون" مجرد نصف حقيقة، أو ربما مجرد شعار يصلح لافتتاح خطبة حماسية، أكثر مما يصلح لفهم تاريخ البشر فعلاً.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة