- كنتُ خائفًا من الموت قبل السفر للقطاع لكن كأب عليّ أن أكون قدوة في الضمير الأخلاقي الذي أريده لأطفالي
- عندما يصل العديد من المصابين كنا غالبًا ما نهتم فقط بمن كنا نعلم أنهم سيبقون على قيد الحياة
- سعة مستشفى ناصر 300 سرير وعمل بأكثر من 300% من طاقته الاستيعابية واستقبل أكثر من 1000 مريض
- نوبات عمل الأطباء استمرت لـ24 و30 ساعة متواصلة وبعضهم لم يكن يتلق رواتب
- أنابيب الوريد الكبيرة المستخدمة لغسيل الكلى في قسم الطوارئ نفدت ولم نكن نستطيع عمل غسيل كلوى للمرضى
- شاهد أثناء وجودي بالمستشفى تفجيرات وإطلاق نار في جميع أنحاء المجمع الطبي وكنت أتناول وجبة واحدة يوميا
لا يحمل جنسيتهم، ولا يتحدث بلغتهم، وبينه وبينهم دول وقارات، إلا أن ضميره الإنساني دفعه لقطع آلاف الأميال وعبور العديد من الحواجز للوصول إليهم، لم ينكر أنه كان خائفا خلال تلك الرحلة الأصعب في حياته، يعلم أن احتمالات عودته إلى أسرته أقل بكثير من احتمال وفاته، كل الطرق تؤدى إلى الموت أو إصابة خطيرة تلازمه طول حياته، رسالته الإنسانية تغلبت على الخوف ليتخذ أشجع قرار في حياته ويذهب إلى غزة لعلاج المرضى والجرحى خلال الحرب.
الطبيب الأمريكي تيبو خان شاهد عبر التلفاز صور أطفال شهداء وآخرين مبتورى الأطراف، أو يصرخون من الجوع وكذلك ينزفون الدماء ويفترشون أرضيات المستشفيات التي لم تعد تستطيع استيعابهم، نظر إلى أطفاله الأربعة وتخيل ما إذا كان أطفاله يعيشون داخل القطاع، كان هذا سببا في اتخاذ قراره الجرئ، لم يخبر أسرته على التو بقراره سفره، لكنه فضل أن يكتب لهم رسائل وداع تحسبا لوفاته هناك.
وفود طبية أجنبية عديدة وصلت القطاع خلال فترة الحرب، ضرب أعضائها مثالا في التضحية والفداء، اختاروا الإنسانية على حساب أرواحهم، وسافروا لمساعدة زملائهم الفلسطينيين في علاج المرضى والمصابين، لم يداوون فقط الجرحى، بل كانوا شهود عيان على أبشع جريمة ترتكب في القرن الحالي، عاينوا الإصابات في الرأس لمنتظري المساعدات وشاهدوا الأشلاء المتناثرة في الشوارع، وتعمد إسرائيل استهداف المنشآت الصحية داخل القطاع.
حاور "اليوم السابع"، الدكتور تيبو خان، الذي حدثنا عن تفاصيل رحلته الصعبة إلى غزة، ووضع المستشفيات التي عمل فيها خلال الحرب، بالإضافة إلى صعوبة التعامل مع النقص الحاد في الأدوات الطبية والأدوية مما أدى إلى تزايد أعداد الوفيات، بجانب تعرضه لمجاعة داخل القطاع مثلما عانى باقي السكان نتيجة العدوان، وأصعب اللحظات التي مرت عليه وغيرها من القضايا والموضوعات في الحوار التالي.
الطبيب تيبو خان
ما مدى انهيار النظام الصحي في غزة وانعدام الإمكانيات الصحية بسبب الحرب؟
النظام الصحى في غزة يلفظ أنفاسه الأخيرة، والمستشفيات نفسها تعمل بموارد وكوادر محدودة، فخلال فترة وجودي داخل القطاع في شهر سبتمبر الماضي، كنا نعاني من نقص في أدوية التخدير والمضادات الحيوية والشاش ومعظم المستلزمات.
في أي المستشفيات عملت خلال حرب غزة؟
عملت خلال تواجدي داخل القطاع في مستشفى شهداء الأقصى ومجمع ناصر الطبي.
ما هي سعة مستشفى ناصر؟
تبلغ سعة مستشفى ناصر الطبي الذي عملت به 300 سرير، لكنه يعمل حاليًا بأكثر من 300% من طاقته الاستيعابية، حيث استقبل أكثر من 1000 مريض في تلك الفترة.
إذن عدد الإصابات والمرضى كانوا أكثر بكثير من حجم استيعاب المستشفيات؟
نعم، كان عدد الضحايا أكبر من قدرة المستشفى على استيعابهم، لم تكن لدينا الموارد أو الكوادر أو المعدات الكافية للتعامل معهم جميعًا.

تدمير المستشفيات في غزة
كيف كانت المستشفيات تستوعب الجرحى والمرضى رغم قلة الإمكانيات؟
كان المستشفى مكتظًا بعدد المرضى الذين يستقبلهم يوميًا، وبالتالي هذا أثر بشكل كبير على عمل الأطقم الطبية في ظل عدم توافر العلاج والمستلزمات الطبية.
ما مدى تأثير اكتظاظ المرضى والجرحى على الأطقم الطبية بالمستشفى؟
المستشفى لديه ما يكفي من الإمدادات والكوادر الطبية بالكاد ليواصل عمله، ولكن ليس لفترة طويلة.
ما الذي يحتاجه القطاع الصحي في غزة للتعافي؟
يحتاج إلى وجه السرعة بعد وقف الحرب تدفق الإمدادات والأدوية لأنه سينهار النظام تمامًا قريبًا حال تعطل تلك الإمدادات.

ضحايا الأطقم الطبية في غزة
ما وضع الأطباء في مستشفيات القطاع؟
يعد الأطباء والممرضون الذين عملت معهم من أروع وأكثر الناس صمودًا وقوة ممن قابلتهم في حياتي، حيث يعملون في نوبات عمل طويلة تتراوح بين 24 و30 ساعة متواصلة، وبعد انتهائهم من العمل يعودون إلى خيامهم وعائلاتهم ليمشوا مسافة اثنين إلى خمسة كيلومترات لجلب الماء والحطب والطهي لعائلاتهم، فالجميع في غزة مُهجّرون، ولا أحد يستطيع تجنّب هذا، ولا حتى الطاقم الطبي.
هل تقاضت الأطقم الطبية رواتبها؟
بعض الأطباء والممرضين لا يتقاضون رواتبهم، ولا تملك المستشفيات سوى القليل من أموال المساعدات الخارجية لدفع رواتب الموظفين، لذا يتطوع العديد منهم لأكثر من 48 ساعة أسبوعيًا لمساعدة مجتمعهم، وهذا نداءٌ لهم، إنهم لا يتقاضون رواتبهم، لكن لديهم نداءً لخدمة مجتمعهم والذهاب إلى العمل.
هل تُجرى العمليات الجراحية فعلا بدون تخدير؟
لم أكن في غرفة العمليات، لذا لا أستطيع التعليق على هذا، على حد علمي، لم أسمع بهذا من قبل.

الطبيب الأمريكي في مستشفى ناصر تيبو خان
هل لا توجد معدات طبية متاحة لإجراء العمليات الجراحية للمرضى؟
أنا طبيب طوارئ ولست جراحًا، لذا لا يمكنني التعليق على هذا، لكن يمكنني القول إن لدينا إمدادات محدودة للغاية في قسم الطوارئ، وكذلك يعاني المستشفى من نقص في المضادات الحيوية والشاش والكثير من الإمدادات.
كيف تعاملت مع تلك الإمدادات المحدودة في تعاملك مع المرضى؟
أذكر أنه في مرحلة ما، نفدت أنابيب الوريد الكبيرة التي نستخدمها لغسيل الكلى في قسم الطوارئ، فإذا جاء مريض واحتاج إلى غسيل كلوي طارئ، فلن نتمكن من إجرائه لأننا لم نكن نملك القسطرة اللازمة.
كيف كان حال أقسام الطوارئ في المستشفى المنوط بها استقبال الجرحى؟
كنت أعمل في قسم الطوارئ، لذا تعاملت مع الكثير من الإصابات الخاصة بالرأس، كان العديد من المرضى يفقدون لترات من الدم بسبب جروح الصدر، وعادةً، كنا نجهز جهاز نقل دم تلقائي يأخذ دمهم من الكيس الذي يفقدونه وينظفه ويعيده إليهم.
هل كانت وحدات الدم في المستشفيات كافية لعلاج الإصابات؟
لم يكن لدينا ما يكفي من وحدات الدم عند الحاجة، أحيانًا كان الدم متوفرًا، لكن في أحيان أخرى كان الحصول عليه يستغرق وقتا طويلا.
هل تسبب عدم توافر الإمدادات الطبية ووحدات الدم في تزايد عدد الوفيات؟
نعم.. أغلب الإمدادات غير متوفرة في غزة، وعمليات نقل الدم محدودة، مما أدى إلى وفاة العديد من المرضى بسبب نقص عمليات نقل الدم السريعة.
الطبيب الأمريكي تيبو خان
خلال فترة عملك في المستشفى.. هل تعاملت مع إصابات لمواطنين ذهبوا لتلقى المساعدات من مؤسسة غزة الإنسانية؟
نعم، تلك الإصابات التي ذكرتها في مواقع تغذية GHF "مؤسسة غزة الإنسانية" هي بالضبط كذلك، معظم الإصابات التي تعاملنا معها جاءت من شاحنات الإغاثة أو من مواقع مؤسسة غزة الإنسانية.
لماذا خاطرت بحياتك للقدوم إلى غزة رغم أهوال الحرب؟
بالنسبة لي، لم يكن العمل كطبيب من أجل المال أو المكانة، بل كان لخدمة العالم كمعالج، وتعهدتُ برعاية أي مريض يدخل من الباب، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو توجهه السياسي.
ما الذي شجعك على اتخاذ قرار السفر لغزة؟
رؤية حجم الموت الذي يحدث في غزة، من نساء وأطفال ومدنيين، هو ما دفعني للذهاب إلى غزة، صحيح أن خطر الإصابة أو الموت كان حقيقيًا وأنا في منطقة حرب نشطة، لكن هذا كان القرار الأخلاقي العادل.
ألم تخش الموت خلال سفرك للقطاع؟
نعم، كنتُ خائفًا من الموت.
هل أخبرتِ عائلتكِ عن سفرك؟
كتبتُ رسائلَ إلى أطفالي الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة و12 عامًا، تحسبًا لوفاتي وعدم عودتي، مع ذلك، كأب، عليّ أن أكون قدوةً في الضمير الأخلاقي الذي أريده لأطفالي، والذي يتطلب مني المخاطرة لمساعدة المحتاجين في غزة، فإذا كنتُ أبًا في غزة وأطفالي مصابون أو يحتضرون، لتمنيتُ لو أن أحدًا ما يأتي لمساعدتي، هذا ما يريده كل أب وأم: السلامة لأطفالهم.
كيف ذهبتِ إلى غزة؟
سافرتُ مع مجموعة أطباء متطوعين تُدعى "ميد جلوبال".
ما هو أصعب مشهد شاهدته خلال فترة وجودك في مستشفيات غزة؟
أصعب ما رأيته كان الأطفال المصابون، أصغر طفل عالجناه كان طفلاً عمره ستة أشهر، أصيب برصاصة من العيار الثقيل، وتوفي الطفل بعد العملية الجراحية تلك الليلة، وعالجنا العديد من الأطفال المصابين بالرصاص أو الشظايا، وهذا أصعب ما رأيته.
ماذا عن الأطفال الذين تحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية داخل المستشفى بسبب المجاعة؟
عملتُ في قسم الطوارئ بقسم الإصابات، لذا اعتنيتُ بإصابات الأطفال، لم أرَ أي مشاكل طبية لأن هؤلاء الأطفال كانوا يُنقلون إلى قسم طوارئ الأطفال، حيث لم أكن أعمل.
هل عانيت من المجاعة خلال عملك في القطاع؟
بالنسبة للعاملين، يمكنهم شراء الطعام من أسواق الشوارع، ومعظم الطعام غير مغذٍّ، مثل الكربوهيدرات والدهون، والبروتين في معظمه قليل للغاية، ولم يتناول الناس لحومًا طازجة منذ 8 أو 9 أشهر، واللحوم الوحيدة المتاحة هي اللحوم المعلبة المصنعة، أما أفقر الناس، فلا يستطيعون شراء الطعام، فيضطرون للذهاب إلى مراكز الإغاثة للحصول على أي طعام متاح، وإلا سيُصابون أو يُقتلون أثناء محاولتهم.
هل تقضي الفرق الطبية ساعاتٍ طويلةً بلا طعام؟
نعم، بالتأكيد، تناولتُ وجبةً واحدةً يوميًا ولوحًا بروتينيًا واحدًا، كنتُ أستهلك 800-1100 سعرةٍ حرارية يوميًا.
متى قررت مغادرة غزة؟
كنت داخل القطاع في 2 سبتمبر وغادرت في 25 سبتمبر الماضي.
هل لديكم رسالة أخبركم بها أحد مرضى غزة وما زلت تتذكرها؟
صمود أهل غزة هو ما سأظل أذكره دائمً، كان هناك طبيبٌ مقيمٌ عملت معه، قُصفت خيمة أخته المجاورة، وماتت أخته وزوجها وأطفالهما الثلاثة، أخذ إجازة لبضعة أيام للتعافي، ثم عاد للعمل لخدمة مجتمعه، جميع الطاقم الطبي هناك أبطال.
هل رأيتم مرضى ماتوا في المستشفيات بسبب نقص العلاج؟
نعم، عندما يصل العديد من المصابين، كنا غالبًا ما نهتم فقط بمن كنا نعلم أنهم سيبقون على قيد الحياة، ففي الولايات المتحدة، كان من الممكن إنقاذ بعض هؤلاء المرضى، لكن في غزة، اضطررنا إلى تركهم يموتون لنركز جهودنا على من هم أكثر عرضة للنجاة.
هل كان هناك مقابر جماعية داخل المستشفى بسبب كثرة الموتى؟
لم أر أيا من القبور في المستشفى.
هل قُصف المستشفى الذي كنت تعمل فيه ؟
كما تعلم، قُصف مستشفى ناصر قبل وصولي بفترة وجيزة، كانت هناك تفجيرات وإطلاق نار في جميع أنحاء المستشفى أثناء وجودي هناك.
هل يمكن اعتبار ما حدث في غزة وكثرة الشهداء والإصابات إبادة جماعية؟
لا أستطيع التعليق على الإبادة الجماعية، لستُ خبيرًا في الإبادة، وسأترك الأمر للأمم المتحدة والهيئات الأخرى لاتخاذ القرار.
هل تنوي زيارة غزة مرة أخرى؟
بالتأكيد.
ما هي رسالتكم للمجتمع الدولي؟
مهما كان رأيكم بالوضع السياسي في غزة، لا شك أن النساء والأطفال والمدنيين هم الأكثر تضررا ووفاة، علينا جميعا أن نتفق على أن هذا غير مقبول، وأن هذا مثل عقاب جماعي لسكان غزة.